عدد القراءات: 7417

حتى لا نضطر إلى صلح وستفاليا في سوريا

يعلم الأوروبيون من تاريخهم بأن حرب القيصر الألماني فرديناند الثاني  مع رعاياه البوهيميين لم تعد مجرد نزاع داخلي في براغ ، فبعد القضاء عليهم فتح الباب على مصراعيه لحرب امتدت ثلاثين عاما شاركت فيها الدول الأوربية وصارت مثلا لصراع ديني بين البروتستانت والكاثوليك ــ سنة وشيعة النصرانية ـــ ولم يتم التوصل إلى حل يحقق الإستقرار إلا  بعدما جلس ممثلون لجميع أصحاب المصلحة على طاولة واحدة.
وعندما جلس جميع الذين يعملون على تغذية عجلة الصراع ودعم الأطراف المتحاربة على طاولة المفاوضات وتباحثوا في مصالحهم لمدة سنتين كاملتين استطاعوا إنهاء حرب الثلاثين عاما. وتمخضت التفاوضات عن وثيقة ويستفاليا ١٦٤٨ التي عالجت أسباب وجذور هذه الحرب الطويلة، ولم تعمل على تقديم حلول ترقيعية فقط .
الصلح جنب القارة حروباً كبرى عدة قرون أخرى حتى الحرب العالمية الأولى ،ونحن في السنة الخامسة للحرب في سوريا علينا أن نسعى لتجنب الدمار المتوقع من استمرار الصراع .
من بداية المأساة السورية لم يعد مقبولاً أن تردد الدول الغربية ،التي حكمت إرادتها السياسة العالمية لعدة قرون، نفس الأعذار بشكل مستمر لتبرير عدم التدخل الجاد والفعال. وكذلك لم يعد مقبولاً  الإستمرار في سياسة إنتظار التدخل الغربي دون السعي لتطوير بدائل معتمدة على القدرات  الذاتية
قد يبدو أن الوصول لحلول حقيقية عبر التفاوض في الوقت الحالي أمر بعيد المنال. لكن بديلا عن الاستسلام للواقع أو التسليم للنظام يمكن تغيير المقاربات السياسية للمعارضة السورية ، فبدل التعويل على التدخل والضغط الغربي والاستناد للفرضيات الخاطئة والأوهام المخيبة للآمال ، يمكن الاعتماد على  مقاربات  تستند إلى الواقع كما هو لا كما نتمناه. وكي لا تستمر الحرب الإقليمية والدولية على الأرض السورية وبدماء أبنائها لسنوات طويلة قادمة، حتى يتمكن أحد الأطراف من الحسم العسكري. إن الحسم العسكري سيكون عندها  إنتصاراً عقيماً، لا يمكن الإفادة منه نتيجة للحالة المعقدة التي ستخلفها الحرب.
لقد حركت عاصفة الحزم الأجواء لتغيـيـر معقول ، وأثر التفاهم السعودي التركي القطري في تغيـيـر معادلات الأرض ، وبقي الاستثمار في ذلك وعدم تضييع الفرص .
قد يكون من المتعذر إيجاد حلول سياسية أو سحرية تحل الأزمة في سوريا بخطوة واحدة. لذلك فإنه من الحكمة العمل على تطوير البيئة والأدوات التي قد تسمح بالوصول لحل سياسي في مرحلة لاحقة
بمعنى آخر: قد يكون من المتعذر اليوم خلق هيئة حكم إنتقالي كما نص على ذلك إعلان جينيف١، وكذلك من المتعذر الوصول إلى إتفاق وقف إطلاق النار يؤدي إلى إيقاف الحرب بين النظام وحلفائه من جهة، وبين الثوار والمعارضة المسلحة. ولكن في مقابل ذلك يجب السعي لحصر هذه الحرب على خطوط التماس من خلال إيقاف إلقاء البراميل والقنابل على المناطق المأهولة بالسكان أو البعيدة عن خطوط التماس، بما يسمح لمعظم المناطق السورية بأن تنعم بشيء من الإستقرار.
هذا الإستقرار سيؤدي بدوره إلى عودة النازحين إلى هذه المناطق وعودة عجلة الحياة وقواعد الإقتصاد في هذه الأماكن للبناء عليها ،وقيام إدارات ذاتية ومحلية  تعمل على إعادة الأطر والهياكل الإجتماعية والسياسية الكفيلة بالسماح بتشكيل قيادة مدنية إجتماعية يمكنها تمثيل المعارضة بشكل حقيقي وجدي والتفاوض عنها. حيث أنه لا يمكن الوصول إلى حلول سياسية مستدامة بدون وجود ممثلين حقيقيين لمصالح الشرائح الشعبية العريضة المعارضة للنظام بكافة أشكالها وتصنيفاتها.
إن ظهور هؤلاء الممثلين يحتاج إلى شيء من الإستقرار في المناطق التي خرجت عن سيطرة الأسد في الشمال.وفي الجنوب
