No votes yet
عدد القراءات: 5117

دراسة مترجمة : امتداد داعش في الشرق الأوسط وسبل مواجهتها

الكاتب الأصلي: 
David Ignatius
تاريخ النشر: 
29 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2015

 

صحيح تماماً كما يقول الفلاسفة "إن السبيل الوحيد لفهم الحياة إنما يتمثل بقراءة الماضي"، لكن هذه المقولة ربما لا تكتمل إلا إذا أضفنا أن "السبيل الوحيد لعيش أحداث الحياة إنما يتحقق بالنظر للأمام". هذا ما جاء في إحدى المقالات للفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد عام 1843 لكن الآن تبدو هذه المقولة وكأنها تحكي تماماً عما يدور حالياً في الشرق الأوسط.

 

في الوقت الراهن نتابع أحداث الدولة الإسلامية وعيوننا للأمام حيث نتفاجأ دائماً عند حدوث كل منعطف جديد، لكن لفهم هذا التنظيم ربما سيكون علينا البدء من مراجعة أحداث الماضي. صحيح أن ما حدث في حزيران يونيو 2014 من اجتياح داعش لمدينة الموصل في العراق قد سبب حينها صدمة للعالم بأسره، لكن التنظيم وقادته كانوا واضحين بإعلان أهدافهم منذ حوالي عقد من الزمن. وكغيره من الأحداث اللاحقة لم يسبب هذا الاجتياح أي مفاجأة للسياسيين إذ أنهم ببساطة لم يروا ما كان يحدث أمام أعينهم، كان ذلك بمثابة مؤامرة سرية تمت حياكتها على مرأى الجميع، فتنظيم داعش أخبرنا تماماً عما كان بصدد فعله وبعد ذلك نفذ ما أخبرنا عنه.

يتّسم تنظيم داعش أحياناً بالغموض وهذا يعود لكونه عبارة عن أشياء متعددة تجتمع مع بعضها في آن واحد، فهو يجمع بين فكرة الالتزام الديني بطاعة الرسول وصحابته مع استخدام أحدث وسائل التواصل الاجتماعي ونظم تشفير البيانات، حيث تمتزج الأناشيد الدينية القتالية في الإصدارات المرئية للتنظيم مع مشاهد عنف واقعية شديدة القسوة لا تذكرنا إلا ببعض الأفلام التي تظهر مشاهد موت حقيقية. يتمتع التنظيم بانضباط يماثل الانضباط الذي تتمتع به عصابات السجون (للعلم فإن الكثيرين من أعضاء التنظيم تم تجنيدهم من سجون عراقية كانت تخضع للإدارة الأمريكية)، لكن هذا الانضباط يمتزج بدهاء تكتيكي وقدرة كبيرة على التحايل استمدهما التنظيم من تجنيده لأكثر الأعضاء خبرة في جهاز مخابرات صدام حسين. بالمقارنة مع القاعدة يبدو تنظيم داعش أكثر تماسكاً حيث أن أعضاءه يعيرون اهتماماً أقل لمسائل العقيدة الدينية والتراتبية التنظيمية، وبذلك فإن التنظيم يكتسب قوة كبيرة خصوصاً على مستوى القيادات.

من الواضح أن ما يفتك بمنطقة الشرق الأوسط حالياً لا يقف عند تنظيم داعش، إذ أصبح من الطبيعي خلال السنة الماضية أن نلاحظ تجليات انهيار النظام الذي نشأ بعد الفترة العثمانية، حيث أن الحدود التي تم رسمها في الصحراء عام 1916 من قبل الديبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرنسوا بيكو (ما يعرف باتفاقية سايكس بيكو) قد انتهت لتصبح مجرد غبار متناثر. إلا أننا ما زلنا بحاجة لفهم رؤية داعش لهذه العملية، فتنظيم داعش يمتلك جوانب دينية ونفسية وتقنية هامة لكن بالوقت نفسه لا يمكن أبداً إهمال حقيقة أن التنظيم هو عبارة أيضاً عن حركة معادية للاستعمار، تنطلق من فكرة الدولة الإسلامية أو الخلافة السنية كنقطة انطلاق باعتبارها تمثل شكل السلطة التي جاء بها الإسلام. وحتى في حال تم القضاء نهائياً على داعش فإنه من المتوقع أن فكرة الخلافة ستصمد وستعود للظهور مرة أخرى.

 

إن تجربة داعش تقودنا إلى نتيجة تماثل ما تعلمناه من خلال الحالات الأخرى التي شهدت فشلاً أمريكياً في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، ويتمثل ذلك بالتحديد في أن محاولات قلب الأنظمة التسلطية في العراق وليبيا والآن في سوريا ستقود إلى فراغ في السلطة بغض النظر إن جاء ذلك على يد الولايات المتحدة أو على يد المعارضين الإسلاميين. إن هذا الفراغ السياسي سوف يفسح المجال للمتشددين إن لم تقم الولايات المتحدة وحلفاؤها بتجهيز قوات محلية قوية وقادرة على القضاء على المجموعات الإرهابية وأمراء الحرب. عندما تقوم الولايات المتحدة بخلق مثل هذه القوات المحلية فإن عليها أن تفعل ذلك بشكل مستمر ومنتظم إذ أن تراجعها أو انسحابها من متابعة هذه الجهود سيقود إلى الفوضى كما حدث في العراق عام 2011. إن التدخل الأمريكي الذي يقف عند منتصف الطريق هو في الواقع لا يحقق سوى الاضطراب، إذ أنه يمكن المتمردين من الحصول على دعم كاف لمتابعة القتال لكن من دون تحقيق القدرة على النصر.

 

تعلمنا التجارب التاريخية أن حروباً كهذه تنتهي عندما تجتمع عدة عوامل أهمها وصول المقاتلين المحليين إلى حالة من الاستنزاف، إضافة إلى توصل القوى الإقليمية والدولية الأساسية إلى توافق حول صيغة تضمن وقف القتال وإعادة بناء شكل من أشكال الحكومة. وعادةً ما تتضمن التسويات تثبيتاً للحدود الكانتونية غير الرسمية التي ظهرت خلال مرحلة الحرب، حيث توفر هذه البيئة الجديدة ما يمكن اعتباره "منطقة آمنة" لكل من الطوائف الموجودة، مع وجود حكومة غير مركزية تعمل تحت مظلة الوطن القديم.

 

هذا ما حدث في لبنان مع توقيع اتفاق الطائف عام 1989، وربما يكون هذا هو السيناريو الأمثل الذي يمكن أن نتطلع إليه في كل من العراق وسوريا. وللتقليل من المعاناة الإنسانية خلال المرحلة التي تسبق التوصل لمثل هذا التوافق، فإنه من الضروري أن يتم دعم القوات المعتدلة بأقصى ما يمكن إذ أن هذه القوات هي التي تشكل المناطق الآمنة التي ستقود في النهاية إلى تشكيل أجزاء الدولة الفدرالية المستقبلية، وهذا يوفر بالوقت نفسه فرصة لضرب الجماعات المتطرفة. بالنسبة للحروب في الشرق الأوسط فإنه من النادر أن تنتهي بتحقيق نصر كامل أو استقرار دائم، لذلك فإن كلمة "تسوية" ربما هي أكبر مما نطمح إليه، ففي أحسن الأحوال ربما تكون التسوية على مدى سنوات عديدة قادمة مجرد خطوط وقف إطلاق نار مستقرة ومستويات أقل من الدماء المراقة وأعداد أقل من اللاجئين إضافة إلى مستويات إرهاب أقل.

