عدد القراءات: 3512

خطة المرحلة الانتقالية بعد سقوط الأسد - الأسس القانونية 1

 

فهرسة القسم الأول:
1.1.ملخص التوصيات الأساسية.
1.2.السياق.
1.3.التحديات والمخاطر.
1.4.الاستراتيجيات والتوصيات التفصيلية.
1.5.الجدول الزمني المقترح للتنفيذ.
1.6.المصادر المختارة.


مباشرة بعد سقوط النظام، سيتعين على الشعب السوري ونشطاء الثورة والحكومة الإنتقالية تحقيق العدالة والبدء بإرساء مبدأ سيادة القانون، والتأكيد على القطيعة مع الممارسات القمعيّة للنظام السابق، ووضع حجر الأساس لمبادئ المساءلة والشفافية.وفي هذا الفصل سيتم تناول ا دور الجيش السوري الحر، ومسألة تحرير السجناء السياسيين، وإدارة المظاهرات والتجمعات العامة، وإنشاء آليات رقابية تضم جميع التوصيات، أولاً الخطوات العملية وثانياً رسائل رمزية واضحةً وتوظيف المكونين في إقامة علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع.


1.1. ملخص التوصيات الأساسية
القانون والنظام القضائي: الاستمرار في تسيير الشؤون القضائية خلال الفترة الانتقالية، مع الحرص على وجود كادر كافٍ للنظام القضائي وحماية هذا الكادر. حماية البنى التحتية للنظام القضائي، بما فيها السجلات القضائية.  العمل مع المجموعات الثورية فيما يتعلق بدورها في تسهيل عمل النظام القضائي.  حلّ جميع المحاكم الاستثنائيّة وإلغاء القوانين التي تمنح أجهزة المخابرات الحصانة والحق في التوقيف والإعتقال، وكذلك العمل استراتيجياً على إلغاء جميع القوانين التي تنتهك استقلالية القضاء أو حقوق الانسان.  توقيف الأشخاص المتهمين بالجرائم التي قامت في فترة الثورة.
السجون: إجراء جرد شامل للسجون ومراكز الاعتقال الحالية. تحرير السجناء السياسيين والسجناء الأحداث بمساعدة فرق قانونية مختصة لدراسة أوضاع المعتقلين. تأمين الاعتقال الآمن للمتهمين بجرائم تمت خلال الثورة. تقييم البنى التحتية للسجون وتحسين ظروفها بما يضمن تلبيتها لمعايير حقوق الإنسان الأساسية. توضيح إجراءات وأساليب إدارة السجون وتوحيدها تحت إدارة وزارة العدل.
الجرائم: تشهد المراحل الانتقالية عموماً ازدياداً في معدلات الجريمة، حيث إحتماليات تكّون عصابات الجريمة المنظمة واستغلال الوضع لتهريب المخدرات والبشر والأسلحة. كما يمكن أن يقوم المسلحون والضحايا بأعمال انتقامية، أو أن يعمد  المخربون وموالو النظام على زعزعة الاستقرار في المرحلة الانتقالية بصورة عامة، وخاصة أن الأشخاص الذين تعرضوا للصدمات أكثر عرضة للتصرف بطريقة عنيفة. لذلك فمن الواجب تقييم المقدرة الحالية على التعامل مع الجريمة المنظمة، وضمان أمن وسلامة القضاة المسؤولين عن إدارة المحاكمات في القضايا الكبرى. كما يتعين إطلاق حملة عامة واسعة لحض الناس على عدم القيام بأعمال انتقامية، ومراقبة التجمعات العامة وأماكن التظاهر والاعتصام التي يحتمل تواجد المخربين فيها، وتشجيع استراتيجيات محلية للحد من الجريمة والعنف المحلي.
الرقابة: تأسيس آليات للرقابة والإشراف على النظام القضائي لتحسين أدائه وتعزيز مبدأ الشفافية والمساءلة. يمكن أن تضم الآليات الرقابية المستقلة لجاناً مختصة بتطبيق مبدأ سيادة القانون على المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية، بالإضافة إلى وضع مراقبين يمكن تحديدهم للتواجد في التجمعات العامة وزيارة مراكز الشرطة والسجون. وتسهل قنوات التواصل بين اللجان والمراقبين والنظام القضائي الرسمي عمليات إرسال التقارير والتحذيرات المبكرة لإتاحة الفرصة للتوسط والإصلاح والمساءلة قبل تفاقمها.
التجمعات العامة والمظاهرات: من المحتمل جداً أن تحدث تجمعات عامة كبرى ومظاهرات عارمة واعتصامات خلال الفترة الانتقالية، سواء بغرض الاحتفال أو الاحتجاج أو التعبير عن المواقف السياسية. وعليه يتعين تحديد قواعد أساسية صارمة للتجمعات العامة، وتدريب عناصر الشرطة على الآليات والوسائل السليمة في إدارة التجمعات لمنع نشوب العنف، مع الحرص على وجود مراقبين مستقلين لضمان أمن وحماية المواطنين.
الثقة والشرعية: العمل على تنمية الوعي بثقافة حقوق الإنسان ومبدأ سيادة القانون، وإظهار التزام الحكومة الانتقالية بهذا المبدأ.ضمان التواصل الفعال لبيان وتوضيح مبادرات الحكومة الانتقالية المتعلقة به. العمل على استقطاب مساهمة الجمهور من خلال المنظمات المحلية الصغيرة منها والكبيرة. والإعلان عن النجاحات والتطورات الإيجابية. اتباع مبادئ المشاركة الشاملة والشفافية والمساءلة في كل خطوة يتم اتخاذها.
الأهداف والمبادئ والتوصيات

