عدد القراءات: 8023

تنظيمات كردية تصادر قضية شعب- القضية الكردية في سورية - 5

 

* يكتبها المحامي والناشط : حسين جلبي

 

في الجزء الخامس من الملف الذي ينشره السوري الجديد،  يتابع المحامي والناشط حسين جلبي الحديث في (القضية الكردية في سورية)، في هذا الجزء يستعرض جلبي تفاعل الأكراد مع الثورة السورية 2011، ومحاولة النظام السوري ارضاءهم والتقرب منهم، ثم عودة ظهور حزب الاتحاد الديمقراطي PYD و الانقسام الذي احدثه في بين العرب والكرد من جهة، وداخل المجتمع الكردي من جهة أخرى.

 

هل حصل الكُرد على حقوقهم الثقافية؟
حملت الأيام الأولى للثورة السورية، و التي تزامنت مع عيد النوروز مُفاجآتٍ إيجابية للكُرد السوريين لم تكن في الحسبان، إذ احتفلوا لأول مرة بعيدهم القومي، في ظلال علمهم القومي و على وقع النشيد الوطني الكُردي (أي رقيب)، و قد كان الإحتفال عاماً شمل جميع الأراضي السورية، و حضره المسؤولون السوريون في غياب لافت للأجهزة الأمنية، التي كانت في الأعوام السابقة تمعن في توتير الأجواء، فتحدّ بذلك من نسبة الحضور، و قد زاد على ذلك قيام الإعلام الرسمي السوري، من تلفزيون و وكالات أنباء و صحف محلية بنقل فقرات واسعة من الإحتفالات، حتى وصل الأمر بأحد المواقع الإلكترونية السورية إلى حد القول: (الأكراد يحصلون على حقوقهم الثقافية في نوروز!).

بعد ذلك بعامين تحدث رئيس النظام بشار الأسد في لقاء تلفزيوني عن حقوق الكُرد الثقافية، و عن أهمية اللغة الكُردية، و عن اعتزام الجامعات السورية إدخال اللغة الكُردية في مناهجها، و عن إقرار الدولة السورية ـ حسب تعبيره ـ موضوع اللغة الكُردية و الأدب الكُردي كمادة تدرس في كليات الآداب في سوريا، و هكذا أعلنت جامعة دمشق في منتصف أيار 2013 عن حاجتها للتعاقد مع مُدرسين للغة الكُردية بإعتبارها (لغة نادرة) حسبما جاء في إعلان التوظيف، و ذلك بعدما كانت تخضع، و حتى وقتٍ قريب للحظر، حيث كانت هناك ملصقات على حيطان الكثير من الدوائر الحكومية، و خاصةً دوائر السجل المدني، تذكر المراجعين بمنع التحدث بغير اللغة العربية. لكن الحظر على تعلم اللغة الكُردية، استمر رغم ما بدا انفتاحاً في المدارس الحكومية، حيث تم إغلاق ما قام منها بالتعليم بها، فبقي شأن اللغة الكُردية مجرد إعلان لتوظيف مدرسين كُرد، صدر عن أمين جامعة دمشق، و لم يتم توسيع الأمر، و لا ترجمته إعترافاً رسمياً بها في الدستور و القوانين السورية.