بالنهاية فإن الأخطاء التي تم ارتكابها في السابق والتي أدت إلى ظهور تنظيم داعش لها من الأهمية، حيث يصعب بالمقابل تقديم وصفة سريعة للتعامل مع الأمور، لكن سأقوم بمشاركة ملاحظة قدمها لي رجل الأعمال السوري رجا صيداوي في حزيران يونيو 2003 في بداية نشوء هذه القصة المرعبة، وهنا أورد جزءاً من مقالة الواشنطن بوست التي اقتبست ما حذر به صديقي:

صيداوي قال: "أشعر بالأسف للولايات المتحدة، فقد تورطتم في المنطقة. أنتم الآن بلد الشرق الأوسط. سوف لن يكون بمقدور أمريكا تغيير العراق بل إن العراق هو الذي سيغير أمريكا"

يتصف الأمريكيون بأنهم شعب متفائل؛ فلديهم صعوبة في تصور النتائج السيئة، كما أن الشخصية الأمريكية تتسم بشكل عام بافتقارها للإحساس بإمكانية وقوع الكوارث أو بالشعور بأن الأمور لا تسير في أغلب الأحيان كما يتمنى الشخص. لهذا السبب كانت أحداث 11 أيلول سبتمبر صادمة بشكل كبير لمعظم الأمريكيين الذين لم يكن يخطر ببالهم أبداً أن مثل هذا الخراب ممكن أن يحل بهم.

بالنسبة للعرب فإنهم يعيشون ويتربون ضمن ثقافة تجعل دائماً من الأفضل أن تتوقع الأسوأ. سرد صيداوي بشكل سريع قائمة الحروب والكوارث التي ضربت منطقة الشرق الأوسط بشكل شبه متواصل منذ ولادته عام 1939، وهذا هو فخ التاريخ الدموي الذي أوقعت أمريكا نفسها في حباله.

حذر صيداوي الأمريكيين قائلاً: "سوف تتعلمون ثقافة الموت".

وهذا ما يحدث الآن.

 

 

الجذور العراقية لتنظيم داعش

 

إن ما في القرآن من رسائل تتعلق بالجهاد والانصياع لله قد تكتسب لدى المؤمن حالياً الزخم نفسه الذي كانت تكتسبه عام 622 ميلادية عندما جمع النبي محمد أتباعه في المدينة وبدأ غزواته للمناطق المجاورة. ويتحدث المؤرخ روبرت ج. هويلاند في كتابه الصادر بالانكليزية بعنوان "في سبيل الله: الفتوحات العربية وإقامة إمبراطورية إسلامية" عن هذه الشرارة الإيديولوجية ذاتها التي نراها موجودة أيضاً في الأناشيد الدينية التي تشكل خلفية صوتية يتم استخدامها حالياً في كثير من إصدارات داعش المرئية. يقول هويلاند: "ما يثير الدهشة إلى أبعد حد هو الخطة البسيطة والفعالة بالوقت نفسه التي وضعها محمد حيث انتقل من مرحلة إقامة مجتمع الصالحين (الأمة) إلى الذهاب لمكان آمن (الهجرة) ومن ثم بدء مرحلة الجهاد ضد الضالين عن الطريق الصحيح" 


إلا أنه لا يمكن فهم ظهور الخلافة الأولى في القرن السابع من خلال الدين بمفرده، وكذلك فالدين ليس كافياً لفهم التوسع السريع لدولة الخلافة الحالية، كما تسمي نفسها. بعد موت محمد في العام 632 اتقدت شرارة الجهاد وتوسعت بشكل سريع جداً، ومن أهم أسباب هذا الانتشار أن شرارة الجهاد لاقت بيئة قابلة للالتهاب في منطقة كانت مثخنة بحروب إمبريالية كانت قد استنزفت كل من الامبراطوريتين البيزنطية والفارسية.

 

تحدث ألبرت حوراني في كتابه الشهير "تاريخ الشعوب العربية" عن ظهور الخلافة الأولى وذكر أن "التغيير الذي حدث كان مفاجئاً وغير متوقع وما يزال بحاجة لتفسير"، واعتمد حوراني بعض الأدلة من علم الآثار ليظهر أن حالة الازدهار التي كانت موجودة في شرق المتوسط، قد تقوضت من فعل عمليات الغزو والتخلي عن بعض الوسائل الزراعية مثل زراعة المصاطب المتدرجة. لقد كانت هذه المنطقة ناضجة بشكل جعلها جاهزة لتتعرض للنهب. يضيف حوراني أن "العرب الذين غزوا الامبراطوريتين البيزنطية والفارسية لم يكونوا مجرد حشود قبلية بل كانوا يشكلون قوات منظمة كان بعض أفرادها قد اكتسبوا خبرة ومهارات عسكرية من خلال خدمتهم في إحدى الامبراطوريتين أو أثناء مشاركتهم بالقتال عقب وفاة النبي". (عندما أقرأ ما كتب حوراني لا يسعني إلا أن أفكر بالتحالف الحالي الذي يجمع بين ما لدى تنظيم داعش من قيادات متشددة دينياً وأعضاء بعثيين سابقين ممن خدموا في أكثر الوحدات سرية ووحشية في نظام صدام حسين).   

إن قصة ظهور أسلاف تنظيم داعش في العراق تتلخص بشكل كبير في قصة أبي مصعب الزرقاوي، أحد قادة تنظيم القاعدة المعروفين بالكاريزما، إذ ذكرت صحيفة "نيويورك ريفيو اوف بوكس" مؤخراً نقلاً عن مسؤول غربي سابق لم تكشف عن اسمه أنه كان من الصعب التوقع في عام 2003 بأن يوماً ما سيتم اقتطاع ثلث مساحة سوريا والعراق، وسيتم كسر كل هذه المؤسسات العسكرية القديمة من خلال هزيمة جيوش أكثر من عشرة من أغنى البلدان في العالم، وسيتم تأسيس امبراطورية مصغرة فقط من خلال مجموعة أسسها رجل كان يعمل في السابق في متجر للفيديو في الأردن.

جعل الزرقاوي اسمه يشكل تحدياً لكبار قادة تنظيم القاعدة مثل رجل الأعمال السعودي أسامة بن لادن والطبيب المصري أيمن الظواهري، حيث أنه في الوقت الذي كانت فيه قيادة القاعدة تخطط لعملياتها بشكل هرمي دقيق عمد الزرقاوي بدلاً من ذلك إلى اتباع منهج نور الدين زنكي المعروف بحروبه ضد الصليبيين وطرده للقوات الغربية من سوريا.  

كان الزرقاوي مقتنعاً بأن الأمريكيين سيغزون العراق فقام عام 2002 ببناء قاعدة له هناك، وعندما بدأ الغزو الأمريكي بعد سنة أظهر استعداده للتحالف مع بقايا شبكة المخابرات التي كانت تابعة لصدام حسين.

