No votes yet
عدد القراءات: 5833

جورج سوروس والحرب ضد الغرب

الكاتب الأصلي: 
Ian Buruma
تاريخ النشر: 
3 نيسان (أبريل), 2017
اللغة الأصلية: 

 

 

مرة أخرى تواجه الأفكار الليبرالية والأممية والانفتاح على المهاجرين، نموذجاً يعلن العداء للأقليات الثقافية أو الدينية، ويمقت النخب العالمية.

 

في عام 1938، نشر أوريل كولناي الفيلسوف المجري المنفي ذو الجذور اليهودية، كتابه الأكثر شهرة، "الحرب ضد الغرب" وهو توثيق للأفكار الكامنة وراء النازية.

على ما يبدو أن كولناي كان قد قرأ كل الدراسات الحماسية القادمة من "أرض الأبطال"، والتي مجدت قيم التراب والدم والمطبوعة بطابع التضحية بالنفس.

هذه القيم المفتقدة في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية والبرجوازية المادية - في بلدان التجار (الغربية).

كانت ألمانيا النازية بالطبع هي أرض الأبطال، في حين مثّل الغرب كل من الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين أفسدهما المال اليهودي والكوسموبوليتية الكريهة. انتصر "الغرب" بالحرب في عام 1945، على الأقل في النصف الغربي من أوروبا؛ وفاز الاتحاد السوفياتي في شرق أوروبا. وبدلاً من معاقبة الأعداء السابقين، جعلوا منهم - بواسطة البرامج الثقافية والسياسية التي مولتها أمريكا بسخاء - أكثر شبهاً بمواطني الولايات المتحدة.

 

النظام الجديد بعد عام 1945

وفي الوقت نفسه، أنشأت الولايات المتحدة بمساعدة بريطانيا بعد عام 1945 نظاماً دولياً جديداً قائماً على التجارة الحرة، والمؤسسات الدولية، وعززت - نظرياً على الأقل - الديمقراطية الليبرالية.

ومع ذلك، فإن حرب الأفكار لم تنته بعد. توضع الآن مرة أخرى الأفكار الليبرالية والأممية والانفتاح على المهاجرين تحت مجهر النقد، فإنه ليس فقط الجماعات الهامشية تدعم علناً النازية (على الرغم من أن هذه الجماعات أصبحت في المقدمة)، بل قد ظهر مجدداً العداء الرسمي للأقليات الثقافية أو الدينية، والكره للنخب العالمية.

هناك اختبار جيد والذي يتيح التعرف على الاتجاه الذي يقف فيه الناس: وهو رأيهم حول المستثمر والناشط في الأعمال الدولية الخيرية "جورج سوروس". وهو تماماً مثل كولناي، يهودي ولد في المجر، وأمضى حياته في بريطانيا وأمريكا. قدم سوروس بعد انهيار الإمبراطورية السوفيتية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، قدم لأوروبا الغربية - تقريباً - مثلما قدمته لها السلطات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد تبرع سوروس بجزء كبير من ثروته لتعزيز القيم الديمقراطية الليبرالية في البلدان التي كانت تنتمي للشيوعية. من العديد من المستفيدين من هذا الكرم هو رئيس الوزراء الحالي للمجر فيكتور أوربان، الذي حصل على "منحة سوروس الدراسية" في جامعة أكسفورد.

 

تجسيد "الغرب"

لقد عضّ أوربان اليد التي أطعمته. ويعتبر "امبراطورية سوروس العابرة للحدود" تهديداً خبيثاً للهوية الوطنية المجرية. إن أوربان يريد من خلال إصلاح قانون الجامعات إغلاق جامعة أوروبا الوسطى الممولة من سوروس ( مقرها في بودابست). ووصف أوربان سوروس بـ "المفترس" الذي يستند على "طن من الأموال"، وكغيره من الحكام المستبدين السابقين المنتخبين والذين كانوا يدورون في فلك الاتحاد السوفيتي السابق، يؤيد أوربان بحماس "الديمقراطية غير الليبرالية"، وقال أوربان في ديسمبر/ كانون الأول "في أي بلد يوجد به سوروس، يراد طرده منه".