إهانة النظام من حيث لم يحتسب
كان من ضمن عمليات التجميل السريعة الأُخرى التي لجأ اليها النظام أيضاً، رداً على تفجر الثورة ضده هي قيامه بتوجيه دعوات عاجلة إلى وفود شعبية من مختلف المحافظات السورية لزيارة رئيسه، و الظهور معه على وسائل الإعلام، و ذلك للترويج للإصلاحات المزعومة التي يقوم بها، و محاولة اظهار الثورة السورية و كأنها مجرد مشاعر سلبية تجاه سوء الخدمات التي تقدمها البلديات. ضمن هذا الإطار، وجهت في بداية شهر نيسان 2011 دعوة لوفد شعبي من محافظة الحسكة لزيارة دمشق، لكن القيادات الحزبية الكُردية تراجعت عن قبول الدعوة بحجة أن الأجواء غير مهيأة للحوار، لدرجة أن طائرة الأسد الجاثمة في مطار القامشلي قد تأخرت لبعض الوقت عن الإقلاع إنتظاراً لأحد القادة الحزبيين الكُرد، و أملاً بإقناعه بالإنضمام إلى ركابها، والذين كان معظمهم من الشخصيات الإجتماعية و العشائرية و الدينية المقربة من النظام، لكن مفاوضات الربع ساعة الأخيرة معه فشلت، فأقلعت الطائرة من دونه، و قد كشف الحادث مدى عمق المأزق الذي يعاني منه النظام، و حجم الإهانة التي لحقت به، و هو الذي كان يستطيع عن طريق عنصر أمني صغير جمع ما يشاء من السوريين في المكان الذي يريد، و لا بد من الإشارة هنا إلى أن بنية الأحزاب الكُردية السورية، و الإرهاق الذي أصابها نتيجة الإنشقاقات المتتالية، و صراعاتها البينية الشكلية نتيجة إختلاف مرجعياتها إلى حد التناقض قد جعلها مترددة و عاجزة حتى فترة طويلة من بدء الثورة من النزول إلى الشارع لقيادة المظاهرات، حيث كان بعض قياداتها و منتسبيها يشاركون في الحراك الثوري بصفاتهم الشخصية، و حتى قرار القادة الكُرد بعدم الذهاب إلى دمشق لم يأتي من حسن تدبير من قبلها، حيث تذمر بعضها من جعل الحركة الحزبية جزءاً من وفد فعاليات عشائرية، كما كان المزاج العام في الشارع الكُردي ضد اللقاء مع رئيس النظام الملطخة أيديه بدماء السوريين، و كان هناك مناخ عالمي معادي للنظام، و كان موقع (ولاتي مه) الكُردي قد افتتح ملفاً حول موضوع اللقاء مع رئيس النظام، وجه فيه أسئلة لعشرات من الكتاب و المثقفين و الحقوقيين و السياسيين الكُرد، و كانت الإجابات متطابقة بشأنها، برفضها، و رفض الإنحياز إلى النظام على حساب دماء الشعب السوري، لا بل رفض تحييد الكُرد أو منعهم من الخروج للتظاهر في الشارع.

آخر خطوات النظام التصالحية نحو الكُرد
تابع النظام، ما بدى و كأنه سلسلة من المبادرات التصالحية تجاه الكُرد، فقام بإخلاء سبيل الكثير من سجناء الرأي الذين كان قد إعتقلهم في مناسباتٍ مختلفة، لدرجة كادت معها سجونه تخلو من الكُرد، و هو ما ذكّر المرء بقيامه بالإفراج عن الحزبيين منهم إبان صراعه المسلح مع الأخوان المسلمين بداية ثمانينات القرن الماضي، نتيجة حاجته إلى كل ركن من تلك السجون، و كان من بين المفرج عنهم نشطاء كثيرون كانوا طي النسيان، و منهم بعض من كان قد اعتقلهم قبل حوالي عامٍ في مدينة الرقة، و ذلك خلال نوروزٍ دامي سقط فيه ضحايا على أيدي قواته الأمنية، و الذين وجهت لهم تهماً كيدية خطيرة وقتها، كان من الممكن أن تكلفهم سنين طويلة خلف القضبان، و قد قام النظام في بداية حزيران 2011 بالإفراج عن رئيس تيار المستقبل مشعل التمو، و ذلك بعد قضائه لأكثر من ثلاث سنوات في المعتقل بعد تعرضه للإختطاف و الإخفاء من قبل قوات الأمن، كما أُفرج عن كلٍ من القيادي في حزب آزادي مصطفى جمعة، و قادة حزب يكيتي الكُردي، كلٍ من حسن صالح، محمد مصطفى و معروف ملا أحمد و آخرون.