 

في كتابه الجديد المتميز يروي ويليام مكانتس هذه القصة بشكل جيد. بعد أربعة أشهر من الغزو الأمريكي قام تنظيم الزرقاوي بالهجوم على ثلاثة أهداف تم اختيارها بعناية، وكانت هذه الأهداف هي مقر الأمم المتحدة في بغداد والسفارة الأردنية في بغداد ومسجد الإمام علي، وهو مسجد للشيعة في النجف؛ رسمت هذه التفجيرات خيوط الحرب القذرة التي كانت تنتظر العراق حينها.  كما دمرت هذه التفجيرات أي أساس لمصالحة قادمة فالعراق سيتحول إلى منطقة محظورة بالنسبة للمنظمات الدولية التي كانت ربما ستخفف من عبء الاحتلال الأمريكي على البلد، كما أنه سيتم قطع علاقات العراق مع الأردن الذي يشكل الداعم السني الأساسي للعراق، وكذلك سينشطر العراق في حرب طائفية عقيمة بين المسلمين السنة والشيعة الذين عرفوا تعايشاً كان من أهم مزايا الحياة في العراق الحديث. لقد وضع الزرقاوي خطته في نهاية شهر آب أغسطس في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة ما تزال تنكر نيتها لاقتحام العراق.

ما يمكنني تذكره عن العراق في نهاية 2003 هو تنامي العنف من طرف التمرد السني بقيادة الزرقاوي، وأكثر من ذلك فقد كنت مصدوماً من استماتة الشيوخ العراقيين السنة الذين خافوا من همجية الزرقاوي، وكانوا يحتقرونه، لكنهم لم يتمكنوا من النجاح في جعل المسؤولين الأمريكيين في المنطقة الخضراء يأخذون مشاكلهم على محمل الجد.  

 

لنأخذ مثلاً مدينة الفلوجة وهي مدينة كبيرة تقع غرب بغداد وكانت تشكل واحدة من المناطق التي اعتمد عليها الزرقاوي لتجنيد المقاتلين، كل سكان المدينة الذكور السنة كانوا قد خدموا في الجيش أو عملوا بالتهريب (أو جمعوا بين العملين معاً)، وقد أراد الوجهاء القبليون في هذه المدينة من الولايات المتحدة أن تقدم لهم الحماية من الزرقاوي وأن توافق معهم على صفقة يحصل بموجبها السنة على حصة من المكاسب التي تم تحقيقها بعد الغزو. إلا أن طلباتهم قوبلت بالتجاهل في أكثر الأحيان فعندما زرت الشيخ خميس الحسنوي في أيلول سبتمبر 2003 في منزله الفخم الواقع على ضفاف نهر الفرات تحدث لي عن الحاجة الملحة للمساعدات الأمريكية واستمرار الوجود العسكري الأمريكي في البلاد، كذلك أفصح لي عن رغبته في الحصول على زوجة أمريكية (وقد بدى حينذاك أنه أخذ هذا الانطباع عن الولايات المتحدة من خلال المسلسل الأمريكي "بي ووتش"). قال لي بالتحديد "في حال خروج قوات التحالف الآن من العراق فإن القوي سيأكل الضعيف وسيبدأ الناس بقتل بعضهم البعض في الشوارع".  

 

من خلال الأحداث التي جرت في العام 2004 وما تلاه اتضحت صحة هذه التنبؤات، قبل أن تلجأ القوات الأمريكية إلى اعتماد خطة "التحرير وفرض السيطرة" في عملياتها العسكرية ضد المتمردين. وهنا بدأ المسؤولون الأمريكيون في المنطقة الخضراء في بغداد يرسمون شكل التركيبة الاجتماعية التي سيتم اعتمادها، إذ شكل الأكراد والشيعة المضطهدون سابقاً أدوات التغيير في بناء العراق الجديد. ويمكنني أن أذكر في هذه الفترة التي شهدت تصاعد الحرب الأهلية والعمليات العسكرية ما قاله لي أحد أبرز مسؤولي مجلس الأمن القومي الأمريكي حيث أخبرني أكثر من مرة أن الحل في العراق سيكون اعتماد "خيار الثمانين في المائة"، وكان يعني بكلامه أن الحل يتمثل في قيام الأكراد والشيعة ببناء دولة جديدة بغض النظر عن معارضة السنة الذين يشكلون عشرين بالمائة من عدد السكان. هذه النظرة كانت لا تتعدى كونها فكرة طائشة تم إلباسها لباس السياسة التي تتعامل مع الواقع.

 

ومع تصاعد العنف من جهة الزرقاوي خصوصاً تجاه الشيعة بدأ القلق ينتاب أسامة بن لادن وأعوانه، فقام الظواهري بتحذير الزرقاوي للتوقف عن عرض مشاهد قطع الرؤوس في الإصدارات المرئية التي تنشر على الانترنت. وأشار الكاتب مكانتس إلى ما صدر عن الظواهري بهذا الخصوص إذ قال إن مشاهد العنف الشديد قد تكون مشوقة بالنسبة لبعض الشباب ممن يمتلكون الحماس لكنها ستسبب الذعر لعموم المسلمين، وأضاف الظواهري "نحن في معركة إعلامية أكثر ما نحتاج فيها هو كسب عقول وقلوب جماعتنا"، فالرسالة كانت تتلخص بأنك إن قمت بالحرق باستخدام درجة حرارة عالية جداً فستحرق نفسك بالنهاية.

 

إلا أن هذه التحذيرات لم تلق آذاناً صاغية لدى القيادات الرعناء في العراق خصوصاً عندما وصل الأمر إلى مرحلة الإعلان عن مشروعهم بإقامة دولة إسلامية في العراق. يذكر مكانتس أن مشاورات الزرقاوي حول تأسيس خلافة كانت تعود لعام 2004. لم توافق القيادة العليا في القاعدة على هذا الموضوع فقد شعر بن لادن أن الانتقال بشكل سريع نحو السلطة في معقلي الحركة في العراق واليمن سيقود نحو هزيمة مبكرة وسوف يسيء لاسم التنظيم وسمعته.  

قُتِل الزرقاوي في إحدى الضربات الجوية الأمريكية عام 2006 لكن في شهر تشرين الأول أكتوبر 2006 قام أسلافه بإعلان دولتهم؛ دولة العراق الإسلامية، وذلك من دون مشاورة قيادات تنظيم القاعدة. في ذلك الوقت كانت الحرب الطائفية التي بدأها الزرقاوي ضد الشيعة تظهر نجاحاً كبيراً، ففي كل صباح كان الناس في بغداد يعثرون على ما لا يقل عن خمسين جثة، وكانت الإشاعات تقول إن السنة يقومون بقطع رؤوس ضحاياهم، في حين أن الشيعة كانوا يقتلون ضحاياهم عبر الحفر في رؤوسهم. أما الحكومة الأمريكية فكانت ما تزال في حالة إنكار، فقد قام مسؤولون مثلاً باتهام صحفي يعمل لصالح صحيفة الواشنطن بوست بتضخيم أعداد الضحايا التي كان يقوم بإحصائها في ثلاجات الموتى.

 

لكن في السنتين اللاحقتين بدأ يتضح أن الحذر الذي ظهر من قادة القاعدة كان مُبَرَّراً، فالرئيس الأمريكي حينذاك جورج بوش أيد خطة الجنرال ديفيد باتريوس في الدفع بالقوات للأمام واعتماد سياسة الهجوم المضاد التي كانت تقف وراءها، وفي الوقت نفسه  كان التمرد المضاد لقيادات العشائر السنية قيد التشكيل حيث تم إطلاق اسم "الصحوات" عليه، وبدأ يتلقى دعماً وانتباهاً من الأمريكيين. وبدأ القتال العنيف من جهة مقاتلي العشائر وقوات العمليات الخاصة الأمريكية ضد تنظيم القاعدة في العراق مع تجاهل ما كان يدور حول قيام دولة إسلامية، وذلك حتى نهاية الهجوم في العام 2009 عندما أوشك التنظيم الذي أسسه الزرقاوي على نهايته.   

