عدد القراءات: 1406

دور الإخوان المسلمين في إفشال الثورة السورية

 

تزعم جماعاتٌ من المسلمين أن النصوص الدينية ناجزة منذ أربعة عشر قرناً وقوّالة لكل شيء، بما في ذلك شكل الدولة التي يجب على المسلمين بناؤها وفقاً لمخطط رباني قديم أزلي غير قابل للتغيير. فمن تقيد بهذا المخطط أو التصوّر المزعوم لشكل الدولة فهو إسلاميّ، ومن لم يتقيد فهو علماني.

لا يُعلم على وجه الدقة لماذا اختار الإسلاميون تقسيم المسلمين بهذا الشكل:

هل جاءهم نبي بعد خاتم الأنبياء اسمه حسن البنا؟! أم نهض من وسط مجتمعاتنا الجاهلية مجدد أرسى لدين جديد اسمه سيد قطب؟!

إلى أي مدى ينطلي تقسيم المسلمين إلى إسلاميين وعلمانيين على تكفيرٍ مبطن بغيض؟ وكيف يختلف هذا التقسيم الجائر عن مبدأ الولاء والبراء الذي تتمسك به الجماعات الإرهابية التكفيرية؟

لا بد من السؤال عما إذا كانت نشأة هذه الجماعات من فراغ، أو أن لها عتبةً مبدئية تصعد عليها وهي ذاتها الإسلاميون وتيارات الإسلام سياسي!

يروى عن النبي محمد أنه قال: دينك دينك لحمك ودمك! وهو لم يقل دينك حزب يؤمّن لك مقعداً في البرلمان، أو سلماً تصعد عليه لتصبح عضواً في الائتلاف الوطني السوري، أو وسيلة للحصول على المكتسبات.

والقرآن الكريم بتعريف الفقهاء نصٌّ يُتعبد بتلاوته، ومن الإفتئات على الدين والإيمان أن نجتزء من سياق القرآن عبارة هنا وكلمة هناك، لنقول أنه يحدد شكل الدولة أو قواعد تأسيس البنوك، أو خطة مناهج الجامعات أو هندسة محركات الطائرات، وغير ذلك مما هو شأن السيرورة البشرية التي تدخل في باب الحديث النبوي: أنتم أعلم بشؤون دنياكم.

 

العلمانية نقيض الإيدولوجيا

العلمانية بالمقابل ليست إيديولوجيا، بل تنفيها، وهي على النقيض منها، ترفض الزعم القائل أن الدول تقوم على أكتاف الحاخامات والقساوسة والشامانات والمشايخ، وتصرّ بالمقابل على أنها تقوم على أفضل ما أنتجته النظم البشرية عبر مسيرة تطورها، بما يخدم أفراد أمة من الأمم بكل نحلهم وأعراقهم.

نشأ هذا التصور في أوروبا تحديداً إبان عصر النهضة، عندما وضع الفلاسفة تصوراتٍ تحد من هيمنة الكنيسة بمعتقداتها الخرافية ووصايتها على الدول الوطنية، التي بدأت تنشأ إبان تلك الفترة فتعيق عجلة التطور الأوربية التي كانت تتقدم باطراد نحو آفاق إنسانية رائعة ستقطف البشرية جمعاء ثمارها لاحقاً وليس أوربا فحسب.

وهكذا كفى الأوربيون المسلمين مؤونة الأمر، بل إن مهمة المسلمين في تمثل هذا الجانب من العلم السياسي الأوروبي كانت أسهل بكثير من تمثل أمور أخرى ما نزال نقف عاجزين على أعتابها كالتكنولوجيا المتقدمة، ومما سهل على المسلمين ذلك خلوّ الدين الإسلامي من الكهنوت الذي تعجّ به المسيحية، فالإسلام هو دين الإله الذي وصف نفسه بأنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فترك الباب بين السماء والأرض مشرعاً لكل الناس بنفس الدرجة.

وللمفارقة -بحسب بعض الباحثين- فإن كلمة علمانية موجودة في الترسانة اللغوية العربية، لكن ليس في التراث الإسلامي بل المسيحي. فرجل الدين المسيحي قبل أن "يتبتل" إلى الله ويقرر أن يترهبن، يكون شخصاً عادياً كأي مسيحي في هذا العالم، لكن عندما يترهبن يدخل في طريق "الرب" تاركاً العالم وراءه، فنحن نشير إلى حياته السابقة بكلمة العلمانية، أي عندما كان في علمانيته أي يعيش في هذا العالم الذي نحن فيه قبل أن ينقطع في الصومعة أو الدير.