توج النظام السوري سلسلة خطواته السريعة تجاه الكُرد بإصدار مرسوم جمهوري برقم  49 بتاريخ الثامن من نيسان، نص على منح الجنسية العربية السورية لأجانب محافظة الحسكة، و هم الكُرد الذين حرموا منها نتيجة الإحصاء الإستثنائي الذي جرى في المحافظة في عام 1962، و هو المرسوم الذي لم يكف الكُرد عن المطالبة بإلغائه و إزالة مفاعليه خلال عشرات السنين، و قد دخل الكثير من النشطاء إلى السجون على خلفية تلك المطالبات، منهم أعضاء في حزب يكيتي الكُردي، قاموا بتوزيع بيان سري يدعو لإلغائه في بداية تسعينيات القرن الماضي، إضافةً  إلى ذلك فقد كان موضوع الجنسية سبباً لقيام نشطاء كُرد بتنفيذ مظاهرات مستمرة أمام سفارات النظام السوري في أوربا، و بشكل خاص في مناسبة صدور المرسوم المذكور، و قد كان عملاء النظام يبثون في مناسبات مختلفة شائعات مفادها: (إن مرسوم منح الجنسية للكُرد موضوع على طاولة الرئيس و جاهز للتوقيع، و لكن إثارة بعضهم للمشاكل، كلما نوى الرئيس التوقيع، هو ما يؤخر العملية).

كما أصدر رئيس النظام بشار الأسد مرسوماً آخر برقم 41 بعد ذلك بعشرة أيام، عدل فيه مرسوماً سابقاً أصدره في عام 2004، كان قد وضع بموجبه حظراً شاملاً على التصرفات العقارية في المناطق الحدودية السورية، و من ضمنها المناطق الكُردية، التي أصابها الشلل الإقتصادي نتيجةً لذلك، و قد رفع المرسوم الجديد القيود السابقة عن تملك العقارات و إجراء التصرفات عليها. و هكذا، و مع صدور هذا المرسوم يكون النظام قد أفرغ ما بجعبته من مبادرات تصالحية كُردياً، و لكن عدم حصوله على المردود الذي توقعه، جعله يفكر في إعادة حساباته، و اللجوء إلى بدائل أُخرى، خاصةً أن تنفيذ إعتقالات مؤقتة و خاطفة كانت تأتي بمفعول عكسي، و تزيد من حالة غليان في الشارع الكُردي، تهدد بالصدام الشامل، خاصةً بعد أن لجأ ناشطون كُرد إلى التظاهر أمام مديرية منطقة القامشلي، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين.

ورقة حزب العمال الكُردستاني
تأسس حزب العمال الكُردستاني في بداية ثمانينات القرن الماضي في تركيا من قبل مجموعة من الشبان الكُرد و الأتراك المنتمين إلى اليسار التركي، و قد قالوا بأن هدفهم هو تحرير و توحيد كُردستان، و بسبب صعوبة العمل في تركيا، غادروها إلى سوريا التي كانت تشكل ممراً إعتيادياً لكُرد تركيا نحو أوربا، حيث كان الهاربون من ملاحقة الحكومات التركية المتعاقبة يقيمون لبعض الوقت في الأراضي السورية، لحين حصولهم على حق اللجوء في احدى الدول الأوربية، لكن النظام السوري كسر القاعدة بالنسبة لحزب العمال الكُردستاني، الذي كان يرفع شعار تحرير و توحيد كُردستان، إذ أمن لعناصره الإقامة الدائمة على الأراضي السورية، و سهل لهم عمليات تجنيد آلاف الشابات و الشبان الكُرد السوريين، و سلحهم و دربهم في معسكرات أقامها لهم، كما عاونهم على تحقيق إمبراطورية مالية بوسائل مختلفة منها فرض مبالغ مالية على الكُرد أنفسهم تحت بند (التبرعات)، هذا في الوقت الذي كان يقمع فيه الكُرد السوريين، و يسلبهم حقوقهم، و لا يسمح لهم حتى بالتحدث بلغتهم.