ومع ذلك بقيت لدولة الزرقاوي الإسلامية جذوة مشتعلة كان الغضب السني كفيلاً ببقائها حية، واتقدت الشعلة مجدداً في السجون العراقية التي كانت تابعة للإدارة الأمريكية مثل سجن بوكا، حيث جمعت هذه السجون بعض السجناء السنة المتدينين مع أعضاء سابقين في حزب البعث، وهكذا تشكلت نواة لحركة جديدة رأت النور من جديد.

هل كان المسؤولون الأمريكيون على دراية بالحريق الملتهب الذي تقوم عليه الحكومة العراقية بقيادة رئيس الوزراء في ذلك الوقت نوري المالكي؟ وهل كان هذا الأمر يعنيهم بالأساس؟ يبدو أن الجواب هو النفي، فالمالكي كان شيعياً وكان حكمه يمتاز بالفساد والطائفية إذ بدأ بعزل المسؤولين السنة من مراكز القرار في الحكومة الجديدة، وبدأ الشعب العراقي يشعر بما كان يقوم به المالكي من تخريب للبلاد، حيث تم التصويت في انتخابات آذار مارس 2010 ضد تحالف المالكي وكانت نتيجة الانتخابات لصالح تحالف يتمتع بتمثيل أكبر تحت قيادة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي المقرب من الأمريكان.

 

وبشكل لا يمكن إلا أن يُعتَبَر فعل من أفعال الحماقة عقدت الولايات المتحدة مشاورات سرية مع إيران (الشريك الصامت)، توصلت بموجبها إلى الإبقاء على المالكي في السلطة، وأما نائب الرئيس جو بايدن الذي أشرف على هذه المشاورات فقد أسرع للإعلان عن أن "السياسة قد بدأت في العراق". واستخلص المسؤولون العراقيون (وربما كانوا على حق) أن إدارة أوباما كانت قد قررت ترك العراق لمؤامراته الداخلية، ولم يكن أحد في واشنطن يتوقع أن هذا المستقبل سيكون أكثر ملاءمة للدولة الإسلامية من أي وقت مضى (عدد قليل من المسؤولين في بغداد كانوا مدركين هذا الأمر).

 

وفي السنوات التي تلت ما يسمى بإعادة انتخاب المالكي في 2010 تورطت الدولة الإسلامية بسلسلة من الاغتيالات الوحشية طالت عدداً من زعماء العشائر السنة وبقايا ما كان يعرف بالصحوات في محافظة الأنبار غرب العراق، فبين العامين 2009 و2013 تم قتل 1345 شخصاً من الصحوات، وذلك حسب رسالة دكتوراه أعدها ضابط سابق في الجيش الأمريكي يدعى كريغ وايتسايد. في بلدة جرف الصخر جنوب بغداد تم قتل 46 شخصاً من الصحوات في 27 عملية خلال هذه الفترة. عمليات القتل والذبح هذه لم تكن سرية ففي إصدار مرئي بعنوان "صليل الصوارم" وثق تنظيم داعش عمليات اغتيال تضمنت إطلاق نار من مسافات قريبة أو عمليات قتل من سيارات. هل كان أي أحد في واشنطن يشاهد هذا؟ بالتأكيد لا. بالمقابل بدا  وكأن المسؤولين في بغداد لم يعيروا الموضوع اهتماماً، فعلى الأغلب كانت حكومة المالكي تتساوى مع تنظيم داعش في الشعور بالسعادة لتصفية الزعماء السنة الذين قد يكون بمقدورهم يوماً ما الوصول للسلطة.  

إن حملة الاغتيالات قد أضعفت المقاومة السنية وصبّ هذا في مصلحة تنظيم داعش الذي تمكن من السيطرة على الموصل في عام 2014، وكان تنظيم داعش قد استخدم السجون العراقية كمعسكرات للتدريب وكأماكِن تضمن أمن العمليات وبناء الثقة إضافة إلى مصدر لتنمية الحقد تجاه حكومة بغداد الخاضعة لسيطرة الشيعة. كانت السجون تضم جيش عصابات برسم الانتظار فأطلق تنظيم داعش حملة تحت اسم "كسر القيود" بهدف تحرير هؤلاء الأسرى وإعادتهم للقتال. وحسب تقديرات وايتسايد فإن تنظيم داعش تمكن بين تموز يوليو 2012 وتموز يوليو 2013 من القيام بسبع عمليات اقتحام كبيرة لسجون كان على رأسها عملية اقتحام سجن أبو غريب، (أحد أول الأشياء التي قام بها تنظيم داعش بعد السيطرة على الموصل كان تحرير السجن وقد أدى ذلك لتجنيد عدة آلاف من المقاتلين الجدد وضمهم لصفوف التنظيم). كان أبو بكر البغدادي الزعيم الحالي للتنظيم واحداً من خريجي هذه السجون التي تحولت إلى مدارس لتخريج الجهاديين.

 

في الماضي وأثناء الحرب الأهلية في إسبانيا كتب الشاعر دبليو أودين معلقاً على المجازر التي حصلت، فقال "أنماط الحمى لدينا مخيفة فهي مفعمة بالحياة وتعمل بدقة شديدة". في الفترة التي سبقت اقتحام الموصل من قبل التنظيم هل كان أحد من كبار المسؤولين في إدارة أوباما يدرك أن مقولة أودين في الواقع كانت تنطبق على الوضع في العراق؟ على الأغلب لا، فكما جاء على لسان جيمس كلابر مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية في إحدى المقابلات في شهر أيلول سبتمبر 2014، "في البداية استهنّا بالدولة الإسلامية وبالغنا في تصور القدرات القتالية للجيش العراقي، لم أكن أتوقع انهيار قوات الأمن العراقية في شمال البلاد. كل شيء يعتمد في النهاية على تخمين الرغبة في القتال وهذا شيء لا يمكن التنبؤ به أبداً".  

إلا أن نفوذ تنظيم داعش كان في المقابل واضحاً بشكل كبير بالنسبة لزعماء العشائر السنية، ففي شهر نيسان إبريل 2014 وقبل شهرين من سقوط مدينة الموصل أجريت مقابلات مع شيوخ عراقيين من منطقة الأنبار، وأخبرني أحدهم على الهاتف وهو الشيخ جلال الكعود أن قريته (البو علي جاسم) الواقعة غرب الرمادي قد شهدت هجوماً من قبل متشددين استهدفوا مبنى تابعاً للشرطة وهذا ما دفع بالجيش العراقي إلى قصف القرية متسبباً بإجبار كامل العشيرة على النزوح خارج المنطقة. وأضاف الكعود "كل الناس أخبروني أنهم لم يشهدوا أبداً أي شيء مماثل لما يحدث الآن. لقد أصبحت هذه البلدات والقرى في وسط الجحيم، فالحال هو أسوأ بكثير مما كان عليه في السابق". كذلك قال لي في ذلك اليوم الشيخ زيدان الجابري أحد زعماء العشائر في الرمادي "العراق لم يعد دولة، بل هو الآن بلد تحكمه العصابات".

 

لم يكن بمقدور أوباما تجاهل سقوط الموصل لكن حتى بعد نجاح الرئيس الأمريكي بالدفع لاستبدال المالكي برئيس وزراء آخر أقل طائفية عانت الولايات المتحدة في سعيها للحصول على ثقة الزعماء السنة والوصول لتجنيد القوات المطلوبة القادرة على طرد داعش من المناطق التي سيطرت عليها، ففي شهر تشرين الأول أكتوبر 2014 وفي الصباح الذي تلا مقتل مقاتلين من عشيرة البو نمر على أيدي داعش أخبرني الكعود أنه في تلك الليلة قام بطلب المؤازرة عدة مرات من القيادة المركزية الأمريكية لكن لم يتلقّ أي استجابة، وقال لي "كل مرة يجتمع فيها العراقيون مع الأمريكان يكتفي الأمريكان بتسجيل الملاحظات".

