عدد القراءات: 6792

داريا، عندما يوقعها حظها العاثر في قلب مخططات محلية واقليمية

 

* داريا- طه عبد الواحد

 

بعد أكثر من أسبوعين على إعلان وقف إطلاق النار بين الأطراف المتنازعة في سوريا، وبدء عملية إدخال المساعدات الإنسانية من جانب الأمم المتحدة إلى المناطق المحاصرة، التي استلم عدد منها بالفعل تلك المساعدات، ما زالت مدينة داريا تعاني من ظروف قاسية جدا نظراً لشح المواد الغذائية والطبية، وحتى ماء الشرب، وذلك في ظل حصار خانق مستمر على المدينة منذ أربع سنوات.

وبينما شعر المدنيون هناك ببعض الارتياح نظراً لالتزام الجانبين على خطوط المواجهات في داريا بوقف إطلاق النار طيلة الأيام الماضية، عاد النظام ليقصف المدينة مجدداً باستخدام المدفعية.

 

وفي بيان صادر عنه يوم الأحد 13 آذار / مارس 2016، قال فريق مراقبة الهدنة المؤقتة (من الجيش الحر في داريا) إنه تم تسجيل خروقات متتالية للهدنة من قبل قوات النظام السوري والميليشيات الموالية المحاصرة لمدينة داريا، حيث تعرضت عدة مناطق في المدينة للقصف بالمدفعية وقذائف الهاون (تم إحصاء 46 قذيفة) تركز معظمها في الجهة الجنوبية، ووسط المدينة حيث استهدفت الكنيسة الأثرية ومحيطها".

 

 

ومع عدم التقليل من أهمية النضال الذي تخوضه المدن الأخرى على امتداد الجغرافيا السورية، فإن مدينة داريا تتمتع في تاريخ الأزمة السورية بمكانة مميزة، وخاضت تجربة تبدو فريدة من نوعها، فهي المدينة الوحيدة ربما التي يسيطر فيها مجلس مدني هو المجلس المحلي لمدينة داريا على القرار العسكري والسلاح، وشهدت المدينة تنظيماً لأمورها يرقى – بالمقارنة- إلى مستوى التجارب العالمية، حيث تعمد الدول الأوروبية، على سبيل المثال، إلى تعيين وزير للدفاع من الشخصيات السياسية المدنية، وهذا ما فعلته مدينة داريا ضمن مساحتها الجغرافية والبشرية، حين جعلت القرار العسكري رهناً بيد مجلس مدني يسيّر أمور المدينة بشكل عام.

ويرى البعض أن هذا المستوى العالي والحضاري من التنظيم في داريا، واحد من جملة أسباب جعلها هدفاً دائماً لقوات النظام، التي سعت جاهدة منذ الإعلان عن توصل روسيا والولايات المتحدة إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، حاولت وضع داريا على قائمة المناطق التي تنتشر فيها مجموعات متطرفة، وذلك حين قال ضابط من النظام إن "جبهة النصرة" الإرهابية وفق قائمة الأمم المتحدة تتواجد في تلك المدينة.

إلا أن المجلس المحلي وعدداً كبيراً من الصحفيين سارعوا إلى التعليق على هذا الأمر ونفيه مستحضرين وقائع تثبت كلامهم. كما أن الهيئة العليا للمفاوضات وقوى سياسية معارضة أخرى تحركت للدفاع عن صورة داريا، ونفي تصريحات يُراد منها المضي في عملية إبادة شاملة للمدينة من جانب القوات الحكومية.

 

ويحيل مراقبون هذا الاصرار من جانب النظام على استهداف داريا إلى جملة أسباب منها موقع المدينة بالقرب من مقرات هامة جدا وغاية في الحساسية بالنسبة للنظام، مثل مطار المزة العسكري ومقرات الفرقة الرابعة، وغيرهما.  فضلاً عن أن المدينة تشكل مفتاحا للعاصمة السورية من الجهة الغربية، وسيطرة الثوار عليها وتمكين أقدامهم هناك يشكل مصدر تهديد دائم للعاصمة وما تحمله من رمزية سلطوية. ومنذ البداية أظهر النظام عنفاً منقطع النظير في تعامله مع داريا حين ارتكب فيها المجازر ولم يوفر اي نوع من الأسلحة إلا واستخدمه فيها، بما في ذلك آلاف البراميل المتفجرة التي كانت المروحيات تلقي المئات منها يومياً على المدينة المنكوبة.

 

إلا أن كل محاولات قوات النظام دخول المدينة باءت بالفشل، هذا على الرغم من أن أعداداً كبيرة من المقاتلين غير السوريين من عناصر المجموعات الطائفية الإيرانية والعراقية واللبنانية شاركوا إلى جانب قوات الأسد، ممثلة بقوات النخبة من الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري في معارك اقتحام داريا، وفي كل مرة يتم التصدي لهم وتكبيدهم خسائر فادحة، وغالباً ما يتمكن الجيش الحر في داريا من توسيع مساحات سيطرته بعد التصدي لكل هجوم كهذا. ويبدو أن محاولة تصوير داريا على أنها منطقة تنتشر فيها "جبهة النصرة" الإرهابية تعكس رغبة النظام بالانتقام من المدينة التي تحول صمودها إلى أسطورة.


 

 

مخططات طائفية

من جانب آخر لا يستبعد مراقبون أن يكون لمعركة داريا خلفية طائفية تحرك قوات النظام والميليشيات الطائفية الداعمة لها. ويشيرون بهذا الصدد إلى وجود مقام السيدة سكينة رضي الله عنها في المدينة، بما يشكّله من رمزية بالنسبة لإيران وعموم الشيعة، لا سيما أن خروج المقام من سيطرة ايران متمثلاً بمستشاريتها بدمشق، قطع خيط السبحة الذي فرضته حول دمشق من خلال مجموعة من المقامات الشبيهة.