لقد أصاب أوربان فيما يخص بعض البلدان، فقد رأى رئيس حزب القانون والعدالة المحافظ الوطني الحاكم في بولندا، "ياروسلاف كاتشينسكي" أن المجموعات المدعومة من سوروس تسعى إلى خلق   "مجتمعات بلا هوية"، أما "ليفيو دراغنيا" رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم في رومانيا، فقد ذهب أبعد من ذلك، حيث قال إن سوروس هو "ممول الشر". في الواقع إن سوروس يمول في رومانيا قطاع التربية والمنح الدولية والمنظمات غير الحكومية المكرسة لحماية البيئة.

يمكن أن يعتبر سوروس تجسيداً لـ "الغرب" - وفقاً لتعريف كولناي -، ففي شخص سورس كل ما يزعج دعاة الوطنية المحلية والمناهضين للسامية: الثراء، العالمية، اليهودية، مدافع عن "المجتمع المفتوح" الليبرالي. "المجتمع المفتوح وأعداؤه": هو كتاب لكارل بوبر، وهو يهودي آخر ولد في عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية.

 

الخصم القوي

حين عرّض أعداء المجتمع المفتوح أوروبا للخطر في ثلاثينيات القرن الماضي، كان هناك على الأقل مضاد قوي متمثل بالمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. كان بإمكان ضحايا الاستبداد القاري الأوروبي أن يجدوا ملجأ في هذا "الغرب". وحتى أولئك الذين لم ينجحوا بذلك، فإنهم  يعرفون أن لندن وواشنطن خصمان قويان للفاشية والنازية، أما اليوم فنحن نعيش في عالم مختلف. فقد أدارت المملكة المتحدة ظهرها لأوروبا، لأنها رفضت أممية الاتحاد الأوروبي، وأصيب الناس هناك بسموم الساسة الذين يعتقدون أن الهجرة تهديداً وجودياً للهوية الوطنية.

أما في الولايات المتحدة فقد أصبح دونالد ترامب رئيساً، والذي اعتبره أوربان "هدية لهنغاريا". لا عجب من ذلك إذا عرفنا أن الحملة الانتخابية لترامب قد اعتبرت جورج سوروس متآمراً عالمياً مارقاً.

 

الأمل بأنجيلا ميركل

إن آراء ترامب حول الهجرة - "المغتصبون"، "الإرهابيون"، إلخ، الذين يتدفقون إلى البلاد - قد أعطت أعداء الغرب دفعة هائلة. إن مفردات نهجه - "أمريكا أولاً والتي تتألف من: الخوف من الإسلام، تأييده للتعذيب والاعتداءات على وسائل الإعلام الرئيسية - أصبحت لغة التيار المعادي  لليبرالية والمستبدين في جميع أنحاء العالم، من أجل تبرير إغلاق الحدود والقضاء على "أعداء الشعب".

في هذا المناخ السياسي، الذي ضمرت فيه القوى المضادة وتحولت إلى مجتمعات منغلقة، يواجه الغرب فعلاً تهديداً وجودياً، ولكن ليس من قبل المهاجرين، أو الإسلام أو المنظمات غير الحكومية التي يمولها سوروس، بل من الناس الذين طالما ادعوا بأنهم يريدون إنقاذ الغرب، مثل أوربان، مارين لوبان، خيرت فيلدرز، كاتشينسكي أو دونالد ترامب.

ومع ذلك، يبقى هناك أمل لأوروبا من شأنه أن يبهر كولناي، الذي نشر كتابه في العام الذي غزت فيه قوات هتلر كلاً من النمسا وتشيكوسلوفاكيا. صحيح أن المستشارة أنجيلا ميركل ارتكبت أخطاء جسيمة، لكنها رغم كل شيء تعتبر من أشد المدافعين عن الأفكار الديمقراطية الليبرالية في أوروبا. يمكننا أن نأمل فقط أن تظل ألمانيا "أرض الأبطال" - سابقاً - صامدة في الحرب الحديثة ضد الغرب.

 

ترجم المقال من الإنكليزية: هيلغا كلينجر غروير

 

------------------

الكاتب:

Ian Buruma: (مواليد 1951 في لاهاي) درس الأدب الصيني في لايدن ( هولندا ) والسينما اليابانية في طوكيو. أصبح في عام 2003 أستاذا للديمقراطية وحقوق الإنسان في كلية بارد في نيويورك، حصل على جائزة ايراسموس في عام 2008..

علِّق