وفي ذلك الشهر نفسه قال الجابري إن العشائر السنية قامت مرة ثانية بطلب المساعدة من الأمريكان وسعت لبناء علاقة استراتيجية معهم، إلا أنه سخر من الخطط الأمريكية لتأسيس حرس وطني للسنة قائلاً إن ذلك كان مجرد تفكير مبالغ في التفاؤل، فالشيعة والأكراد لن يقبلوا أبداً بهذا الاقتراح. وأضاف بمرارة أنه طالما بقيت حقوق السنة غير مصانة "سوف لن نسمح للعالم أن يرتاح". وحتى الآن ثبتت صحة هذه التحذيرات فالقانون المدعوم أمريكياً والذي يشرع تأسيس حرس وطني سني ما زال مُعَلَّقاً في البرلمان العراقي ذي الأغلبية الشيعية.

 

في شهر حزيران يونيو 2015 وبعد عدة أسابيع من سيطرة داعش على مدينة الرمادي (بالرغم من تطمينات المسؤولين الأمريكيين بأن المدينة ستصمد)، التقيت بالجابري حيث كان يحاول الحصول على دعم أمريكي لمقاتلي العشائر التابعين له (كما هي الحال بالنسبة للكثيرين من شيوخ الأنبار فقد كان حينها يعتمد على شركة خاصة ببناء العلاقات في مراكز القرار في واشنطن).

قال لي الجابري حينها: "إن العراقيين لا يريدون أن يعيشوا تحت حكم الدولة الإسلامية لكن إلى أين بإمكانهم أن يرحلوا؟ في ذلك الوقت كانت المليشيات الشيعية قد أغلقت الطريق الواصلة إلى بغداد أمام السكان السنة الهاربين من الرمادي، بالمقابل كان تنظيم داعش يمنح العفو للعائلات التي تعود للمدينة وتسلم أبناءها للقتال في صفوف الدولة الإسلامية. ببساطة فإن زعماء العشائر هؤلاء لا يصدقون أن أمريكا تشارك في هذه الحرب بشكل جدي رغم كل التأكيدات التي يتلقونها من الأمريكان بهذا الخصوص. قد يتصف الشيوخ بالأنانية والسعي نحو تحقيق مصالحهم الخاصة لكن هل بإمكاننا إلقاء اللوم عليهم؟ لقد تعرضوا للكي مرات عديدة. إن المشكلة في الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة داعش في العراق أنها تعتمد على حراك العشائر السنية الذي لم يعد موجوداً أصلاً"

 

ما هي الدروس التي يمكننا أن نستخلصها من الطريقة التي ظهر فيها تنظيم داعش في العراق والحملة التي قامت حتى الآن لمواجهة هذا التنظيم؟

أولاً بالنسبة للعمليات العسكرية البرية والجوية التي استهدفت التنظيم فإنها كانت تحقق نجاحاً عندما تنطلق من مناطق تتمتع بموارد عسكرية واستراتيجية قوية وتمتاز بوجود مقاتلين لديهم ما يكفي من التدريب والدافع للقتال، وتشكل منطقة كردستان العراقية مثالاً واضحاً كما رأيت في زيارة لي مؤخراً للمنطقة، إذ إن قوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني تمكنت من دحر تنظيم داعش باتجاه الغرب والجنوب كما ضيقت عليه في الموصل.

من يزور المنطقة الآن بإمكانه أن يتجول بأمان في الجزء الشمالي من محافظة نينوى وفوق سد الموصل، هذه المناطق ذاتها كانت تحت سيطرة داعش في فصل الخريف من عام 2014. وقد حافظت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني على مواقعها في شمال كركوك على الرغم من تنامي القلق لدى الأكراد والأمريكان بخصوص تلقي هذه القوات أوامر من إيران وفيلق القدس، وكذلك هو الحال بالنسبة للمليشيات الشيعية التابعة لإشراف إيران فقد كان لها دور كبير في القتال للدفاع عن بغداد.

 

لكن تبقى المشكلة في إمكانية تأسيس قوة سنية يمكنها مساعدة القوات العراقية في دحر داعش من الموصل والفلوجة والرمادي، والمحافظة على المناطق التي يتم السيطرة عليها. مثل هذه القوات ينبغي أن تعمل ضمن بيئة آمنة، ليس فقط من الناحية اللوجستية ولكن من ناحية توفر الثقة التي تجعل السنة يشعرون بأنهم يحاربون من أجل مكان في العراق يكون حقاً وطناً لهم بعد الخلاص من داعش. كان قد أخبرني السفير العراقي في واشنطن لقمان فايلي أنه يشجع إجراء تعديلات دستورية توصل البلد إلى الشكل الفدرالي الذي يعطي السنة حصتهم في اللعبة وينقل العراق إلى حالة ناجحة من اللامركزية.

وفي ظل غياب هذا المكون السياسي الأساسي يبقى من الصعب تخيل إمكانية نجاح الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة داعش، فالقوة العسكرية الأمريكية ربما تكون قادرة على تغييب ورثة الزرقاوي عن الساحة لكن من دون اللجوء لتمكين السنة، سيعود المتمردون بنسخة "داعش اثنان" أو "داعش ثلاثة". من الواضح حالياً أن "حل الثمانين بالمائة" هو وصفة سريعة لبقاء العنف مندلعاً في العراق، لكن إن لم يتم التوصل إلى توازن سياسي جديد يسمح للسنة بحكم مناطقهم سيكون علينا أن نتوقع حدوث ما حذر به نائب المدير السابق لجهاز المخابرات المركزية جون مكلاغلن حين قال لصحيفة نيويورك تايمز "إن قمنا بأخذ كل الأمور بالحسبان فإن تنظيم داعش قد يكون هو الرابح، إذ أن الشر ليس بالضرورة هو الطرف الخاسر دائماً"

 

 

 

الأصول السورية لتنظيم داعش:

من خلال الخوض في قصة توسع داعش في العراق نتمكن على الأقل من تشكيل تصور منطقي للأحداث، لكن هذا يبدو أصعب عندما ننتقل إلى سوريا حيث أن انتشار تنظيم الدولة الإسلامية هناك يبدو كخطأ فادح يتجاوز مجرد كونه جريمة.  سوف لن يكون بمقدورنا أبداً أن ندرك ما إذا كان من الممكن تحقيق نتائج أفضل في حال كانت الولايات المتحدة قد تبنت سياسات أكثر عدائية إما من خلال تسليح المعارضة السورية المعتدلة في وقت مبكر أو من خلال ضرب البنى التحتية العسكرية التابعة للحكومة السورية عند لجوء الرئيس بشار الأسد إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، لكن بكل الأحول فإنه يصعب تصور أي سياسة كانت ستؤدي بنتائج أسوأ مما حصلنا عليه حتى الآن.  

 

في الوقت الذي عرف فيه تنظيم داعش نمواً طبيعياً في العراق (بالشكل نفسه الذي نطلق فيه صفة "طبيعي" على انتشار الورم الخبيث في الجسم)، كان ظهور التنظيم في سوريا ناتجاً عن عملية غرس، إذ أنه إلى جانب كل أخطاء السياسة الأمريكية فإن القوى الإقليمية أيضاً بما فيها تركيا وإيران والسعودية وقطر قد ارتكبت أفعالاً متهورة في هذا البلد وحولته إلى ساحة لحروب عديدة بالوكالة.

