عدد القراءات: 5222

دورة حياة التطرف بين فهم الرسالات والعقد الإنساني

 

ثمة شيء ما يدور في عقل الكثيرين عندما يشاهدون شخصاً ملثماً يرفع راية سوداء مكتوب عليها اسم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يقوم بتلاوة آيات من القرآن الكريم ليبدأ بعدها أعمال التفجير والقتل والذبح، فالكتاب - الذي يمسك به الشخص الملثم ويقدسه - هو ذات الكتاب الذي نمسك به نحن ونقدسه ونقرأ منه، ومحمد - الذي كتب اسمه على تلك الراية السوداء - هو نفسه النبي محمد صلى الله عليه وسلم  الذي نؤمن به، لماذا إذاً يصف الناس ذلك الملثم بأنه مجرم إرهابي متطرف؟! ألا يوجد احتمال ولو واحد بالمائة أن يكون على صواب؟!.

 

حتى نستطيع إيجاد مخرج حقيقي من هذه الحيرة لا بد أن نوضح بأن التطرف هو تجاوز لحدود العقد الإنساني، ونقصد بالعقد الإنساني مجموعة القيم التي اتفق البشر على احترامها - على اختلاف ألوانهم وأجناسهم - والتي يعبرون عنها بمفردات تختلف من لغة إلى لغة، إلا أن المعنى والمضمون يبقى واحداً لدى الجميع ولا يحتاج إلى شرح أو تفسير، مثل: الرحمة والمحبة والعدل والرأفة والسلام والإحسان والخير ...

هذا العقد الإنساني يتعرض لانتهاكات وتجاوزات بعضها فردي كالذي يمارسه أخ ظالم تجاه إخوته، وبعضها جماعي كالذي تمارسه بعض التنظيمات تجاه المجتمع، إذاً فالتطرف لا يقتصر على دين أو توجه فكري معين، إلا أن عدم التزامن بين الأفكار المتطرفة تجعل التطرف الإسلامي – مثلاً - يطفو تارة، ثم يليه التطرف المسيحي – مثلاً - ليطفو تارة أخرى وهكذا...

على العموم تبدأ دورة حياة الفكر الديني المتطرف بوجود نص مقدس، يدّعي أحد الأشخاص أنه قد فهمه فهماً دقيقاً، لا يبدو للوهلة الأولى أنه يخالف حروف النص المقدس إلا أنه ينتهك العقد الإنساني، بعد ذلك ينتشر هذا الفهم بين الناس، ثم يلتف حوله مجموعة تعجب به، ومع الزمن ونتيجة المبالغة في تمجيد ذلك الشخص وكتبه وأفكاره يصبح لا فرق بين النص المقدس وبين فهم ذلك الشخص، فإن امتلك الأتباع سلطة أو سلاحاً فإنهم لن يألوا جهداً في تجاوز العقد الإنساني مرتين؛ مرة وهم يطبقون ذلك الفهم الدقيق، ومرة وهم يردعون من خالفهم.

 

عادة ما تتركز مقاومة الفكر المتطرف على النتيجة، ولا يتم الاهتمام بالجذر الفكري والنفسي له، لا سيما وأن السياسيين يبذلون جهدهم للاستفادة من ظهور هذه التيارات المتطرفة لفرض التدخل تارة وبيع السلاح تارة أخرى مما يؤدي إلى انحسار جزئي في نشاطها  ولكن البذرة تبقى لتنمو في وقت جديد .

من المهم أن نذكر بأنه خلال دورة الحياة تلك فإن فهم النص يطفو على حساب النص الذي يتوارى عن الأنظار وينعكس الوضع ليتحول النص إلى مجرد تأكيد لذلك الفهم .

بناء على ما سبق يمكننا القول بأن الفكر الديني حتى يتحول إلى تطرف فإنه يتطلب شرطين أساسسيين:

- أولهما تفسير يتفق مع ظاهر النص المقدس ولكنه لا يخضع للعقد الإنساني

- ثانيهما تجاوز احترام الأشخاص لدرجة تمجيدهم .

إن أي تفسير أو فهم للنصوص المقدسة يجب ألا يتعارض مع العقد الإنساني، فإن حدث تعارض فالمتّهم حتماً هو الفهم وليس النص، إذ كيف نتصور أن ينزل النص لإسعاد الناس ثم يتعارض مع منظومة القيم التي اتفقوا عليها ضمناً عبر آلاف السنين؟!!.