أمضى حزب العُمال سنين طويلة تحت رعاية الحكومة السورية أصبح خلالها قوةً يُحسب لها حساب، و كان يقوم بعمليات عسكرية في تركيا، تضرر منها كُردها و مناطقهم بشكلٍ كبير، كما لم يتورع الحزب عن شن الحروب الدموية على الكُرد في العراق، و كان يقاسم النظام السوري إنكاره وجود كُرد في سوريا، رغم أنهم كانوا وقوداً لحروبه الطويلة، إذ قال بأنه سيعمل على تهجيرهم إلى تركيا في المستقبل. لكن تركيا قامت، و بعد أن عجزت عن حسم المعركة مع حزب العمال الكُردستاني بتهديد سوريا بالإجتياح، فما كان من الأخيرة، بعد أن أدركت جدية التهديدات التركية إلا أن أبعدت زعيم الحزب السيد (أوجلان) من أراضيها في عام 1998، حيث سلم إلى تركيا بعد أن ألقي القبض عليه في وقتٍ لاحق في كينيا، و قد دخلت على أثر ذلك تركيا و سوريا، في تحالفٍ شرس على أشلاء الحزب الكُردستاني، و على أساس العداء المشترك للوجود الكُردي بشكلٍ عام، و وقعتا بهذا الشأن إتفاقية (أضنة) الأمنية، التي كانت فاتحة لإتفاقات أخرى تجارية و إقتصادية و سياسية، توجت الإنفتاح الكامل بين البلدين.

عودة حزب الاتحاد الديمقراطي إلى الظهور
بعد سنوات من تخبط حزب العمال الكُردستاني نتيجة فقدانه لزعيمه، الذي كان يدير كل صغيرة و كبيرة فيه، أُعلن في سوريا في العام 2003 عن تأسيس حزب الإتحاد الديمقراطي، و ذلك على أنقاض حزب العمال الكُردستاني و على أكتاف بقايا أعضائه، و على أساس برنامجه الذي تغير كثيراً، حيث أصبح يقتصر على المطالبة بما يسميه (الإدارة الذاتية الديمقراطية) بدلاً من توحيد و تحرير كُردستان، و رغم هذا الهدف الغامض، و الذي كان يبدو متواضعاً مقارنةً مع أهدافه العريضة السابقة، فقد تعرض هذا الحزب للتنكيل بتهم الإرهاب، و أُلقي القبض على الكثير من عناصره، و تم تسليم العشرات منهم على شكل وجبات للحكومة التركية، على مذبح الصداقة الجديدة السورية ـ التركية الناشئة.


بعد إنطلاقة الثورة السورية أعادت الكثير من الدول صياغة تحالفاتها، رفعت تركيا من نبرة صوتها ضد الحكومة السورية بسبب ما أعتبرته إرتفاعاً لمنسوب القمع الذي مارسته ضد شعبها، و عوامل أُخرى منها ما بدا تهاوناً سوريا في الملف الكُردي، و إنفتاحاً على كُردها، فما كان من النظام السوري إلا البحث بدوره في ملفاته القديمة، في محاولةٍ لإعادة إحياء الماضي الذي ظن الجميع بأنه قد إنتهى إلى الأبد، و هكذا فتح النظام الباب لعودة رئيس حزب الإتحاد الديمقراطي صالح مسلم، الذي كان لاجئاً في معاقل الحزب في جبال قنديل بإقليم كُردستان العراق منذ عام 2010، بعد ملاحقته من قبله، و قد أعلن مسلم بعد عودته مع عدد قليل من رفاقه إلى مدينة القامشلي، بأنه في حماية الشعب، و أخذ ينظم الندوات في ساحات المدن الكُردية التي يسيطر النظام عليها بقبضةٍ من حديد، و كان عدد من يحضر تلك الإجتماعات المفتوحة لا يتجاوز العشرات، منهم أعضاء في أحزاب كُردية أُخرى و مستقلون.