فتركيا سمحت بأن تبقى حدودها الجنوبية مع سوريا مخترقة وذلك شكل ما يشبه منطقة إمداد آمنة لداعش وجبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة. وأما إيران فهي التي دفعت بحزب الله اللبناني إلى سوريا لإنقاذ نظام الأسد، مع العلم أن المهمة الموكلة للحزب كانت في السابق تنحصر في قتال إسرائيل. كذلك بالنسبة لقطر والسعودية إذ دفعهما تنافسهما الحثيث لتحقيق نفوذ أوسع في المنطقة إلى تمويل مجموعة واسعة من المليشيات السنية التي شكلت بيئةً ملائمةً لنمو التطرف، وبهذا الشكل تكون هاتان الدولتان قد دعمتا التطرف بشكل مباشر. أما روسيا فهي التي وقفت متفرجة عندما قام الأسد وكيلها في المنطقة بقصف المدنيين وتدمير البلد، إلى أن شرعت هي نفسها بعمليات القصف.    

 

إن التدخل العسكري الروسي مؤخراً في سوريا يمثل سياسة القوة والمصالح بأكثر أشكالها وضوحاً، إذ إنه يهدف بشكل واضح لدعم الحكومة التي تحمي المصالح الروسية في سوريا مع العلم أنه نظرياً كان من المفترض أن يكون فقط لمواجهة المتطرفين، جاء هذا بعد أن أدرك فلاديمير بوتين الصيف الماضي - كما أدرك جهاز المخابرات المركزية الأمريكي- أن نظام الأسد مستمر في خسارة المزيد من المناطق لصالح المجموعات الإسلامية. إن العمليات العسكرية الروسية التي تعمل بالتنسيق مع إيران لم تركز على معاقل داعش في الشمال الشرقي للبلاد بل استهدفت القوات التي تدعمها الولايات المتحدة والسعودية في الشمال الغربي قريباً من المناطق العلوية في اللاذقية التي تشكل معقل عائلة الأسد. قد يكون بوتين يريد تقوية سلطة الأسد كتحضير لمرحلة المفاوضات السياسية التي تقر كل من موسكو وواشنطن بالحاجة إليها، لكن حتى الآن لم ينتج عن التعاون الروسي الإيراني مع الأسد إلا تعميق الطبيعة الطائفية للحرب.

في هذه الأثناء عانت الخطط الأمريكية المتعلقة بسوريا من الضعف كما أن تنفيذ هذه الخطط اتسم بغياب كامل للكفاءة، حيث أن الولايات المتحدة تبدو حتى وقت كتابة هذه المادة كشريك صغير في حين أن روسيا تضطلع بدور حاسم في توجيه المعركة ضد داعش. هذا يجعل سوريا تبدو وكأنها كتاب من كتب آغاثا كريستي حيث تشترك كل شخصية في الكتاب بدور في الجريمة.

 

في بداية الثمانينات زرت سوريا لأول مرة وكنت شاهداً في حينها على التدمير الممنهج الذي ألحقه حافظ الأسد بمعاقل الأخوان المسلمين في مدينة حماه، وفي وقت لاحق بين عامي 2000 و2010 كنت من بين العديد من الغربيين الذين كانت لهم محادثات دورية مع بشار الأسد ومستشاريه حيث كان يظهر حينها اعترافه بالحاجة لإجراء إصلاح سياسي في سوريا. بعد وقت قصير من سقوط حكومة الرئيس حسني مبارك إثر الثورة التي انطلقت في ساحة التحرير والتي شكلت أوج الربيع العربي، قادني الفضول في شهر شباط 2011 لأسافر من القاهرة إلى دمشق، رغبة مني لأستكشف ما ستضيفه دمشق لهذه اللحظات الثورية علماً أن تاريخها الحديث قد شهد العديد من الانقلابات والانقلابات المضادة.  

 

بالنسبة لمستشاري الأسد فقد كانوا يتناقلون الأحاديث عن خطط الرئيس للإصلاح، حيث أكد أحدهم أن الرئيس كان على دراية بالفساد الذي كان يعاني منه حزب البعث، كما أكد آخر أن الأسد كان يعرف كذلك بضرورة ضبط النفوذ الذي تمتعت به عائلة مخلوف. كشف لي بعض المستشارين المؤيدين للإصلاح عن الاعتداء الذي تعرض له سائق في وسط دمشق في 19 شباط فبراير على يد قوات الشرطة، كان ذلك بالطبع حدثاً عادياً في دمشق الخاضعة لسلطة استبدادية، لكن وجود الهواتف النقالة ووسائل التواصل الاجتماعي أكسب الموضوع بعداً جديداً، إذ تجمع المئات خلال وقت قصير في شوارع العاصمة وبدؤوا يهتفون: "الشعب السوري ما بينذل". تم نشر مقطع فيديو لهذه المظاهرة على شبكة الانترنت مما أتاح وصوله لكل البيوت في سوريا، إلا أن المسؤولين السوريين تحلّوا بالحكمة في بادئ الأمر حيث وصل وزير الداخلية خلال ثلاثين دقيقة من بداية المظاهرة واعتذر من الرجل الذي تعرض للضرب ورافقه بسيارته من مكان المظاهرة. أما بالنسبة لضباط الشرطة فقد تحلوا بالانضباط، وبشكل تدريجي تفرق المتظاهرون وحتى أن بعضهم (بدون شك مع بعض التشجيع من الجهات الرسمية) بدأ بالهتاف باسم الأسد.

 

وبعد بضعة أسابيع لم يكن الحظ إلى جانب النظام، إذ شهدت أيضاً مدينة درعا جنوب البلاد اندلاع مظاهرات مشابهة قام فيها أهل المنطقة (المعروفين بالحوارنة) الأشداء بإجبار قوات الشرطة والجيش على التراجع، إلا أنّ سلطة النظام برئاسة المحافظ الذي كان معروفاً بالعناد ردت بإطلاق النار على المتظاهرين، مما أدى إلى قتل العديد من المدنيين وبالتالي اندلاع الثورة السورية.

وقد كان هناك عوامل عديدة جعلت هذه الثورة تتميز بعدم التنظيم وأن تكون فريسة لتلاعب المتطرفين، فهي كانت حركة انطلقت من الأسفل للأعلى إذ بدأ الشباب يتجمعون في المساجد لتشكيل مجموعات صغيرة للدفاع عن مناطقهم وللمساهمة في حرب أكبر لإسقاط النظام. أما الأخوان المسلمون الذين تعرضوا للهزيمة على يد حافظ الأسد عام 1982 فقد كانوا يفتقرون للانضباط والتنظيم الكافي للمساعدة في تشكيل معارضة قوية، وكذلك بالنسبة للمعارضة المعتدلة إذ عانت بالتأكيد من سوء الحظ.

 

وكما هو الحال في العراق فإن الثورة في سوريا اندلعت في بلد كان قد قمع الانقسامات الطائفية في السابق حيث كان السنة يقدرون ما قدمه نظاما الأسد الأب والابن من استقرار وتعزيز لفكرة العروبة لكن بالوقت نفسه كان لديهم شعور بالذل ناتج عن خضوعهم لقادة كانوا بالأساس محل استهزاء الكثيرين ممن اعتبروهم مجرد أشخاص ريفيين جاؤوا من الجبال. وفي ضوء هذه التوترات اختارت الأقليات السورية أن تصطف خلف النظام.

