عدد القراءات: 18052

داريا.. حكاية الدم والعنب وأسطورة إباء

عندما تسطر الأحياء ملاحم بحجم مدن، يكون طبيعياً أن تتفوق داريا على رمزية ستالين غراد في التاريخ، مدينة ارتاحت على ساعد دمشق الممتد جنوباً، منبسطة كما الصفحات البيض لتختصر إرادة السوريين، حكاياها لا تنضب كما آلامها التي خزنها قلبها الصابر.
في السادس والعشرين من آب عام 2012 كانت الحكاية، حكاية الدم والعنب أو "أخوة الدم والعنب".
في مسجد حمل اسم أبي سليمان الديراني اختبأ بعضهم، ظنوا أن "زاهد العصر" كما لقِّب أو "الإمام الكبير" سيكون لاسمه ومكانته أثر في نفوس من هاجمهم، فللجوامع ودور العبادة حرمتها كما للأسماء التي سكنت صفحات العلم والأخلاق، وبعضهم اختبأ بجدار أو خلف باب ولربما بيده عنقود عنب من طيب دواليها قد يقدمه خلاصا له لجيش قيل أنه جاء مخلصاً.
يعرف الضحايا أن أطفال الحولة لم تسعفهم الصرخات والعبرات وطحنتهم الهمجية، ويعرفون أن الجامع العمري كان أول شاهد عن قداسة الحرمات حين يكون الخصم جيش الأسد، لكنهم وكأي مظلوم يأمل في الخلاص لربما قد أملوا، في رئة الشام وعلى مسافة امتداد إصبع من قصر قاسيون حيث القاتل، كانت الفاجعة، فاجعة العنب.
في شوارعها وقبل عام تقريبا من ذلك التاريخ كان غياث مطر يوزع الورود والماء على الجنود، اعتقد "غاندي الصغير" أن رسائل السلام من بين عتبات بيوت السوريين المفتوحة للعطاء والمحبة ستحرك ضمير الأسد، فاعتقل غياث واستشهد في أقبية السواد والانتقام في الشهر التاسع من عام 2011، رسمت داريا حلم الشام مبكرا وعانقت بهيبتها معضمية الشام وكفرسوسة، زارها وفد العالم المتحضر للتعزية بشهيدها غياث، سفراء أميركا وفرنسا وألمانيا واليابان والدنمارك وقلنا حينها يا لهذا العالم الشهم الذي جاء على عجل لحماية المكان والإنسان، لم يكن أحد يظن أن هذا العالم المراوغ كان شاهد زور ومدعياً ساقطاً، استهتر الأسد بسفراء الحضارة، وبقي العنب يشبه السوريين.
دار الزمن عاما وكانت المجزرة، لم يعط أحد حتى اللحظة رقما نهائيا للشهداء، مئتان.. ثلاثمائة.. ألف.. والرقم يتصاعد كما كل الكوارث، إعلام الأسد لايكترث بالأرقام بل داس الجثث، وقفت مذيعته بنشوة انتصار مصاص الدماء على لحم النساء والأطفال تعلن بصمة الحقيقة، حقيقة القاتل وحقيقة المقتول في الوطن، تساءلنا حينها كيف لهذه الجغرافيا أن تضمنا مع أولئك الشامتين في موت البشر، لكن أركان الجريمة كان فيها من الإجابات ما يكفي، هي مافيا التكامل فلكل تخصصه ولكل دوره من ملقم الرصاص إلى ملقم التصوير تحت اسم مخرج.
هكذا أيضا سيعطي الأنزور أوامره في نيسان عام 2013 لكاميرته، أي بعد أشهر على المجزرة ليقدم دراماه القادمة من فانتازيا القحط، سيده الأسد وبطله وغد، اعتقد أنه ببضع أشرطة تصوير وضحكات سمجة بلا رقيب أو حسيب سيجهز على العنب، لكن للعنب دائما براعمه ودائما سيتأنق، قررت داريا ككل الصدّيقين بقيمة الحياة والعطاء، وككل الموقنين بعدالة القضية وعظمة الثورة، قررت النهوض.
هي ليست العنقاء من رماد بل ابنة الشام التي أحسنت التاريخ، أو ابنة التاريخ الذي يكتب بالإباء لتصبح الأسطورة الأهم في ثورة الكرامة، انتفضت لدماء الشهداء وطردت مافيا الأسد خارجها، حاول غزوها مرات ومرات فخسر أهم قادة حملاته، فقال عنها أحد المراقبين إنها ستالينغراد سوريا، مئات الأيام وحصارها يخنق حتى الهواء الذي سيعبرها، وبقيت داريا وفية للعهد، مئات براميل العار قد أُنزلت فوق ثنايا وجهها المضيء وصمدت، ومن يعرف جغرافيا المكان حيث تتربع داريا سيوقن حجم المعجزة، معجزة الصمود، أخوة الدم والعنب أو واحة العرب حين تصحرت عقولهم وأشاحوا وجوههم عن دماء السوريين، دخل الفارسي بعصابة حالش لينقذ سمعة مافيا الحرس الرئاسي المنكسرة على أبوابها، وبقي العرب مشغولين بدراما الأنزور ورفاقه الميامين بحارتهم وبابها، وبقيت داريا تنتج من بين أوراق العنب دراما الصمود بطعم عناقيدها المتلألئة والناضجة في آب، فهي من قال عنها البحتري يوما
العيش في ليل داريا إذا بـــردا والراح نمزجها بالماء من بردى
ويا داريا يا شاهدة قد قطعت على نفسها عهد أن تفرش ساحاتها بمناسف الفرحة بالنصر، يقيناً لازال العهد على حاله فعهد الحر دين، سننتصر.

علِّق