ولا يوجد أي تفسير لتدمير مناطق واسعة من حلب وبقية المدن في الجنوب وريف دمشق  بالبراميل المتفجرة إلا رغبة الأسد بعدم السماح للمناطق الخارجة عن سيطرته أن تنعم بشيء من الإستقرار.
إن الهدوء النسبي والإستقرار في تلك المناطق هو الطريق الوحيد نحو بناء بنى إجتماعية وسياسية جديدة في تلك المناطق، بما يسمح بظهور قيادات إجتماعية وسياسية جديدة تمثل مصالح هذه المناطق وتستطيع تقديم نموذج بديل والدخول كذلك في عمليات تفاوض حقيقية مع كافة الأطراف ، وفي كل مفاوضات أخرى . إن إنشاء هذه المنطقة سيكون خطوة أولى تسمح بإعادة خلق الإستقرار في الشمال والجنوب ،  مما سيخفف من أعباء اللجوء إلى الدول المجاورة لسوريا وإلى الدول الأوروربية. وسيسمح بدوره بخلق مخبر لممارسة تجربة بناء الإدارة الديمقراطية في هذه المناطق، ويساعد الناشطين والسياسيين على إكتساب التجارب التي ستساعدهم على بناء سوريا الجديدة.
ويمكن الرهان على مشاورات جنيف التي يجريها دي مستورا اليوم بمشاركة الدول الاقليمية بما فيها إيران ، والاسلاميين المقاتلين على الأرض .
لقد رفضت بعض الدول الإقليمية مشاركة إيران في جنيف2، مع علمها أن لإيران التأثير الأكبر والأهم على النظام . ولكن أي مفاوضات تعمل على إستبعاد إيران أو روسيا، لايمكن لها أن تنجح إلا إذا كانت هناك قوة عسكرية وسياسية مكافئة لإيران و لروسيا أو أقوى منهما تتبنى دعم المعارضة بما يجعل أثر إيران و روسيا في الصراع السوري معدوماً ، وهذا غير متوفر.
كما أن أي إستبعاد للإسلاميين من أي حوار أو تفاوض حول مستقبل سوريا - كما يحاول أن يفعل البعض - سيكون عقيماً بعد أن أثبتوا فاعليتهم على الأرض وموجوديتهم وثقلهم في الصراع القائم ، فلا بد من إشراكهم في العملية السياسية ودفعهم لتبني بدائل موضوعية للاشتراك في أي تفاوض قادم .
لذلك فإن هناك أيضا واجبات مترتبة على رعاة عملية الحل السياسي ممثلين بالأمم المتحدة والوسيط الدولي السيد دي مستورا وبقية  أصدقاء سوريا والتفاهم السعودي التركي القطري العمل والضغط في إتجاه تحقيق هذا التطور إن كانوا جادين في مسعاهم .
ولهذا الغرض يوجد لديهم عدة أدوار تبدأ بالحوار والتفاوض المباشر مع إيران وروسيا من أجل الوصول إلى تفاهم من هذا النوع . وفي حال تعذر ذلك فهم يمتلكون العديد من الخيارات مثل الحظر الجوي ، وتمكين المقاتلين من التصدي الحازم لحرب النظام ومشايعيه ضدهم ، ويمكن توسيع مظلة الناتو الصاروخية في جنوب تركيا والتي تم إنشاؤها في ٢٠١٢، كي تغطي مساحة آمنة  داخل الأراضي السورية على طول الحدود ، مما سيسمح بخلق ملاذات يمكن للمعارضة السورية ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الإغاثية والسياسية أن تعمل إنطلاقاً منها. ويمكن كذلك للمعامل والشركات أن تستأنف أعمالها في تلك المناطق، بما يسمح لعجلة الإقتصاد بالدوران من جديد.
هذا أقل مسعى ممكن في الحالة الراهنة وإن كان هناك تفكير جدي بما هو أكثر من ذلك فالساحة مفتوحة لفعل ذي جدوى .
لقد كانت حرب الثلاثين عاما تجربة مكلفة إنتهت بتدميرمئات المدن ، وإبادة ثلث الشعب الألماني قبل أن يتعلم الجميع أن الأزمات المعقدة العابرة للحدود تحتاج حلولاً صعبة مستندة لمعطيات الواقع وموازين القوى، لا للأماني والأوهام.
ويمكننا أن نتعلم ولا نسمح بتجارب الشعوب أن تعيد نفسها على أرضنا ثانية فالتكاليف ستكون أكبر بكثير مما جرى ومما نتصور .

 

 

---------------------------------------

* يتضمن المقال اقتباسات من مادة  لـ غياث بلال   تحت عنوان:" الحل السياسي في سوريا بين الآمال والواقع"  نشرت في 1 آب 2014

علِّق