لم يبلغ التراث الإسلامي ما بلغ من الاتساع في المدارس والبحوث والمذاهب، لولا أن المسلمين وعلى مر العصور كانوا قد خاضوا أروع التجارب البحثية ليجتهدوا وينتجوا في كل عصر ما هو مناسب لحياتهم وحسن معاشهم. ونحن بدورنا غير معنيين بتاريخ التوتر الذي نشأ بين الكنيسة وفلاسفة التنوير الأوربيين، فهذا أمر صار وراء ظهر أوربا نفسها، فكل ما علينا هو أن نستمر في أن نكون جزءً من الأسرة الإنسانية، فنبني دولنا ونظمنا وحياتنا على خير ما تنتج الإنسانية، فيكون لنا سهم في تطوير المسيرة البشرية برمتها، بدلاً من أن نظل واقفين على أبواب العصر ناظرين وراءنا للماضي البعيد مجترين تراث الفقهاء.

 

مصادرة الثورة السورية ومسخ معانيها  

مع انطلاق الانتفاضة السورية ضد نظام الأسد كان هناك شعارٌ حرص المتظاهرون على ترديده منذ البداية: "لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة إنسان". كان المتظاهرون الأوائل على وطنيتهم الفطرية يعلمون أن النظام الطائفي سرعان ما سيعمد إلى تصوير الثورة على أنها تمرد سنيّ لإبادة الأقليات في سوريا.

بحث النظام عن السلفيين بين المتظاهرين فلم يجدهم، ففتح أبواب سجن صيدنايا، وغمر وجه الثورة ببثور من قادات تنظيم القاعدة والحركات السلفية المتطرفة، التي كانت خير عون له في حرف الثورة عن مسارها السلمي والوطني.

أما الإخوان فلم تكن هناك حاجة للنظام لكي يبحث عنهم، فقد أطلوا برؤوسهم من تلقاء أنفسهم من منافيهم في بريطانيا وأمريكا والأردن وغيرها، وقد استفاق فيهم جرح حماه النازف منذ الثمانينيات، ورأوا في اللحظة الراهنة فرصة مناسبة للانتقام من النظام الذي حكم أهل سوريا بالحديد والنار.

بتقيةٍ عروبية وعلمانية زائفة، كان الإخوان متحمسين جداً للانتقام ودخول النزال الطائفي مع النظام، فاقتحموا ميادين الثورة معضودين بسيولة هائلة من داعمين كثر، فأغرقوا العمل المدني والإعلامي والعسكري في أشهر قليلة بشتى أنواع الدعم، وربطوا بهم الجماعات والتشكيلات المدنية والعسكرية التي أظهرت الاستعداد للتماهي مع الرؤية الإخوانية، بما في ذلك خريجي سجن صيدنايا من السلفيين الجهاديين وأتباع تنظيم القاعدة. بالمقابل استبعدوا بل حاربوا كل من هو ليس إخوانياً أو مستعداً لكي يتأخون ويتأسلم وينافق في الدين/ حتى وإن كان سنيّاً ومحافظاً أيضاً.

 

الصبغة الإخوانية وإصداراتها

وهكذا لم تستغرق الأمور أكثر من سنة حتى بدأ يبرز الوجه السلفي والإخواني للثورة، وبدأ الوجه المدني والوطني بالذبول.

صعدت الحركات المرتكزة على الإيديولوجيا الإسلامية بالتدريج، فمن كتائب الدروع إلى الفاروق إلى فيالق الشام والرحمن إلى جيش السنة وجيش محمد وجيش الإسلام إلى أحرار الشام إلى جبهة النصرة ثم إلى داعش، ذروة سنام عطاء الإسلام السياسي لثورة سوريا وللعالم قاطبةً.

تم إطلاق حملات التكفير المبطن بوصم المثقفين من قبل الجماعات الإسلامية بأنهم علمانيون، كتمييز لهم عن المتفيهقين والمتنطعين الذين أطلقوا لحاهم، وخضعوا لدوراتٍ شرعية وتمكن المال الإسلامي من شرائهم.

تسمية "علمانيين" التي تلتبس حتى على بعض المفكرين، صارت مرادفاً لمعنى الملحد أو الكافر في آذان العوام، الذين انساقوا وراء الخطابات الإسلامية المضللة، ما أدى إلى انقسام اجتماعي خطير بين عموم السوريين، لاسيما الشارع الثائر والمنتفض.

بدأ التكفير يستشري بين أهل السنة أنفسهم قبل أن يصبح تكفيراً مطلقاً لأتباع باقي الطوائف والأديان في سوريا، وهذا ما ساعد تنظيم القاعدة على تصفية الطبقة المثقفة في المجتمع السوري، وطردها إلى خارج البلاد أو إلى مناطق سيطرة النظام، لتبقى المناطق المحررة قفراً يليق بالعصفورية الجهادية التي أسس لها السلفيون والإخوان في المناطق التي حررها الجيش الحر من قبضة النظام بالدماء والتضحيات، قبل أن تقع كالسبيّة المدماة في أيدي عشاق السبايا.