النظام يفتح صفحة جديدة مع حزب العمُال الكُردستاني
و هكذا قلب النظام صفحة علاقاته الأخيرة مع تركيا، و التي كانت تقوم تركياً على أساس سياسة (صفر مشاكل) مع الجيران، و حرق حزب العُمال الكُردستاني بدوره، من تاريخه القريب أوراق سنوات الملاحقة الدموية التي تعرض لها من قبل النظام السوري، خاصةً مسألة دور النظام في إبعاد زعيمه، و تهشيم حزبه، و الإستيلاء على ممتلكاته، و إعتقال و تعذيب أنصاره و تسليمهم إلى تركيا، فأسرع في الإنخراط في تنسيقٍ غير معلن مع النظام السوري، حاول إنصاره تسويقه بأنه في خدمة القضية الكُردية العامة من مبدأ (عدو عدوي صديقي)، و تبريره من جهة أُخرى بدواعي وقف تصعيد الأوضاع في المنطقة الكُردية، حتى لا تصل إلى مرحلة يعاقبها النظام، بمثل ما يعاقب به السوريين و مدنهم، و قد طرحت قيادة الحزب في قنديل هدفاً لها تطبيق شعاراً غامضاً هو (الإدارة الذاتية المجتمعية لغربي كُردستان)، و المقصود بها المناطق الكُردية في سوريا،  أما رسمياً فكان الإتحاد الديمقراطي يسوق نفسه بإعتباره الحزب ذاته، المعادي للنظام، و المتنبي لشعارات الثورة السورية الداعية إلى إسقاطه، و بناء سوريا حرة ديمقراطية تعددية.

البحث عن موطئ قدم بين المتظاهرين
أما على الأرض فكان حزب الإتحاد الديمقراطي ينفذ أجندة أُخرى مختلفة تماماً عن تلك التي يسير عليها بقية المتظاهرين عرباً و كُرداً، كان أنصار الحزب يقومون بإختيار اسماء للجُمع، غير تلك التي يتفق عليها الثوار في كل سوريا، و كانوا يرفعون صور زعيم حزب العُمال الكُردستاني أوجلان و يهتفون بحياته و يطالبون بإطلاق سراحه، كما كانوا يرفعون أعلام حزبهم الخاصة، و يقومون بإطلاق و رفع الشعارات المعادية لتركيا. لم يكف حزب الإتحاد الديمقراطي، وبإعتباره الفرع السوري لحزب العُمال الكُردستاني عن محاولاته في توجيه المتظاهرين، في المناطق الكُردية نحو تبني شعارات معادية لتركيا على حساب تجاهل النظام السوري و ما يرتكبه من قمعٍ في طول البلاد و عرضها، و عن فرض أجندته هذه على الجميع، و كأن الثورة السورية قامت ضد تركيا، و للمطالبة بإطلاق سراح زعيم الكُردستاني أوجلان، و عنما فشل الحزب في ذلك، كان أنصاره يهرعون إلى المظاهرات الحاشدة، ليندسوا فيها و يستولوا على مقدمتها، و ليرفعوا أعلامهم أمام كاميرات التصوير في محاولة للتغطية على قلة أعدادهم، من خلال محاولة إعطاء إنطباع كاذب بأن المتظاهرين كلهم هم من أنصار حزبهم، و عندما فشل الحزب في هذا المسعى الذي كان مثيراً للسخرية، راح ينظم مظاهراته الخاصة، و يسعى للتصادم مع الآخرين، و منها مظاهرات نفذها في غير أيام الجُمع.

