عدد القراءات: 4144

حيّ لم يمت؛ قراءة في كتاب "مذ لم أمت" للشاعر السوري الفلسطيني رامي العاشق

 

"جُمعتْ النصوص كالأشلاء". هي فوضى تنظمها روح الكاتب وحسب، ويرتبك في تعريفها، إذ أنه يعرف يقينًا ما لا تكونه، ولكنّه يحار في ما تكونه، ليقول نهايةً وبكل وضوح:

"هي مجموعة نصوص لا أكثر، نصوص تحتمل التسمية، سمّها ما شئت". أجل، يترك العاشق للقارئ وحده، حريّة مطلقة في تصنيف نصوصه، أليست هذه ديمقراطية الثقافة في أبهى تجلياتها العملية؟

 

يأخذنا "هاربٌ من الجنّة" لنبدأ كتابه من نهاية العالم، القيامة/البعث، فيخبرنا بشكل مموّه لا يعوزوه الوضوح أنّ النهاية هذه، الموجعة الصادمة الناضحة وجعاً وصوراً مرعبةً "أحذية لأقدام مبتورة"، "أفواه تصرخ بلا حناجر، الحناجر تُركت هناك محزوزةً"، "دم أكثر من الهواء". مقاربة مرعبةٌ للمخيّم، أيّ مخيم، فكل سكان الخيام في العالم هم أبناء الرعب، ذات الرعب بدرجات متفاوتةٍ تفاوت الموت بين الرصاصة والسكين. في نهاية الخراب، يحسم العاشق المشهد، يعيدنا لبداية العالم، ذات العالم، ليكثّف الواقع: "قبل "البعث" بأيام.. كانت الحياة أجمل".

في المشهد التالي، ثلاثيّة جدلية بين "اللاجئ والآخر، والأخر اللاجئ"، يقتحم سيكولوجيا الضحية، الضحايا الجماعية تحديداً، وآليات دفاعها عن ميزتها كضحيّة، فكون المرء ضحيّة؛ هو ميزة في عالم قلّما يعترف بالضحايا. والضحايا، لا يفهمون كيف يُسمح لأي إنسان غيرهم أن يكون ضحيّة، كيف يجرؤ على مدّ يده إلى كعكة الأضاحي هذه؟

يختم بتكسير البخار عن المرايا، لنشاهد وجوهنا الآدمية القاسية: أجل اللاجئون القدامى ألدّ أعداء اللاجئين الجدد.

 

في لحظة وجدٍ، يقف قبالة الموت ليقول "أرفعُ جسدكِ رايةَ رعبٍ وخذلان"، ويصطحبُ المجزرة لحضن حبيبةٍ لا تقلّ عن المجزرة رسوخًا في الذاكرة وسيطرةً على المستقبل، وتفوقها ألمًا وتفاصيلاً. يُلقي بكلّ اللوم على ذاتهِ المتهالكة، ربما لم يبقَ له إلا هذه الذاكرة المستقبليّة. يبدو من البديهي أن يدافع المرء عن جزّارهِ حين لا يظلّ سواه في الطريق.. أيّ طريق.

ويتابع روايته لأشلائه، فيهمس "أعرفُ الزنزانة جيدًا"، يحملنا على زيارة زنزانته، والهرب من أنثاه، يعرف المرأة جيدًا هذا السجين، وإلا: كيف تقمّصت زنزانته كلّ تفاصيل أنثاه بهذه الدقة والبراعة؟
يخوض معها حربًا، دفاعًا عن حريته، ليختتم كل هذا التعب بأنّه سيظلّ في شقائه حتى يجد ما يريد: "الأنثى الحرية".

 

على الضفّة الأخرى من كل شيء، من الحرب، والثورة، واللجوء، والموت، يعرّفنا على "المقاتلة العارية من ضفائرها"، يرصد طلوع الشمس على أرضٍ شهدتْ مجزرةً، وعلى روحٍ نجت منها. لكنها خرجت حبلى بثأرٍ معلّق في قلادة، وعهد وثّقته حبيبة بضفائرها المقصوصة كي لا تنسى ثأر حبيبها يومًا. فالمغنيّة ابنة البزق باتت تؤمِن أنّ "الثأر آخر أغنيات العدالة". وأنها إن خابت في مسعاها، وقُتِلتْ، ستعود إلى حبيبها من جديد.