 

ونظراً لغياب التنظيم في المعارضة إضافة إلى الخاصية الطائفية للمجتمع السوري فإن الحرب الأهلية اشتدت لتصبح أكثر ضرواة بعد عام 2011، كما تعززت الهوية السنية والجهادية للمعارضة. في شهر أكتوبر تشرين الأول 2012 دخلت إلى سوريا وقمت بجولة لمدة يومين بمساعدة من الجيش السوري الحر وتوصلت حينها إلى ثلاث نتائج أساسية هي:

 النتيجة الأولى هي عدم توفر الأسلحة الكافية لدى المعارضة لتنتصر على قوات الأسد، وتقريباً كل السوريين الذين التقيتهم كانوا يرون أن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن ذلك. كذلك رأيت أن قادة الجيش السوري الحر كانوا يحاولون التعامل مع العمليات العسكرية العشوائية التي تفتقر للتنظيم من خلال محاولة فرض سيطرة أكبر. كما وجدت حينها أن نفوذ الجهاديين السلفيين الذين يبحثون فقط عن الشهادة كان في ازدياد في ظل هذه الحرب العشوائية.

كما بدا جلياً في ذلك الوقت أنه مع غياب المساعدات الأمريكية والتدريب للمعارضة المعتدلة كانت هذه المشاكل تتجه فقط نحو الأسوأ.

في عام 2013 بدأ جهاز المخابرات المركزية الأمريكي CIA برنامج تدريب عسكري، وقد حقق هذا البرنامج بعض النجاح في بناء الجبهة الجنوبية من خلال التعاون مع دائرة المخابرات العامة الأردنية، إلا أن السياستين الأمريكية والأردنية لم تسمحا للمعارضة القيام بأي تحرك قد يكون من شأنه إسقاط نظام الأسد قبل التوضح من هوية الجهة التي ستحكم البلاد بعده. أما في الشمال السوري فقد كان برنامج التدريب الأمريكي أقل نجاحاً. قابلت معظم القادة العسكريين المعتدلين المقربين من أمريكا الذين يعملون من تركيا، ومن بينهم سليم إدريس أستاذ العلوم العسكرية سابقاً، والعقيد السابق في الجيش السوري عبد الجبار العقيدي، وجمال معروف أحد قادة المليشيات في إدلب، إضافة إلى حمزة الشمالي قائد حركة حزم وهي أكبر تجمع يتلقى تدريباً أمريكياً.

لم يكن أي من هؤلاء القادة السوريين يتمتع بالمهارات العسكرية القيادية أو الحضور الذي يمكنه من خلق معارضة فاعلة. أما حركة حزم فقد تم إجبارها على ترك مواقعها في إدلب من قبل جبهة النصرة، وفي إحدى مقابلاتي في عام 2014 مع حمزة الشمالي في مكان سري على الحدود التركية قال لي "الجيش السوري الحر خسر ثقة الشارع السوري"، كما أقر بشكل صريح بأن الكثيرين من قادة الجيش السوري الحر كانوا يفتقرون للانضباط كما لم يتلقّ المقاتلون التدريب الكافي إضافة إلى غياب القدرة على قيادة الجيش نتيجة انعدام التنظيم في هيكلية الجيش السوري الحر، وأضاف الشمالي بشيء من الحزن أن السؤال الذي كان يطرحه كل سوري على المعارضة هو "هل سوف يكون هناك قانون أم ستجلبون الفوضى؟".

 

حاولت الولايات المتحدة دعم هذه القوات السورية من خلال برنامج علني ركز على التدريب والتسليح، بتكلفة 500 مليون دولار تمت الموافقة عليها من قبل الكونغرس، إلا أن هذا البرنامج لقي فشلاً مؤسفاً مما اضطر الرئيس أوباما لإنهائه في شهر أكتوبر تشرين الأول. تم تخريج الدفعة الأولى التي ضمت 54 متدرباً من الطراز الأول إلا أن جبهة النصرة هاجمت هؤلاء بشكل مباشر بعد وصولهم إلى الشمال السوري في شهر تموز يوليو 2015. عدة أسباب كانت وراء هذه الهزيمة حيث أن المعلومات الاستخباراتية الخاصة بنوايا النصرة كانت خاطئة كما أن التخطيط لكيفية عمل هذه القوات المدعومة أمريكيا على الأرض كان ضعيفاً، وذلك مع اعتماد معايير لانتقاء المقاتلين الذين يريدون محاربة الأسد وليس داعش إذ أثبتت هذه المعايير فشلها. وبالمحصلة فإن المقاتلين المدعومين أمريكيا دخلوا في فخ، وذلك في مهمة أعادت لبعض مسؤولي البنتاعون ذكرى الإنزال الفاشل في خليج الخنازير في كوبا عام 1961(ضم هذا الإنزال حوالي 1400 من المقاتلين الكوبيين المعارضين الذين تلقوا حينها دعماً أمريكياً للقتال ضد نظام الرئيس فيدل كاسترو الذي كان قد استلم الحكم عام 1951). بالنسبة لي فإن هذا الفشل قد لخص كل التناقضات ومشاكل غياب الثقة التي تعاني منها السياسة الأمريكية.

وبعد فشل برنامج التدريب الأمريكي ظهر بعض المسؤولين بمظهر الشماتة كما وكأن ذلك كان بمثابة إثبات على أن التردد في دعم المعارضة السورية كان دائماً هو الخيار الصحيح. كم كان سيبدو جميلاً لو أنه من الممكن أن نطلق صفة النجاح على السياسة الأمريكية في سوريا بما فيها من تقاعس وتردد وتذبذب، لكن للأسف هذا ليس ممكناً أبداً.

إن غياب المعارضة المعتدلة ترك فراغاً تم ملؤه من قبل متطرفي داعش والقاعدة. في بداية الحرب كان يبدو أن جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة هي التي تتمتع بالزخم العسكري، ففي عام 2012 عندما سألت أحد قادة الجيش السوري الحر في حلب عما إذا كان مقاتلوه يحاربون جنباً إلى جنب مع النصرة أجاب: "بالطبع فهم أفضل المقاتلين". في الحالات التي كان الجيش السوري الحر يحتاج فيها إلى مقاتلين أشداء للقيام بهجوم ما، كانوا يلجؤون إلى الانتحاريين لدى النصرة حيث كان هؤلاء بالغالب من المقاتلين الأجانب الباحثين فقط عن تذكرة للوصول إلى الجنة. عند سؤالي أحد الأطباء السوريين عما تعلمه من خلال تقديم العلاج المصابين من مقاتلي المعارضة على الجبهات أجاب أن القسم الأكبر ممن كان لديهم إصابات خطيرة كان من النصرة، وكما فرضت الظروف فإن كل الدعم إن كان بشرياً أو مادياً أو بالأسلحة بدأ يتدفق على المقاتلين الذين أظهروا شراسة أكبر وأداء أفضل.  

كان تنظيم داعش هو الطرف المستفيد مما يحدث في سوريا، إذ انتقل التنظيم إلى الرقة القريبة من خط الإمداد الذي يربطها بمناطق التنظيم في العراق، وتم استخدام المدينة كقاعدة إمداد لعمليات عسكرية أوسع في العراق، فما هو إلا وقت قصير حتى تحولت الرقة إلى عاصمة "الدولة" ومقصد لآلاف المقاتلين الأجانب، ومن أحد أسباب ازدهار المدينة كان عدم تعرضها لأي قصف من قبل قوات الأسد التي كانت تستهدف كل مناطق المدنيين الخاضعة لسيطرة المعارضة.

