عدد القراءات: 10189

د.جلال نوفل: نعم كنا قادرين على اسقاط الأسد سلمياً لو ترك الامر لتوازن القوى الداخلي

عايش مرحلة القمع السياسي كاملة خلال عهدي عائلة الأسدين الأب والابن، فكان اعتقاله الأول في العام 1983 على خلفية انتمائه لحزب العمل الشيوعي، و خلال فترة اعتقاله التي استمرت لثماني سنوات، ورغم أنه كان ينتمي لحزب شيوعي يرفض المعتقدات الدينية، فقد كان محبوباً في أوساط المعتقلين الاسلاميين.

خرج من السجن في العام 1991 ليكمل دراسته في الطب ويتخصص بالطب النفسي، المجال الذي أحبه واعتبره ضرورياً ومفتقداً في الساحة السورية التي تعاني الكثير من الأزمات النفسية سيما بسبب الأوضاع المعيشية والسياسية والنفسية المتردية على كافة الصعد.

مع قدوم الأسد الابن عايش نوفل تجربة ربيع دمشق وساهم  بـ  "لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الانسان" ومنتديات دمشق قبل أن يوقف نشاطه بسبب حملة الاعتقالات التي جرت حينها، ثم سافر للسعودية لعدة سنوات وعاد في العام 2007 ليفتتح عيادة في وسط دمشق أصبحت ملاذاً لكثيرين من المرضى أو المقهورين سيما مع غياب مثل هذا التخصص العلمي الذي كان ينظر إليه السوريون كتخصص لمعالجة المجانين، كما عمل نوفل في الهلال الأحمر السوري، و قدم الكثير من الدورات في  مجال الدعم النفسي والاجتماعي.، وبقي طيلة الوقت محافظاً على  نشاطه المعارض السري بسبب قمع نظام الأسد.

اندلعت الثورة السورية فعاد الأمل إلى قلبه في إمكانية اسقاط النظام السوري الديكتاتوري، فكان من أوائل المتظاهرين، وعليه اعتقاله الأول خلال الثورة (الثاني خلال حياته) في نيسان 2011 على اثر مشاركته في مظاهرة عرنوس الشهيرة.

خرج بعدها نوفل ليشهد بدء النظام بالتوحش والعنف وقتل المتظاهرين، فساهم في تأسيس عدد من المشافي الميدانية في دمشق وريفها وتدريب كوادرها، على اثر ذلك اعتقل من مكان عمله في مستشفى الهلال الأحمر في نيسان عام 2012، وأمضى عدة أشهر تعرض خلالها للتعذيب، ثم افرج عنه ليعاد اعتقاله في بداية كانون الثاني 2014 بتهمة دعم الارهاب، و بقي لستة أشهر في السجن، بعدها أخلي سبيله بعفو رئاسي، إلا أنه وبعد حوالي شهر فقط تعرض للاعتقال مجدداً ليقضي مدة شهر ونصف في أقبية النظام السوري، قبل ان يقرر الخروج من سورية في نهاية المطاف لاستحالة العمل والخطر على حياته، رغم أنه كان من أكثر رافضي فكرة الخروج وترك ساحة الثورة.

تركز نشاط نوفل خلال الثورة في العمل الانساني في مجال تخصصه في الطب النفسي وتأسيس المشافي الميدانية، ومعروف عنه بأنه ساعد الكثير من السجناء اثناء فترات اعتقاله المختلفة على تجاوز ظروف اعتقالهم الصعبة.

متزوج من الناشطة المعروفة خولة دنيا، ويقيمان حالياً كلاجئين في ألمانيا،  لكن نوفل لم يطق الغياب فها هو يعود إلى تركيا ليتابع عمله في اقامة دورات في الدعم النفسي للاجئين.

أجرت السوري الجديد هذا اللقاء مع الدكتور جلال نوفل.