ثم دُقّ آخر نعش في مسمار الثورة أواسط عام 2014 ، عندما تمكنت الفصائل المقربة من الإخوان المسلمين من قتال ما تبقى من فصائل الجيش الحر وطردها، فأصبحت المناطق المحررة في الشمال بعد ذلك غابة من الخطف والاغتيال والتعسف في حكم الناس، والمزايدة عليهم في دينهم وحرّمت البلاد على الصحفيين الأجانب والنشطاء الإنسانيين الدوليين، فصارت الساحة حكراً على المجاهدين ونشطاء الإخوان المسلمين وأدعياء الورع والتدين، وصار وجه الثورة وخطابها إسلامي رجعي لا يثير المنتفضين لأجل الحرية ويريب المراقبين في الخارج ويفرح النظام وأعوانه.

لقد صارت الثورة صراعاً دولياً بلا هوادة ساحته بلدنا الصغير، وغدا حلم الحرية مجرد معركة عسكرية مجنونة بين جماعات طائفية بغيضة ونظام طائفي مجرم، فوقع الشعب أسيراً لهذا النزاع المشبوه والذي آلت دفة القيادة فيه لأطراف إقليمية ودولية.

 

ثورة الإخوان المسلمين

وهكذا نجح الأخوان المسلمون في سرقة سردية الثورة، و أوجدوا لثورتهم المتخيلة والمصادرة والممسوخة سياسييها وإعلامييها وباحثيها ومستشاريها القانونيين وهيئاتها وشبكاتها الإعلامية والإغاثية ومجالسها المحلية، والكثير مما يضيق المجال عن ذكره، حتى أن نائب المرشد العام للجماعة السيد "حسام الغضبان" قال في تصريح شهير منذ مدة، أن هذه الثورة ما هي إلا امتدادا للأحداث الدامية في حماه الثمانينات والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء فيها، بينما كانت قيادات الإخوان – كما هم اليوم – يراقبون المذبحة ويشجعون عليها من وراء الحدود، كمن يشاهد مباراة كرة قدم.

أما بالنسبة لباقي السوريين فصار من الصعب عليهم رؤية رسوم الثورة بل رؤية سورية بحدّ ذاتها التي صار مستقبلها كبلدٍ موحّد على كف عفريت.

 

وهكذا سمحت جماعة الإخوان المسلمين لنفسها أن تطلق على المعارك العبثية الفاشلة التي خاضتها حركة أحرار الشام أسماء تستدعي الصراع الطائفي مع النظام في الثمانينيات كغزوة ابراهيم اليوسف في حلب وغزوة مروان حديد في حماه. وتعامل الإخوان مع خصومهم في المعارضة بمنطق التكفير، ومع المعارضين لهم فكرياً بمنطق الولاء والبراء.

أنزلوا الدين على السياسة فأساؤوا للدين ولم يكسبوا السياسة، والحق يقال أن ماكان ثورة للكرامة والحرية صار بعد عام 2014 ثورة للإخوان المسلمين: ثورة الغزوات والغنائم والحور العين والخلافة المنشودة، التي يصرّ الإخوان على أنها ستكون أفضل من خلافة داعش.

أما الشعب السوري المظلوم بكل فئاته فقد أصبح مهمشاً، ولم يعد معنياً بالصراع القائم، فما هذه إلا حرب طائفية بين متطرفين سنة ومتطرفين شيعة. فالشكر كل الشكر للإخوان المسلمين الذين خدموا اللاعبين الدوليين أيما خدمة، عن طريق منع الشعب السوري من فرز بديل وطني ومدني عن النظام الطائفي حتى تبقى مصائر هذا الشعب في أيدي أولئك اللاعبين.

أوغل الإخوان بالحماقة السياسية والرؤى العصابية وأرادوا أن يُدخلوا السوريين جميعاً في دهاليز أزماتهم وتصوراتهم القاصرة عن إدراك المجتمع السوري وطبيعة التغيير الذي تطلع إليه من خلال الثورة.

وأخيراً، نهض الغرب بعد طغيان الأسلمة على مشهد الثورة السورية، ليدعم النظام ولو ضمنياً، معللاً ذلك بغياب البديل المقبول في صفوف المعارضة الإسلامية والفصائل الجهادية.

هكذا تكون جماعة الإخوان المسلمين قد أسهمت في إعادة الشرعية للنظام رغم كل جرائمه وموبقاته، فصارت الجماعة هي الغسالة التي دخلت بها أسمال النظام البالية لتخرج بيضاء من دون لحىً وعمائم، وهي الهيئة التي بكل تأكيد يفضلها الغرب في نهاية المطاف.

لقد خاب مسعى الإخوان وخسرت كفة الشعب وأخشى القول بأن النظام قد ربح.

التعليقات

تحية طيبة استاذ مصعب مقالك هام جدا في في تفاصيله حول اخطاء الاخوان في الثورة و لكن استهلالك بالسطور الاولي يدل على جهل مركب بالتاريخ القديم والحديث الرجاء......سددوا وقاربوا

علِّق