 

ليس من المطلوب أن نكون من المؤمنين بنظرية المؤامرة حتى ندرك السبب الذي دفع الأسد للسماح لداعش بزرع جذورها في المنطقة إذ كان بالطبع بحاجة إلى الإثبات للغرب بضرورة بقاء نظامه وذلك كان يتطلب وجود مصدر تهديد، وكان بحاجة إلى أن يثبت أن هناك وجها آخر في سوريا أسوأ من وجهه، وكان ذلك بالطبع هو وجه أبي بكر البغدادي زعيم التنظيم. (وإن كنت من المؤمنين بنظرية المؤامرة فستلاحظ أيضا العلاقات الاستخباراتية القوية التي جمعت المخابرات السورية وتنظيم القاعدة في العراق خلال أيام الزرقاوي).  

 

منذ زيارتي لسوريا عام 2012 امتلكني الاعتقاد أنه من الممكن لهذا البلد المهشم أن يعود تدريجياً للاستقرار في حال قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها باعتماد خطة جدية لبناء قوة سورية جديدة بإمكانها المساعدة في سد الفراغ في مرحلة ما بعد الأسد، لكن الخطوات المترددة التي اتخذتها الولايات المتحدة حتى الآن لم تصب إلا في صالح الجهاديين.

إن الصراع بين داعش والنصرة قد يماثل بحدته المشاكل الداخلية التي كانت قائمة بين الزرقاوي وبن لادن، ولا شك أن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون حالياً تعميق هذه الشروخات التي قد يكون من شأنها إضعاف قوة الجهاديين مع الوقت في سوريا. إلى الشمال من مدينة الرقة تتواجد حالياً القوات الكردية السورية التي تتلقى الذخيرة والدعم الجوي من الولايات المتحدة، ومع تشديد التضييق على قوات داعش هناك فسيكون على النصرة أن تقرر ما إذا كانت تريد أن تنضم إلى الحرب ضد داعش أم لا، وفي كلتا الحالتين سيسبب ذلك خسارة للنصرة في عيون مناصريها.

هل ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها استهداف النصرة وداعش بشكل متساوٍ؟ إن الاحتراس قد يدفع إلى تبني استراتيجية تجعل من استهداف داعش أولوية إذ أن التخلص من داعش سيكون من شأنه إضعاف الزخم الذي يتمتع به المتطرفون بشكل عام. أخبرني بعض المسؤولين القطريين أنهم يعتقدون أن النصرة قد تنقسم إلى فصائل عديدة وأنه قد يكون من الممكن تبني الكثير من مقاتليها من قبل قطر أو السعودية أو تركيا وتحويلهم إلى مجموعات لا تشكل خطراً من حيث ابتعادها عن القيام بعمليات إرهابية في الخارج. قد يكون هذا التفكير متفائلاً إلا أنه بالطبع يستحق المتابعة، فالرسالة إلى النصرة يجب أن تكون أن أي محاولات لنشر الإرهاب خارج سوريا ستجلب رداً قاسياً من الولايات المتحدة وحلفائها.

ما هو السبيل إلى الخروج من الأزمة السورية؟ بناء على عملي الصحفي سأقوم بتلخيص بعض النتائج التي ما زالت هي ذاتها لم تتغير منذ ثلاث سنوات. هذه النتائج هي:

  • - إن الحل الأمثل بالنسبة لبقاء سوريا هو الوصول إلى حل سياسي يتم التوصل إليه بمشاركة الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا والسعودية ويكون من شأنه البدء بمرحلة انتقالية تقود إلى حكومة جديدة تحل محل حكومة الأسد.

  • - إلا أن مثل هذا الحل السياسي سيكون مستحيلاً من دون توفر معارضة عسكرية قوية تكون مدعومة من الولايات المتحدة وتكون قابلة للاندماج مع بعض الفئات المقبولة من الجيش السوري بغية إدارة المرحلة الانتقالية.

  • - يجب أن يتم تدعيم هذه العملية الانتقالية من خلال مناطق آمنة في الشمال والجنوب تسمح بتمرير المساعدات الإنسانية وعودة اللاجئين السوريين والتوصل إلى تسوية سياسية.

  • - إن لم يتم اتخاذ هذه الخطوات فإن النتيجة ستكون ازدياد نمو داعش والمجموعات الإرهابية الأخرى إضافة إلى الانهيار الكامل الذي سيلحق بسوريا ويجعل منها دولة فاشلة وبيئة حاضنة للإرهاب. قد يكون بإمكان التدخل العسكري الروسي الإيراني أن يوسع حدود المناطق التي يسيطر عليها الأسد إلا أنه ليس بإمكانه إعادة بناء سوريا موحدة.

 

إن بقاء الأسد في السلطة هو الشيء الوحيد الذي سيعزز نفوذ داعش في سوريا، ولذلك فإن أي حملة لمواجهة التنظيم لا تسعى إلى تأسيس قيادة جديدة في سوريا، ستعاني من قصر في النظر، وبالوقت نفسه فإن أي تخوف من أن السقوط المفاجئ للأسد سيفسح المجال لانتشار الإرهاب وأمراء الحرب في البلاد هو تخوف مبرر. إن الوضع الحالي في سوريا يقدم صورة سوداوية إذ إن التردد في السياسة الأمريكية قد يؤدي إلى نتائج لا تقل خطورة عن النتائج التي قد سيأتي بها التدخل العسكري.

 

كان صديقي رجا صيداوي محقاً فيما قاله منذ 12 سنة فأمريكا لم تغير سوريا أو العراق بل هي نفسها تغيرت من جراء هذه الحروب هناك. وقد أدرك الأمريكان محددات كل من القوة العسكرية المباشرة والتدخل السري غير المباشر، فقد ساعدت الولايات المتحدة في خلق أعداء جدد لم يكونوا موجودين قبل قيام جورج بوش بغزوه الخاطئ للعراق عام 2003 (في عام 2013 كتبت مقالة شرحت فيها أخطائي التي ارتكبتها عندما أيدت حرب العراق كما فصلت فيها الدورس التي خلصنا إليها من خلال هذه التجربة المرعبة)، وقد تطورت حالة شديدة من عدم الثقة جعلت الكثيرين في المنطقة يرحبون الآن بفلاديمير بوتين كمُخلِّص للمنطقة رغم كونه مجرد حاكم مستبد يملؤه الغرور. ربما كانت سياسات أوباما تتصف دائماً بالضعف والعجز إلا أنها بشكل عام تعكس رغبة الأمريكيين بانتشال البلد من الحروب الطويلة التي يعاني منها الشرق الأوسط.

وبينما تشن الطائرات الروسية يومياً عشرات الغارات الجوية في الأجواء السورية جاء غلاف مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية للعدد الصادر في تشرين الثاني / كانون الأول 2015 بعنوان "منطقة الشرق الأوسط ما بعد الوجود الأمريكي". قد يكون هذا العنوان متسرعاً إذ أن لا شيء في هذا الجزء من العالم ينتهي بشكل كامل. لكن أخيراً فإن شعوب الشرق الأوسط تملك الآن تاريخها وهي ستكون الوحيدة القادرة على رأب الصدع الحالي لكن بالتأكيد سيتطلب الأمر وقتاً طويلاً جداً"

 

علِّق