 

المتظاهرون يتذمرون من سلوك حزب الإتحاد الديمقراطي
و هكذا بدأت تظهر الشكاوى من تصرفات أنصار حزب الإتحاد الديمقراطي، فقد أصدر شباب مدينة ديريك/المالكية الواقعة في أقصى شمالي شرقي سوريا بياناً يشرح ما جرى في مظاهرتهم التي تمت في 17 تموز 2011، و قد جاء في البيان:

(في نقطة الانطلاق انضم حوالي عشرة شبان من تنظيم الإتحاد الديمقراطي الى تجمعنا، يحملون أعلام حزبهم ذو الثلاث ألوان، وليس العلم الكُردي المعترف به كُردستانياً، وحاولوا رفع شعاراتهم مما استفز شبابنا، و قد حاولنا بالرجاء الاخوي ردعهم من ذلك للحفاظ على الأخوة وعدم التشاجر و الحرص على استمرار المظاهرة، لأننا حركة شبابية مستقلة لنا شعاراتنا ولافتاتنا، و لا نقبل بأي لافتة أو شعار من أي جهة كانت، لا تحمل رمزنا الخاص. وبالرغم من كل المحاولات لم يستجيبوا لرجائنا و أصبحوا يتلاسنون بعبارات غير مقبولة، محاولين استفزازنا، ما اضطرنا و بكل أسف إلى تفريق جموعنا الغفيرة، و ذلك منعاً من حدوث شجار أخوي، و هو ما يتمناه النظام الأمني)، إلى أن يصل البيان إلى حد القول: (ونحمل قيادة حزب الاتحاد الديموقراطي مسؤولية ذلك، فهذه التصرفات  تحول دون تلاحم صفوفنا بل تفككها وتضعفها وتخدم أعدائنا).

كما أصدرت جهة تسمى (لجنة السلم الأهلي في عامودا) توضيحاً، يشرح ملابسات ما جرى بعد ذلك بأسبوع في المدينة، فبعد أن اتفق الجميع، بما فيهم حزب الإتحاد الديمقراطي على الالتزام باسم الجمعة، و توحيد الشعارات و الأعلام، ذكرت اللجنة في توضيحها بأنها فوجئت في موعد المظاهرة (بوجود علم كبير يرفعه حزب الإتحاد الديمقراطي في المناسبات الحزبية، ولافتة باسم جمعة آلا رنكين/ الراية الملونة، الأمر الذي رفضه الشباب وأعضاء اللجنة، الذين رفضوا إخراج المظاهرات عن سياقها الوطني وعزلها عن امتدادها السوري، وحدثت بعض المشادات وللأسبوع الثاني على التوالي، الأمر الذي أثر سلباً على زخم المظاهرة، ولولا قرار تغيير سير التظاهرة لكانت حدثت أمور لا تحمد عقباها، مع العلم إن أنصارحزب الـ به يه ده/الاتحاد الديمقراطي حاولوا أكثر من مرة اختراق التظاهرة، ولكنهم لم ينجحوا في فرض أرادتهم على المظاهرة التي انتهت سلمية)، و قد حملت اللجنة بدورها في نهاية توضيحها أنصار حزب اتحاد الديمقراطي مسؤولية ما حدث، و توتير الأجواء في عامودا.