 

قبل الدخول في موضوعنا الراهن، لنعرّج في عجالة على تجربة اعتقالك الأول؛ أنت شيوعي و اعتقلت مع الاسلاميين في الثمانينات، كيف جمع قمع النظام بين نقيضين في سجونه، وماذا ولدّت لديك هذه التجربة؟

  • النظام الاستبدادي هو نظام الولاء والإقصاء، ولا يهتم بكيف تواليه ولا كيف تعارضه، المهم ان لا تقف في وجه تسلطه، لذلك كان في السجن كل من يحتج "شيوعيون، قوميون، بعثيون، إسلاميون" وفي ذات الوقت كان في خندق السلطة -كونها سلطة حرب على المجتمع- " شيوعيون، قوميون، بعثيون" في "الجبهة الوطنية التقدمية" بالإضافة لحشد إسلاميين معه عبر "معاهد الأسد لتحفيظ القرآن" ومعاهد الشريعة "جامع النور". فجمع إذن النقائض كما قمع النقائض الأيديولوجية.

تفسير ذلك هو طبيعة الاستبداد ذاته، والذي لا يقبل أي اعتراض بغض النظر عن مسمياته. وعندما يتمرد أحد عليه يتحول لطغيان يقوم بإلغاء الآخر وليس فقط إقصاؤه مرحلياً. ولعل تكثيف هذا المعنى اليوم حاضر بمقولة: "الأسد أو نحرق البلد"

 

شاركت بالحراك المدني بقوة في بداية الثورة، بعد كل ما حصل من حينها، هل أنت -الناشط السلمي- تعتقد أن هذا النظام كان بالامكان اسقاطه بالوسائل السلمية؟

ان الثقة بالانتصار على السلطة الديكتاتورية السورية بوسائل سلمية وتكتيكات حرب اللاعنف كانت محركاً أساسياً ودافعا لانضمام الكثير من الشباب السوري للثورة الشعبية، ومنحت البلد والعالم أجمل وأهم بطولات الثورة بتحريك مبادرات متنوعة ساهمت باستقطاب الملايين من المواطنين السوريين من كل الفئات وزجهم في الحركة السياسية المتوجهة للتغيير الديمقراطي.

قبل الثورة كان لي اهتمامات ونشاطات مع بعض الشباب السوريين بموضوع اللاعنف في تحقيق التغيير السياسي، لتخوفنا من اتخاذ أي عنف طابعا غير ثوري في سوريا، وكانت انتفاضات المدن والاحياء وتشكيل التنسيقيات لإدارة العمل الميداني صورة واقعية لحركة غير عنيفة تهز اركان السلطة السورية.

نعم كنت وما أزال مع قدرتنا على اسقاط لسلطة السورية باعتماد الانتفاضة السلمية وحرب اللاعنف لو ترك الامر لتوازن القوى الداخلي.

فاستدعاء السلطة لإيران وروسيا التي تحولت لقوى احتلال تقرر مسار الاحداث، تأكيد لوجهة نظرنا كحركة سياسية مدنية وسلمية. فرغم اللجوء للسلاح إلا أن الثورة كانت تتصاعد وأهم لحظات قرب سقوط النظام كانت في 2012 عندما كان الثوار يصرخون "سلمية" بوجه عصابات القتل الاسدية والمنشقون عن الجيش يتصاعدون يومياً ملتزمين بحماية المتظاهرين السلميين وليس جر الثورة للعسكرة، لإدراكهم ان الانتصار العسكري على نظام دعامته الأجهزة الأمنية والجيش الفاسد غير ممكن. وكان انتصارنا الأخلاقي والسياسي في ذراه وحتى في السجن كنا قادرين على الدفاع عن سلمية الثورة رغم ان القمع في السجن يحرض على الرغبة بالانتقام من الجلادين انتقاما عنيفاً، فقد كان دفاعنا مسموعاً.  

 

مع انطلاقة الثورة شاركت بقوة في الحراك المدني، واعتقلت للمرة الأولى خلال مظاهرة عرنوس القريبة من عيادتك، كيف تصف تلك اللحظات التي استعدت فيها تجربة السجن بين الأسدين الأب والابن؟

في الحقيقة لم يكن الاعتقال مباغتاً لأن نقل التظاهر إلى قلب الساحات العامة وعدم الاكتفاء بالانطلاق من المساجد يستدعي قمع المتظاهرين "فكان محسوب حسابه".