يعود من الضفّة البعيدة إلى قاع النهر، ويعلنها جهارًا: "لا أريد أن أقع في حبّـ(ها)". يحسم قراره، ولأسباب قد تبدو –إن استطاع أحدٌ رؤيتها– مجرّد عنادٍ طفوليٍّ. يقرر هكذا: ألّا يجد(ها) فيورّط كلّ قارئ فيـ(ها).

يرسمها أمامنا، بل يشكّلـ(ها): جسداً، روحاً، مزاجاً، عيوباً، وكمالاً. ويترك لنا فسحة ضيّقة لنتعاطف معه، إذ أنّ كلّ ما فينا يصرخ وهو يقرأ: ما الذي تنتظره أيّها الأخرق لتقع في غرامـ(ها)؟؟

يترنّح أمامنا على جدارٍ من عناد، يرفضـ(ها)، ويبعد(ها)، ثم هكذا، ببلادة روح تقرر أنها ملّت جسدًا ما، يقرر أن يقع. هكذا، أن يسقط في حبّـ(ها) سقوطًا حرًّا، مهما حاول ادعاء أنّه بالكاد بدأ الوقوع وحسب.

يتماسك الفتى المتساقط، ليجمع أطراف ملامح قصته، ويقول لنا "أخيرًا التقينا"، يخبرنا، بهدوء حفار قبور في التعامل مع الجثث أنّ اللقاء المنتظر، المرسوم عبر عشرات المحاولات الفاشلة، والذي لطالما اعتقد أنّه بعد كلّ محاولة لا ينجح فيها يقترب من الكمال، يخبرنا أنّه كان لقاءً بلا أيّ معنى.
اللقاء الحقيقيّ الأول، كان لقاء الوداع، ربّما فيه راحة اليأس الخدر الممتع، ولكنّه سيحمل كلّ صباح بؤس الانتظار بلا أمل.

 

ما الذي يؤنس وحشة المنتظر كالأغنيات؟ نراجع مع العاشق في "استعارة" حياديّة المشاعر لذكريات ربما تكون الأساس لكلّ ما حملته أرواحنا من ملامح حين كبرنا: الأغنيات.

الأغنيات ليست مجرّد مجموعة متناغمة، أو غير متناغمة من الأصوات. الأغنيات هنا تلخيص لكل المزاج والحالة، هي "صورنا الأولى عن الفرح" وتشكيل همومنا الصغيرة في الحياة.

يفرّق جيدًا بين بحثه عن السعادة، وبحثها عن الحب. فإذا به في نهاية بحثه غارق في الحب، وهي تكاد تقطف السعادة مِلء السلال. تغيّرت الأغنيات حين كبرنا، أو ربما تغيرنا نحن، لكن الحتميّ أن علاقتنا بها تغيّرت في العمق.. وفي الظاهر.

ثم يقرر الاعتراف..

 

يعلنها صراحةً: هؤلاء "الذين قتلتهم حتى الآن"، يحشد في حكاية قتلاه كل غضبنا، يجعلنا نمسك فؤوساً وسكاكين وبنادق لنستحضر معه كلّ من يشوهون الحياة ولا يبدو أنّ ثمّة أمل بحمايتها إلا بقتلهم. نحن نعرف هؤلاء القتلى جميعًا، وسِجل جرائمنا نحن أيضًا حافل بهم. نعرف أننا حملنا ذات المطارق يومًا على رؤوس بعضهم، عبرت نصالنا أعناق بعضهم الآخر، هشّمت قبضاتنا وجوه بقيتهم، تأكدنا من موتهم مرارًا، كأيّ قاتل محترف.

كيف يمكننا احتمال قهر أنّ من اضطهدنا أو ظلمنا أو حرق أحلامنا ما زال حيّاً؟ كيف نحتمل ثِقل الهواء الذي نتنفّسه معًا على ذات الكوكب؟ كيف ننقذ الحياة الجميلة ممن يشوهونها باستمرار؟ هل نستطيع قتلهم حقّاً؟ بالطبع لا، هذا غير ممكن، وغير واردٍ، وغير مقبول. ربما يكون الحلّ الوحيد الممكن هو ما يقترحه الهاشق علينا في نهاية هذه السلسلة الطويلة من القتلى-الأحياء "لاحلّ لإنهاء وجودهم –على ما يبدو– إلا بقتل ذاكرتي".