وما يدعم واقعية هذه الرؤية، وأنها تحتل مساحة مؤثرة في خلفية قرار قوات النظام -بإملاءات من إيران-  لاقتحام المدينة، هو أن تلك القوات كانت قد شنت أكثر من هجوم على داريا، وكانت تتوقف في كل مرة لمجرد بلوغها مقام السيد سكينة، ومن ثم تستدعي أبواقها الإعلامية لتعرض ما تعتبره نصراً حققته حين تمكنت من استعادة السيطرة على المقام. و

كان لافتاً أن إعلام النظام ومعه الإعلام الإيراني كانا يركزان دوماً على استعادة المقام وكأنه نصر، ليظهروا بذلك العقلية الطائفية التي تتحكم بقراراتهم وتسير رغباتهم، ويتم وضع خططهم بموجبها. وهذا الكلام ليس لمحرد الرغبة بتوجيه اتهامات بغير حق لأي أحد، بل كلام يؤكد صحته قادة "الجمهورية ألإسلامية في إيران" بأنفسهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما صرح به الرئيس حسن روحاني مؤخراً حين اعتبر أن "المراقد في سوريا والعراق خط أحمر لإيران"، أي أن معركتهم معركة "قبور" تثبت الطائفية وتنشرها في بلاد لم يتعامل أهلها يوماً، قبل تطور العلاقة بين دمشق وطهران، بعقلية طائفية فيما بينهم.


 

وأخرى اقتصادية

سبب آخر قد يكون ضمن جملة الأسباب التي تجعل النظام والميليشيات الطائفية، مدعومة من إيران بصورة رئيسية، يصران على اقتحام داريا، هو العامل الاقتصادي. وكما هو معروف قامت حكومة بشار الأسد بوضع مخطط تنظيمي لعدة مناطق في دمشق وريفها، من بينها مناطق الرازي، والأراضي الزراعية الواسعة الممتدة على طول الخط الواصل بالنظر بين مناطق الرازي في المزة وداريا. وهي أراضٍ يتبع بعضها إداريا للمزة والبعض الآخر لكفرسوسة وجزء منها تابع لداريا.

اللافت أن تلك الأراضي الممتدة من ما يُعرف بمنطقة المفرق على التقاطع بين الطريق القادمة من المزة ومن كفرسوسة باتجاه داريا، حيث توجد رحبة وقاعدة لقوات النظام، وصولاً إلى ما قبل دوار الباسل في داريا، كانت بصورة متفاوتة تحت سيطرة القوات الحكومية دوماً. على الأقل هذا وضع المنطقة الممتدة من المفرق حتى المنطقة المعروفة باسم الخليج عند مدخل داريا.

ومع تصاعد حدة التوتر عمدت قوات الأسد إلى ترهيب سكان الأحياء المنتشرة على جانبي تلك الطريق، تقتحم هذا الحي وترهب أهله، وتفرض تارة حصاراً على المنطقة لأسبوعين أو أكثر، وتعيد فتح الطريق سامحة لمن يرغب بالمغادرة، وتطلق النار على المدنيين تارة أخرى، وبهذا الشكل تمكنت من تفريغ تلك الأحياء من غالبية سكانها، ومن ثم بدأت عملية نسف ممنهجة لكل المنازل، في ما يشبه تحضير المنطقة لتنفيذ المخطط التنظيمي الذي وضعته محافظة دمشق، والذي يبدو أن شركات إيران ستقوم بتنفيذه وتبلغ عائداته مليارات الدولارات

ومن غير المستبعد أن إيران تريد الجمع بين العقليتين الطائفية والتجارية في آن واحد، حيث أكدت أكثر من جهة أن إيران ستقوم ببناء أبراج في منطقة الرازي، بمحيط المبنى الجديد للسفارة الإيرانية. وربما تسعى إلى إفراغ داريا من غالبية سكانها كي تتمكن من توسيع الخطة التنظيمية التي تضعها مؤسات النظام السوري، كي تشمل الأجزاء من داريا المحيطة بمقام السيدة سكينة.

ويلفت مراقبون الأنظار هنا إلى الأعداد الهائلة من البراميل المتفجرة بقدرة تدميرية عالية فضلا عن القصف المدفعي والجوي لداريا الذي يبدو أقرب إلى خطة لتدمير كل الأحياء ضمن المنطقة المذكورة (على مشارف داريا وصولاً إلى مقام السيدة سكينة).

 

إلا أنه وعلى الرغم من تحالف دمشق وطهران ومع كل خططهما بالنسبة لداريا، وببغض النظر عن طبيعتها وخلفياتها، فإن صمود أهلها، وقدرتهم في تنظيم أمورهم بطريقة حضارية، وتأكيدهم نبذ كل أشكال التطرف الديني والطائفي وحتى السياسي، فضلا عن انفتاح المجلس المحلي وكل المسؤولين في داريا، على قوى المعارضة السورية وعلى الأمم المتحدة ومراكز المراقبة الأمريكي والروسي لوقف إطلاق النار، بصفتهما مخولان من مجلس الأمن الدولي بموجب قرار منه، كل هذه العوامل، وفي مقدمتها صمود الأبطال في داريا، لن تسمح لأي أحد بتحقيق مشاريعه تجارية كانت أم طائفية في داريا – تلك المدينة التي عاش فيها المسلم جنبا إلى جنب مع المسيحي على مدار قرون كأخوة تحكم علاقاتهم محبتهم لبلدهم، التي هي بالنسبة لهم فوق كل شيء، وقبل اي اعتبارات أخرى.

 

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 6792

مقالات الكاتب