مع بداية الثورة كانت أساليب وممارسات الأمن على حالها مع ارتباك واضح من المحقق الذي وجد في المتظاهرين كل فئات السوريين لا كما يدعي "إسلاميون يثيرون فتنة". اما من ناحيتي فالفارق مهم بين جهدي لعدم تقديم اعتراف للأمن أيام الأسد الأب وبين المجاهرة أمام المحقق بأننا نريد ديمقراطية ودولة مدنية ومواطنة متساوية وفك الحصار عن درعا ووقف القتل ولافتاتنا بأيدينا ومطالبنا على العلن وهذا يمنح قوة في التحقيق مصدرها الثورة القائمة وقرب تغيير نظام؛ بينما كان مصدر القوة في الثمانينات قوة الحق على الأمد البعيد وحماية الحزب والرفاق في مواجهة سلطة قوية وأجهزة غاشمة.

 

نعلم أنك لا تحب أن تعرف نفسك بشكل طائفي، لكن في النهاية أنت ابن السويداء، وبعيدا عن موقف الدروز من الثورة، قامت الكتائب الاسلامية المتطرفة بالاعتداء على الدروز كما فعلت النصرة في ادلب وكما تحاول داعش فعله اليوم، كيف تنظر لهذه المسألة تحديداً، وهل تشعر كدرزي بتهديد على مصيرك في حال وصل الاسلاميون للسلطة، وهل ستندم يوماً لأنك شاركت بإسقاط من كان يحفظ للدروز أمنهم؟

هناك مشاكل ثلاث في هذا السؤال:

أولا: أنا لست درزياً ولا أنتمي لأي دين مع احترامي لكل الأديان وأصحابها.  

ثانياً: داعش اعتدت على كل السوريين ومعظم ضحاياها من السنة وجزء من الدروز المتخندقين في أجهزة السلطة يهربون الوقود مع داعش والحوادث مع حاجز أهالي السويداء تؤكد ذلك.

ثالثاً: سلطة الأسد لم تكن تحفظ أمن أحد بل هي سلطة أمن مسلطة على كل السوريين، ومن أفقدنا كسوريين الأمن هو تغول سلطات الأجهزة الأمنية والحرب التي تشنها السلطة على البلاد. أما الأمان فقد فقده كل السوريين، فالحرب، أي حرب، تفقد الناس الأمان.

لن أندم لإسقاط نظام بسقوطه لن يكون لداعش أو أي استبداد مستقبل. فداعش بنت الحرب والفوضى وقوة ارهابها للناس، وليست خيارا سوريا وكل من تابع تمدد داعش يعرف ان التمدد تم بغياب أي مقاومة من قوى الحرب الأسدية ولا من قوات التحالف الدولي.

 

سؤال طائفي آخر، زوجتك وشريكة دربك هي خولة دنيا، وهي ناشطة معارضة معروفة ومشهود لها، خولة علوية، في محيطها الكثير من الاقارب ممن يشاركون بجرائم النظام السوري بحق السوريين، كيف ترى هذه المسألة، وتتعايشون مع هذا التناقض، وهل تشعران كليكما انه من الممكن أن تكونا ضحية هذا الجنون الطائفي عندما يسقط النظام ويتم فرز الناس طائفياً؟

انطلاقاً من حقي في نقض الفكر الطائفي والممارسة الطائفية ومن حق خولة في تعريف نفسها كسورية لا تنتمي لأي دين؛ أعتبر أن أهلنا هم السوريون الثائرون ضد النظام وأهل النظام من كل الطوائف فمازال طيارون من كل الطوائف يقصفون أهلنا في كل سوريا والصحافة حافلة بمعلومات عن جيش النظام ومؤيديه من كل الطوائف وليس آخر ما ينقض المنطق الطائفي فتوى تشريع قتل أهل حلب وأهل سوريا من قبل مفتي النظام "السني والحلبي".