 

في ظل العيش مع الإنسان لا يمكن أن نأتي بتفسير لا يخضع للعقد الإنساني،  والذي يرفض الخضوع لهذا العقد بحجة أن النص المقدس هو المرجع وليس أي شيء آخر، فإنه يخلط بين النص والفهم، فطالما أن ما بين أيدينا من تفاسير وتأويلات ليست إلا اجتهادات بشرية قد تخطئ وقد تصيب، فلا يعقل أن نسمح لهذه الاجتهادات الخاصة أن تتجاوز ذلك العقد الإنساني العام المتين الذي استعمل القرآن الكريم معظم مفرداته واحترمها كما هي، دون أن يغير في مضمونها أو دلالتها؛ لنقرأ مثلاً قوله تعالى : ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وقوله: ﴿ وما أرسلنا إلا رحمة للعالمين﴾، وقوله: ﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾، وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ وغيرها الكثير والكثير.

 

المطلوب إذاً ليس إلغاء الاجتهاد أو الفكر، بل لينطلق الفكر والاجتهاد وليتجول كما يريد ولكن ليبقى تحت سقف العقد الإنساني فذلك حماية للجميع من خطر التطرف، إذ معلوم أن النصوص المقدسة تحتمل عشرات التفاسير فهل يعقل أن يبقى التفسير والتأويل بلا سقف حقيقي وبلا معيار واضح يضبطه ؟!.

أما فيما يتعلق بتجاوز احترام الأشخاص إلى حد التمجيد فإن مجتمعنا الإنساني المعاصر تتوفر فيه بيئة خصبة جداً كي يتحول الفكر إلى تطرف، ولا حاجة لضرب أمثلة كثيرة؛ فالكنيسة تطلق على زعيمها لفظ: (قداسة البابا) في حين نهى السيد المسيح أن يناديه أتباعه بلفظ ( الصالح) كيف بلفظ ( قديس أو قداسة)؟!. يقول المسيح عليه السلام: (لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله) ( إنجيل متى 19: 17).

كذلك يبالغ المسلمون في وصف زعمائهم الدينيين فيطلقون عليهم لفظ: (إمام) أو (آية الله)، في حين أن القرآن الكريم أكّد بوضوح تام على بشرية رمز الإسلام (محمد)، بقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ ( سورة الكهف:100).

 

إن كلمة (قداسة) واضحة الدلالة على أن الشخص الذي أمامك هو مقدس، أما كلمتي (إمام) و(آية) فقد أطلقت في القرآن الكريم على أشياء ليس للبشر في صناعتها أي صلة، بالإضافة إلى كونها واضحة ومحددة بدقة لا تقبل التقليد مثلاً:

- كلمة إمام: أطلقت على التوارة  قال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ (سورة الأحقاف:12)، كما أطلقت على اللوح المحفوظ قال تعالى : ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (سورة يس: 12).

- كلمة آية: أطلقت على الآيات الكونية، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ (سورة فصلت:53) وكذلك على الآيات القرآنية قال تعالى:﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ (سورة البقرة: 252).

وبالتالي فإن إلصاق هذه الألقاب بالبشر هو مخالفة واضحة للرسالات السماوية، لأن هذه الألقاب - التي تنزّه عنها رُسُل الله أجمعين -أشبه ما تكون بلوحة تنبيه الغرض منها تقديم ما يقوله هذا الشخص ( سواء كان قديساً أو إماماً أو آية الله) من كلام وأفكار بصورة تجعلها شيئاً مقدساً أو أقل بقليل، وهكذا تطمئن النفوس لهذا الكلام وتنطلق منه مريحة نفسها من عناء التفكير والنقد، فطالما أنني أقوم بتطبيق كلام مقدس فلن يستطيع أحد لومي أو إلقاء المسؤولية علي!!!.

بالطبع لا يمكن أن نغفل أن الاعتداء والظلم الواقع على جماعة دينية معينة يسهم بشكل كبير في غرس مفاهيم دفاعية متطرفة لدى أفراد هذه الجماعة إلا أن هذه المفاهيم لا تلبث أن تزول مع الزمن وخاصة إذا انتهى ذلك الظلم والاعتداء الواقع على هذه الجماعة، بينما ما ذكرناه من غياب مرجعية العقد الإنساني في تفسير النصوص، والمصحوب بتقديس وتمجيد المفسرين يعد الأخطر نظراً لما يفرزه من  تطرف فكري عقائدي حقيقي يستمر قروناً وأجيالاً.

ختاماً يبقى الادعاء بأن التطرف الديني هو جسم غريب دخيل علينا ليس إلا غضٌّ للنظر عن إحدى أهم مشاكلنا والتي إن لم نضعها على طاولة التشريح مستشعرين ما يحيط بشبابنا وما يختلج في نفوسهم من صراعات وأفكار فإن القادم لن يكون مبشراً.

 

علِّق