 

عاد طفلاً.. وأيّ طفل، صار (عَمْرًا) ليحكي لنا عن "الهديّة التي قتلتنا جميعًا"، عمرو الغارق في أشلاء أصحابه، الذي يقصّ حكايته دون صوت، ويترك الشيب المرعب في رأس طفل في الثانية عشرة من عمره ليخبرنا تفاصيلها. حكاية أصحابه الذين مزّقهم لغم وضع في الطريق.. على شكل هدية.

ثم يعود فيكبر!

إن كان لك بيت فـ"اهجر بيتك واصنع غيره". هكذا يبشرنا العاشق بأننا ضحايا مستمرون، يلاحقنا كل ما فينا من ذاكرة، وحلم وأماكن ليقتلنا، والأغنيات العالقة في البال: قيد، وأننا نتماهى مع القتلة، والقيود هاربين من الغد إلى الماضي. ولا نجاة لنا إلا بالهجران، هجران الذاكرة والصوت والملامح. هجران بيوتنا، لنسكن غيرها وحسب.

يمضي، وكل الحلم يمضي، وكل الجرح يمضي "دقائق محذوفة من اليوم الأسود لليرموك" ونعيد الوجع والجرح، ذات الشفاه على ناي الآخ "تركوا الأسماء ذاتها: حيفا، القدس، الكرمل، القسطل، الطيرة، لوبية، وصفد" ولكننا نتعلم بأقسى طرق التعليم: "الموت الذي نعرفه خيرٌ من الذي لا نعرفه".. هكذا نكرر قيحنا وجراحنا.

نبحث إذاً عن ذاتنا، ونسأل: "من ألقى المفتاح في النهر؟" هل لنا أن نبوح بحبنا؟ نحن، نحن السجناء في "العيب" في "الحياء" في "اللاحب"؟ من ألقى أنهارنا في أقفال الحياة؟ يطحننا السؤال، ويقدم العاشق إجابة تطحننا، يحسم مصائر الحياة بقوله: "يومًا ما ستنتهي قصة هذا الجسر أيضًا، فقد أصبحت قصص الحب ثقيلةً".

نقترب من النهاية، نقترب حدّ الانتهاء، ونسأل العاشق دون مواربة، ما الحكاية؟ فيجيب: "بائع الحب وسريره" يطرح ألف سؤال في تعريف الهويّة، ثم يعود بهدوء لتعريف الجسد المتعب بين الضلوع والأنفاس. يرتدي ما أجبرته الحياة على تسميته معطفًا، يعود لسريره الخاوي ليبدلّ فيه عشرات النساء، ثم يسرق وصيّة شاعر، عاشق، كاتب، روائيّ، فيلسوف: البكاء ممنوع حين أموت.

 

تقترب النهاية، البداية، الفاجعة، الصرخة، الحقيقة، القضية، الانكسار، الصلابة، الحكاية:

أنا ميّتٌ حدّ التقمّص، ولكن من يخبركم ما الذي جرى "مذ لم أمت"؟

أهتك كلّ محرّم، أتناول الورق الهراء بكل صبر، أولم أصِر فأرًا؟ أبارز الحجارة المقدسة بقضيب فأر وأنتصر. أناقش التاريخ وحقائقه بذيل فأر وأنتصر. ألوك جبن الزمان والزعماء بضرس فأر: وأنتصر.
"مذ لم أمت" علمتني الحبّ بثلجها المشتعل بثقاب خياناتي.. وأنام.

أنام كميّت لم يعرف الموت إلا مجازًا. هي الحقيقة هكذا: "يأبى ابن الخيمة أن يعرفَ وطنًا" والوطن السافل يأبى أن يعترف بخيمة..

 

ينهي العاشق حكاياته.. صفعةً في وجه البطولة.

 

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 4144

مقالات الكاتب