عدد القراءات: 4034

خواطر حول الهجرة

في هذه الأيام نرى عجائب الهجرة البشرية الأكبر منذ القرن الماضي. امواج من البشر تسير بهمة و عزيمة. المحرك الأكبر و المكون الأهم هم السوريون رغم انهم ليسوا الأكثرية بل مجرد جزء من مجموع المهاجرين و لكنهم فرضوا واقعاً جديداً وغيروا مفاهيم كثيرة عبر اصرارهم و كفاحهم العنيد للوصول لأرض تمنحهم الأمن و حيث تكون كرامتهم محفوظة و فرصهم في بناء مستقبل لهم و لأولادهم متوفرة.

حركتهم ايقظت المشاعر الانسانية في كثير من البلدان، كما انها كشفت الزيف في بلدان اخرى و شعوب كان من المتوقع ان تتصرف بشكل مختلف.  لقد أسفرت هذه الحركة عن وجه حضاري عظيم لأوربا الغربية، حيث اندفعت الشعوب في تظاهرات للضغط على حكوماتها لمساعدة و ايواء اللاجئين كما ان كثيرا من المتطوعين عملوا على مساعدة آخرين لا تربطهم معهم سوى روابط الانسانية. ذلك الواقع انتج كثيرا من النقاش حول مساعدة الدول العربية للاجئين السوريين تحديدا و فيما اذا كانت كافية أو حتى موجودة في بعض الحالات.

 

و الحقيقة ان هناك متطوعين من الدول العربية ايضاً بذلوا مشكورين الكثير لمساعدة اخوتهم في الدين و العروبة، كما أن بعض الحكومات في الدول العربية ساهمت لدرجات متفاوتة في مساعدة النازحين وطبعا لايمكن انكار الضغط الهائل الذي يأتي من اعداد كبيرة من اللاجئين على دول الجوار مثل لبنان و الأردن و تركيا و الجهود التي تبذل لتوفير الحد المعيشي الأدنى لهذه الجموع، و لكن الفرق هو اننا لم نرَ اي حراك شعبي عربي كالذي رأيناه في اوربا، و حتى عند تهيئة الحد المعيشي الأدنى فإن معظم الناس لا تطمح للبقاء في مثل هذه الظروف لفترات قد تطول، في امكنة لا تسمح بالعمل و التعليم في معظم الحالات كما ان وضع اللاجئين كمواطنين من الدرجة العاشرة او قريبا من ذلك يجعل الحياة في تلك المخيمات - التي لا توفر في حالات كثيرة ملجأ كافيا في الظروف الجوية القاسية - صعبة و قاسية بل و حتى محبطة، حيث انه ليس هناك أفق مشرق يراه نزلاء تلك المخيمات، بل و حتى لأناس استطاعوا تدبير أمورهم خارج تلك المخيمات بشكل افضل فإنهم يشتركون مع سكان المخيمات بانسداد أفق مستقبل افضل لهم و لأبنائهم،  بل نستطيع القول انه حتى بالنسبة لمن يعيشون في دول الخليج فإن السياسات المتبعة هناك تبقي الانسان غريباً و منقوص الحقوق، حتى لو أنه ولد لأبوين عاشا في تلك البلاد و عاش كل عمره هناك و لا يعرف اي مكان آخر، فهو يظل غريباً و لا يستطيع أن يشعر أن له اي جذوراً في تلك البلاد.
على أن هذه الدوافع ليست جديدة، فهي كانت موجودة حتى قبل هذه الأحداث كرد فعل طبيعي على انظمة جعلت حياة المواطن لا تطاق في اوطان نخرها الفساد و سوء الادارة و الظلم و الاستبداد و انسداد الأفق وانتهاك انسانية الانسان، فبدأ الغليان بطيئاً بهجرة الكفاءات التي تستنزف طاقات الوطن البشرية،  و بدون شك فإن خسارة تلك الطاقات هي خسارة فادحة بكل المقاييس، و حل هذه المشكلة يستلزم تغييراً جذرياً للثقافة التي تسببت بذلك المرض الخطير، فأجبرت تلك الطاقات على ترك اوطانها للبحث في مكان آخر عن انسانيتها الضائعة و كرامتها المستباحة و حريتها المصادرة و طموحها المقيد، و اذا كان تسرب تلك الطاقات سابقا مثل الجدول الصغير، فانه اصبح في هذه الايام سيلاً جارفاً ستكون له آثار كبيرة على مدى اجيال، بيد اننا لن ندخل هنا في تحليل مفصل عن هذه المسألة ذات الأبعاد الاستراتيجية العظيمة.
في الوقت الراهن هناك توافق على حاجة اقتصاد جبار مثل الاقتصاد الالماني ليد عاملة شابة مع هذه الطاقات التي يحملها هذا السيل،  وعلى الرغم من وجود ذلك التوافق الا أن الحفاوة و الكرم الذي أبداه الشعب الألماني خصوصاً و الغربي عموما اعطى زخماً لهذه التجربة الكبيرة، و رسم لوحة جميلة للتعاون الإنساني التي نأمل أن تكون فاتحة للتعاون بين البشر في المستقبل، لتنهض الانسانية و تحقق كمونها لنعبر من مستنقع الإفساد و سفك الدماء الى رحاب عالم لا محدود من علم الله.
 

التعليقات

التاريخ على مد القرون مليء بالامثلة التي تغرت فيها الطبيعة القومية او الدينية او العرقية. في الماضي كان يتم ذلك بالاحتلال المباشر و من ثم استمرار الاحتلال و الخضوع له.. اما في القرن العشرين و القرن الحالي و باستثناء القضية الفلسطينينة فلا ييمكن تغيير الهوية عن طريق احتلال طويل الامد الذي اصبح مرفوضا. اذا كان هناك رغبة في تغيير خرائطي فلا بد من الهجرات البشرية و على مستويات هائلة. هذا ما حدث في الحرب العالمية الاولى ثم الثانية و في اجزاء من افريقيا. بينما موقف بعض الشعوب الغربية مشكور و نبيل يبقى هناك تساؤل عن ما قد يكون وراء الحكومات من غض الطرف بل و التسهيل احيانا للهجرة السورية و العراقية . هل هناك اعادة تركيبة هوية المنطقة و خريطتها كان يمكن للحكومات الغربية وقف الهجرة السورية و العراقية بقرارات في متناول اليد و لكنهم فضلوا استمرار التهجير و يبقى السؤال لماذا

علِّق