يعد تأسيس مبدأ سيادة القانون واحداً من الأهداف الجوهرية للثورة، ويعني ذلك أن الجميع متساوون وخاضعون للمساءلة تحت سقف القانون. ينطبق هذا على الأفراد والمؤسسات والهيئات العامة والخاصة وعلى الدولة ذاتها ورموزها، حيث تضع الشفافية  كلاً من الجمهور والموظفين الحكوميين في موضع المساءلة القانونية عن أفعالهم. ولا يقتصر مبدأ سيادة القانون على بنية وعمليات نظام القضاء الرسمي، بل يتعداه إلى تحديد شكل وخصائص العلاقات بين مؤسسات الدولة فيما بينها، وبين الدولة والشعب، والتي يجب أن تبنى جميعاً على أساس الشفافية والمساءلة. يشمل مبدأ سيادة القانون، بالإضافة إلى الدستور والمحاكم، دور الآليات الرقابية المستقلة والرقابة الشعبية، كما يتيح وجود ثقافة سياسية عامة تقوم على مبدأ المساواة بين الجميع، وتقبل بشرعية القانون، وتتوقع خضوع كل فرد أو جهة للمساءلة القانونية. (لمزيد من المراجع فيما يتعلق بسيادة القانون، الرجاء النظر في المراجع المختارة).

استند مشروع اليوم التالي في جميع نقاشاته ومداولاته المتعلقة بمبدأ سيادة القانون على مجموعة من المبادئ الأساسية.

المبدأ الأول:  السيادة  الوطينة. سيادة القانون تعني أيضا السيادة الوطنية، أيأن تكون جميع القرارات المتعلقة بماهية وشكل الإصلاحات المرتبطة بمبدأ سيادة القانون في يد المعنيين على المستوى الوطني. فمشاركة السوريين الفعالة في تأسيس مبدأ سيادة القانون والتحكم بآليات تطبيقه هي التي ستحدّد كلاًّ من ملاءمته للمرحلة الحالية، والقدرة على الاستمرار في تطبيقه على المدى البعيد لأنه  لن ينجح أي نموذج يفرض على سوريا وشعبها من الخارج مهما بلغت درجة كماله نظريّاً أو درجة نجاحه عمليّاً في مناطق أخرى من العالم.

المبدأ الثاني: مشاركة الجميع. يطبق مبدأ سيادة القانون على الجميع، ولذلك لا بد من مشاركة الجميع في بنائه. وهذا يتطلب  أن  يشارك في هذه العملية جميع مكونات الشعب السوري، مع اهتمام خاص بالفئات التي تم إقصاؤها أو نزع صلاحياتها في الماضي. في الحالات التي يتم فيها اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمجموعات معينة، مثل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، أو الثوريين السابقين، أو أعضاء المكونات الاجتماعية التي خضعت للتمييز بسبب هويتها (إثنية أو دينية أو طائفية أو جنسية أو غير ذلك)، من الأساسي أن تشارك هذه الفئات في صنع القرار مع مجموعة متنوعة من الفئات الأخرى. بعبارة أخرى، يتحتم أن تتضمّن جميع الآليات الهادفة إلى إرساء سيادة القانون مشاركة كافة الجهات المعنية والمتأثرة بالقرار.