ومؤخراً حوادث قتل حسان الشيخ "العقيد في جيش السلطة والعلوي" على يد شبيح "من فصيل طائفي علوي" وقتل المواطن" نضال مطانيوس مخول" علي يد عصابة للسلطة في بلدة "موالية".  ففي سوريا ليس ما يسود منطق للقرابة والتوزع الطائفي بل منطق للحرب والاستبداد. كما ينطبق هذا الوصف على المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام ويحاول الناس مواجهة قوى الاستبداد الناشئة.

أما التناقض بين ما كنا نطمح له بسوريا ديمقراطية مواطنوها متساوو القيمة المدنية والقانونية فقذ عاشه كل الثائرين بغض النظر عن منبتهم وعن مناطقهم، فهم محاصرون أو مقموعون ويعانون آثار، "الجنون الطائفي" ،الطغيان في كل المناطق فيجرمون أو يضطرون لترك البلد من مناطق النظام والمناطق الخارجة عن سيطرته لرفضهم خيارات المتسلطين على مناطقهم، بصرف النظر عن "فرزهم طائفيا"، وكلما تراجعت سلطة النظام واستلمت قوى وطنية يستطيع السوريون إيجاد قواسم مشتركة للعيش متجاوزين الفرز "تفاهمات السويداء الأخيرة بين مكونات المحافظة ومع قوى وأهل درعا وطي ملف الخطف هي أمثلة راهنة على عدم صحة توقع: "الجنون الطائفي عندما يسقط النظام ويتم فرز الناس طائفياً"؟

 

لاحقاً اعتقلت ثلاث مرات أخرى، وكان الاعتقال الرابع في مطلع العام 2014، وأفرج عنك بعد ستة أشهر، في تلك الاثناء كان النظام متوغلاً في الدم إلى أقصى الحدود، وكان ذاك الاعتقال هو الرابع لك خلال الثورة، والخامس في تاريخك، يتبادر سؤال شيطاني إلى الذهن هنا، كيف نجوت في كل مرة، وثمة من قتل لمجرد الاشتباه بمشاركته بالمظاهرات؟

السؤال شديد المشروعية وليس شيطانياً أبدا لأن أكثر من 90% ممن يعتقل ويستشهد في معتقلات السلطة هم مواطنون اعتقلوا تعسفاً (إما لأنهم أبناء "مناطق متمردة" مثلا: داريا وبساتين المزة وجوبر والغوطة الشرقية والزبداني) وإما لانفلات عناصر الحواجز المنتشرة في المناطق المسيطر عليه النظام. ويتركز التحقيق معهم على اجبارهم ان يعترفوا بأنهم مسلحون. ولأنهم لا علاقة لهم فعلا بأي نشاط لا يقدمون للمحققين معلومات فيستمر التعذيب معهم حتى الموت "لأنهم يضطرون ان يقولوا للجلاد: اكتب ما تريد وأوقع لك فيثور أكثر ويزيد التعذيب لدرجة القتل. ومن لم يستشهد تحت التعذيب استشهد بسبب ظروف السجن التي تفتقد كل معايير الإنسانية (اكتظاظ يصل لأربع أو خمس أشخاص/المتر المربع مما يضطر الناس للوقوف فترات طويلة تحدث أمراضاً في الساقين والتهابات تغزو الجسم وتقتله بافتقاد أدنى رعاية صحية، وبغذاء قليل أو رديء تتراجع المناعة والصحة مما يشكل تهديداً إضافياً للحياة.)

اما اعتقالاتي فكانت بسبب مشاركتي في مجالات الثورة (تظاهر2011، تنسيقية أطباء دمشق2012، محاولة تنظيم نشاط مدني في دمشق 2014، اتهام بتمويل إغاثي للنازحين 2014) وهذا، بالإضافة لخبرة مواجهة الجلادين، منحني ميزة الاستعداد للاعتقال ودرجة مناورة في التعامل مع المحققين وفي تحمل ظروف الاعتقال حرم منها معظم معتقلي سوريا الذين واجهوا أبشع وسائل القتل والتعذيب دون عدة كافية لمواجهة سلطة قرارها هو القتل ومن ينج من طريقة قتل تطبق غيرها.

 

أنت طبيب نفسي، وهذه من الكفاءات القليلة في البلاد، نريد أن تشرح لنا القضايا التالية من خلال بعدها النفسي

 1    التطرف الذي حدث في طرف الثورة، أسبابه وطرق التعامل معه، وعن انتقال عدد كبير من النشطاء المدنيين الذين عرفتهم في بداية الثورة في المظاهرات إلى جبهة التطرف ودعوات الإلغاء والافناء

يمكن تناول الموضوع بالمعنى النفسي الاجتماعي فليست الثورة وآثارها مظاهر وأعراض نفسية.

المواجهة التي طرحتها الثورة السلمية كانت نقيض المواجهة التي قادتها السلطة الفاشية في سوريا فالسلمية تغير في المجتمع والأفراد لبناء مستقبل عبرت عنه الثورة بشعاراتها التي تصون حق الجميع في سوريا الثائرة مثل:" الشعب السوري واحد" "سنية وعلوية بدنا الحرية" وبدت الثورة مهرجان تغيير اجتماعي أثناء طورها السلمي، ومع اضطرار الثوار وعموم المواطنين المحتجين للجوء للسلاح بدأت تنمو ذهنية الحرب "قاتل أو مقتول" (رغم محاولة الثوار طرح شعار يصون أخلاقية الثورة حتى بعد تسلحها "سلاح لحماية المتظاهرين لا للهجوم ـ  مقاتل لا قاتل") و مع انسداد أفق التغيير الديمقراطي تنحت العقلانية، وتقدم الانتقام وتقديس الشهادة والموت المشرف ومنطق القوة، والبحث عن فتح أفق لم توفره الحياة الواقعية إلى أفق خارج حدود الحياة الدنيا. فصارت "الجنة والاله المخلص" في مواجهة قوة السلطة وقوى الاحتلال الغاشمة التي تقتل بأسلحة دمار شامل بدائل لقيم التغيير الديمقراطي وصار السعي لتدمير الطرف الآخر الذي غرز في الأذهان صورة طائفية صارخة بكل ما سربه من فيديوهات القتل وبالممارسات الطائفية في المجازر والمعتقلات بدائل للسلمية ووحدة الشعب .

فإن أضفنا لذلك فترات تراجع الثورة وتراجع أمل الانتصار وغياب القوى الديمقراطية عن قيادة مسارات الثورة وسلاحها نفهم أن غلو هدر حياة السوريين يفسر مآل سيادة منطق الغلو في الانتقام من كل "الآخرين" وتكفلت أيديولوجيا الغلو بقيادة المقهورين والساخطين الذين حرمتهم قسوة الحياة من رفاهية الرؤية النقدية الهادئة.

 2    كيف يتلذذ جنود النظام وعصاباته الطائفية بتعذيب المعارضين والتنكيل بهم، كيف يمكن لإنسان أن يقتل طفلاً كحمزة الخطيب أو تامر الشرعي، هذه قصة عصية على الفهم، كيف تفسرها؟

سيرورة الحرب في سوريا هي سيرورة انفلات العدوانية المختزنة لشعب كسر كرامته بطش السلطة من ناحية، وسيادة دين السلطة وأصنامها من ناحية أخرى فصار لوهم "سوريا الأسد" والتطابق بين سوريا والأسد قوة الواقع لمعتنقي ديانة السلطة وأصنامها من كل التيارات، فصار عبد السلطة يخوض حربا هي ضد "سورياه" أو ضد جماعته فشن حرب السلطة متماهياً معها بحرب مقدسة والحرب المقدسة تلغي إنسانية الآخر فتستبيح إلغاءه والتوحش تجاهه لاعتباره وحشاً كامناً حتى لو كان صغيراً؛ فالكل إرهابي نجس كونه يمس بمقدس المحاربين في صف حرب السلطة المقدسة.