المبدأ الثالث: الانفتاح والشفافية. تسهم الرقابة العامة والإشراف الشعبي والإعلامي على النظام القضائي، بالإضافة إلى التواصل الفعال من قبل الحكومة الانتقالية، إبقاء الجمهور على اطّلاع دائم بجميع الخطوات، والتي من شأنها تعزيز سيادة القانون وتمكين المساءلة ومنع الانتهاكات وغرس الثقة والشرعية.

المبدأ الرابع: عملية التطبيق. سيادة القانون هدفٌ طموح تسعى جميع الدول الديمقراطية لبلوغه، ويستغرق تحقيق التقدم فيه وقتاً طويلاً، خصوصاً في دولة كانت خاضعة لنظام قمعي. وفي حين أن للخطوات الأولى أهمية قصوى، إلا أن عملية التحول الكامل للثقافة والنظام السياسي في أي سياق يستغرق عادة  سنوات عديدة. وكما في أي عملية مشابهة، تتميز عملية الانتقال هذه بالتحول المتواصل والمستجدات، وتتطلب مراجعات وتعديلات متعددة خلال التنفيذ،  وحينها يجب مراعاة التعديلات لتكون ملائمة لمتطلبات السياق المحلي للبلاد.  تطبيق عملية تأسيس سيادة القانون وتحقيق تنفيذه أهمية خاصة أيضا، لأنه  لا يمكن تحقيق نتائج المساءلة والشفافية، وهما مبدآن جوهريان في سيادة القانون، إلا إذا كانت العملية الموصلة إليهما تتميز بالشفافية والشمول أيضاً.

وخارج إطار هذه المبادئ الشاملة، يسعى مشروع اليوم التالي أيضاً إلى تحديد بعض التوصيات والمقترحات المفيدة للفترة الانتقالية، واضعاً في اعتباره، خلال جميع المداولات، تميز النموذج السوري والأهمية البالغة للسيادة  الوطنية، دون أن يغفل مراجعة التجارب الأخرى خلال السنوات الخمسين الماضية والاستفادة منها في الدول التي مرت بمراحل انتقالية، وسعت إلى توطيد السلام بعد فترة من النزاعات، واستطاعت تأسيس سيادة القانون بعد حكم قمعي.

المبدأ الأول: توفير قيادة قوية، وإنشاء تحالفات من أجل التغيير على المستوى الوطني والمحلي. من الضروري وجود قيادة قوية على المستويين الوطني والمحلي تكون مثالاً يحتذى به في مجال سيادة القانون، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع مرتكبي الجرائم المرتبطة بفترة الثورة. وفي الوقت ذاته، يجب أن تقوم الحكومة الانتقالية بتأسيس تحالفات تضمن مشاركة الجميع من أجل التغيير. وأن تكون هذه التحالفات ً بمثابة قنوات للتواصل والتشاور لتوليد علاقات إيجابية بين الدولة والمجتمع، وأن تسهم في خلق فرص المشاركة للمعنيين وبالتالي  تضمن حماية الحكومة الانتقالية من العزلة واستئثار النخبة وإلقاء اللوم على الآخر فيما يتعلق بالقرارات التي لا تحظى بالقبول العام.

المبدأ الثاني: إيجاد حلول سوريّة  بدلاً عن فرض الخطط. يجب الامتناع عن تبني خطط يتم وضعها مركزياً أو منهجياً أو فرض نماذج خارجية. ومع أن هنالك الكثير الذي يمكن تعلمه من التجارب والخبرات الدولية، إلا أنه من  المستحسن تجنب اتباع النماذج الخارجية بشكل تبعي دون مراعاة السياق السوري الخاص، كما يجب عدم افتراض وجود منهجية واحدة مناسبة لكافة المناطق السورية. لذا ينبغي أن يتم وضع استراتيجيات تراعي تطبيق مبدأ سيادة القانون من خلال عمليات تتيح مشاركة المكونات المحلية والمناطقية جميعاً، وتسمح بالتكيف مع الظروف المتغيرة والعادات والتقاليد الخاصة بكل منطقة.