 3    بعد اسقاط النظام، كيف يمكن معالجة نفسية السوري المتعبة بعد كل ما كابدته من أهوال، وما مدى ثقتك باستعادة السوريين لعافيتهم؟

سأبدأ من نهاية سؤالك ثقتي كأول يوم اخترت فيه الثورة: الحرية والديمقراطية وإنهاء الاستبداد بما هو قهر للسوريين وهدر لإنسانيتهم وكرامتهم، هو طريق استعادة عافيتنا. أما عن المعالجة فهي جارية من الآن فالثورة كشفت كل مستور خافيتنا مما يمهد أفضل السبل لمعالجتها؛ وستكون "المعالجة" الاجتماعية بمرحلة انتقالية ترد المظالم وترسم مسار العدالة هي قاطرة المعالجات النفسية للأفراد والمجموعات في سوريا.

إن تعقد مسار الثورة لا يفترض بالضرورة ضياع سمت الثورة وسمت السوريين في الحرية والكرامة وحق المشاركة السياسية

 

لجأت إلى ألمانيا مؤخراً، ورغم الامان الذي وجدته هناك لكنك لم تطق الاستسلام لهذه الحالة، ها أنت تأفل عائداً إلى تركيا حدثنا عن الدورات والنشاطات التي ستقوم بها في تركيا.

بالتعريف المهني أنا طبيب نفسي ومدرب على الدعم النفسي الاجتماعي في الأزمات؛ هذا يحتم علي أن أكون بين السوريين الأكثر تضرراً والأكثر حاجة للدعم والعلاج النفسي وهذه الشروط موجودة في سوريا وبلدان اللجوء القريبة "تركيا ولبنان والأردن والعراق" والفرصة الأفضل لي للقيام بواجبي المهني من هذه الناحية تتوافر شروطها في تركيا حالياً لمساعدة الزملاء المدربين المتواجدين هناك في تدريب كوادر ومتطوعي المجتمع المحلي على استنهاض الطاقات السورية "وطاقتي المهنية جزء منها" للتعافي في ظل الأزمة واللجوء ،كما لتوسيع فريق المعالجين للتعامل مع الحالات التي تحتاج تدخلاً متخصصاً ومركزاً. فكلما تدخلنا أكثر وأبكر في تمكين مجتمعنا كلما كانت مرحلة إعادة البناء أيسر.

وستقرر الظروف العيانية هناك أولويات ونوعية التدريبات والتدخلات التي سأتشارك مع زملائي في القيام بها.

 

سؤال أخير، لقد اعتقلت بما يكفي وعانيت بسبب موقفك السياسي، بعد سقوط النظام قد لن يكون المتوافر النموذج الديمقراطي الذي حلمت وناضلت لأجله، بالغالب سيكون نوعاً من الحكم الديني الثيوقراطي، بكل صدق وصراحة، في ظل هذا الوضع هل ستعود لسورية، ومتى؟

  • برأيي أن أحد أهم شروط الهزيمة هو الإقرار بها أثناء المعركة وبهذا المعنى أجد رسم المآل الذي افترضته إعلاناً لهزيمة ثورة ما زالت تصارع أعداءها. إن الصيغة التي سيصل لها السوريون هي حاصل ما يبذلونه من جهود وبالتالي لابد من تجميع وتنظيم جهود القوى الساعية للديمقراطية لضمان انتصار الدولة المدنية الديمقراطية المعاصرة متساوية المواطنة وهذا السياق يستلزم عودتي لسورية. سأتصل بك من سوريا قريباً.

 

التعليقات

هذا هو جلال لم يتغير عشت معه سبع سنوات في السجن صبور عميق الفهم يهتم بالجميع كان لايكل ولا يمل من الاهتمام بالاخرين لا يغضب ولا يشكو متفاءل فرح مليءﺏالحنان ومتفاني امام ﺍﻻﺧﺮﻳﻦ

علِّق

المنشورات: 106
القراءات: 981326

مقالات الكاتب