المبدأ الثالث: اعتماد منهجيات علمية تقنية واجتماعية معاً. لا بد لأي نظام قضائي ناجح من توفير المتطلبات التقنية اللازمة، ويشمل ذلك وضع مسودات القوانين وبناء دور القضاء والمحاكم وتطوير التكنولوجيا وتدريب الكوادر اللازمة. إلا أن التركيز على الأمور التقنية لا بد وأن يترافق مع اهتمامٍ كافٍ بالنواحي الاجتماعية لمبدأ سيادة القانون، وهو ما يتضمن اعتماد الشمول والشفافية من أجل بناء العلاقات القائمة على الثقة، بحيث يشعر المواطنون بأن القانون يُطبّق عليهم بالشكل الصحيح كما يعلمون بأنه يُطبّق على الجميع بشكلٍ متساوٍ، مما يشجعهم على دخول مراكز الشرطة ودور القضاء دون خوف، واثقين بالنظام القضائي وكوادره التي يتعاملون معها، ويحفزهم على لعب دور رقابي وتقديم مساهمتهم في هذا المجال. من المهم مراعاة وإدراك أن الجانبين التقني والاجتماعي هما أمران أساسيان لبناء واستدامة مبدأ سيادة القانون.

المبدأ الرابع: تحقيق نتائج مبكرة دون الوقوع في فخ التسرع. على الحكومة الانتقالية تقديم نتائج ملموسة في القطاع القضائي بأسرع وقت ممكن، وذلك لأن الثقة في الدولة تكون ضعيفة للغاية بعد سنوات طويلة من القمع، وهو ما تعززه الفوضى التي تتفشى دائماً في فترات الصراع. . تحقيق نتائج آنية مؤشر أساسي ً على القطيعة مع الماضي القمعي وممارسات النظام السابق، ويظهر قدرة الحكومة الانتقالية على تحقيق العدالة، ويالتالي يعزز بناء الثقة. يمكن أن تشمل هذه الإجراءات على سبيل المثال إغلاق السجون سيئة السمعة، واعتقال المتهمين بجرائم كبرى مع ضمان أمنهم بانتظار المحاكمة، أو منح مناصب في الحكومة الانتقالية لأعضاء من المجموعات التي تعرضت للإقصاء في الماضي. ويمكن للمشاورات مع الناخبين في مختلف المناطق السورية أن توضح أياً من هذه الإجراءات المبكرة، الأمر الذي يمكن أن يلعب دوراً في بناء الثقة في نوعية وقدرات الحكومة الانتقالية. وتستغرق في العادة عمليات التحول التي تخضع لها مؤسسات الدولة والثقافة السياسية عموماً بعض الوقت، ولذلك فإن محاولة إنجاز الكثير من خطوات التغيير بسرعة كبيرة قد يأتي بنتائج عكسية، حيث أن التسرع غير المدروس بإمكانه أن يثقل كاهل الدولة ويجعلها تعمل فوق طاقاتها. وبالتالي فإن هذا يزيد من خيبات الأمل ويضعف الأمل بتحقق الأهداف المرجوة، وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى فقدان الثقة في الحكومة الانتقالية. لذلك لا بد من أن تكون التغييرات الكبيرة متسلسلة وتدريجية، وأن يتم العمل على تحقيق كل منها عندما تتوفر عوامل الإرادة والموارد الكافية والقدرة على التنفيذ. كما ينبغي الاحتفاء والترحيب بأي تقدم يتم تحقيقه، وأيضا النظر إلى أية إخفاقات قد تحدث كفرصة للتعلم واكتساب الخبرة. من المهم أن يؤخذ بعين الاعتبار أن  مبدأ سيادة القانون مشروع طويل الأمد،  وعمل مستمر تسعى جميع المجتمعات الديمقراطية لتحقيقه وتأسيسه وتأمين استدامته.

------------------------------------------------------------------------

"المواد في هذا القسم مستخلصة من تقرير "اليوم التالي" وهو نتاج وأبحاث واجتماعات ودراسات قامت بها مجموعة مؤلفة من 50 ناشطاً سورؤرياً يمثلون طيفاً واسعاً من المعارضة السورية، عملوا على إدارة هذا المشروع المستقل للتخطيط الانتقالي لسورية، وذلك بدعم لوجستي وتقني من معهد السلام الأمريكي والمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن الدولي SWP"

تم النشر بالتنسيق والموافقة مع إدارة مشروع اليوم التالي

علِّق