كُرد يقمعون كرداً
إنتقل حزب الإتحاد الديمقراطي إلى مرحلة أكثر تقدماً في تحالفه مع النظام السوري في مواجهة الحراك الشعبي في المناطق الكُردية السورية، و قد جرت أحداث حملت بصمات حزب العمال الكُردستاني، و شبيهة بتلك التي كان ينفذها بحق الكُرد الذين لا يتفقون مع سياساته، قبل إخراج زعيمه من سوريا، فقد جرت عمليات تهديد للناشطين الكُرد لمنعهم من الخروج للتظاهر، و سجلت حوادث إعتداء بالضرب المُبرح على بعضهم، منها تلك التي تمت في بلدة سريه كانيه/رأس العين، عندما تم إستدراج الناشط محمود والي أبو جاندي في ليلة الثامن من آب 2011 إلى كمينٍ من قبل أحد جيرانه، و هو من أنصار حزب الإتحاد الديمقراطي، حيث اتصل الأخير بأبو جاندي داعياً إياه للقائه في بيته لأمر يخص الحراك الجماهيري، و قد ذهب أبو جاندي مع ضيفه الناشط الآخر محمد يوسف برو إلى الموعد ليتم إختطافهما من هناك تحت تهديد السلاح من قبل مجموعة مكونة من عدة أشخاص، حيث تم أخذهم إلى خارج المدينة و جرى الإعتداء عليهما هناك بالضرب بالإيدي و العصي و الكابلات، في الوقت الذي كانت الأسلحة مصوبة بإتجاههما، و قد تركا هناك طوال الليل في حالةٍ مزرية، يعانيان من الآلام المبرحة نتيجة ما أصابهما من جروح، حيث عثر عليهما سكان إحدى القرى و قاموا بإسعافهما إلى المشفى الوطني. يُشار هنا الى أنهُ جرى اغتيال أبو جاندي فيما بعد، في عمليةٍ أُشيرت فيها اصابع الاتهام الى الحزب نفسه.

بدأت الأصوات ترتفع في المناطق الكُردية نتيجة السلوك العنيف لحزب الإتحاد الديمقراطي تجاه الكُرد، فقد أصدرت تنسيقية كوباني بياناً في منتصف أيلول 2011 تتحدث فيه عن تعرض (أحد الشبان من مدينة كوباني الى الضرب الشديد من قبل شبيحة النظام المأجورين والمرتزقة المحليين الذين ينفذون خطط النظام البشعة لضرب السلم الأهالي في مدينتنا)، كما وصل الأمر بالحزب إلى الإعتداء بالضرب المبرح، بإستعمال السكاكين و القضبان الحديدية على المتظاهرين في مدينة عفرين في فترةٍ لاحقة، في حين كانت قوات النظام تقف خلال ذلك متأهبة، تراقب سير الأحداث عن كثب دون أن تتدخل، و قد خلفت ملاحقة أنصار الحزب للمتظاهرين عشرات الجرحى الذين تم إسعافهم للمشفى، و قد لاحقهم المعتدون هناك أيضاً فما كان من الناشطون إلا مغادرتها جماعات من الباب الخلفي، و لم ينتهي الأمر عند هذا الحد، فقد إستمرت مطاردتهم حتى في بيوتهم ضرباً و إعتقالاً.

و هكذا بدأ النظام يختفي عن الأحياء الكُردية و أزقتها الهامشية، مقابل ظهور حزب الإتحاد الديمقراطي فيها، و قد بدا الأمر في البداية، و كأن النظام يأخذ بأيدي الحزب، و يدربه على الحلول مكانه في ضبط الإيقاع هناك، و كان المظهر الأوضح لذلك، هو حواجز أقامها ملثمون من أنصار الحزب على مداخل المدن و البلدات الكُردية و حاراتها، و ذلك على بعد أمتار من حواجز النظام، و قد راح هؤلاء الملثمون يسألون الكُرد عن هوياتهم الشخصية و يقومون بتفتيشهم و سط إستغراب الجميع، في حين بدأ النظام بدوره بالإنقلاب على السياسة المرنة التي كان قد اتبعها تجاه الحراك الثوري الكُردي، خلال الأسابيع الأولى من الثورة السورية.

التعليقات

الكاتب لم يذكر للاسف الشعارات التي رفعها باقي الاكراد، يعني هل نستطيع القول بان باقي الاحزاب الكردية افضل حالاً من حزب الاتحاد الديمقراطي؟ كل تلك الاحزاب ركبت على ظهر الثورة، وشعارات الاخوة الاكراد في ظل حراك الشباب المستقل كانت متناسبة مع الثورة، عندما دخلت الاحزاب الكردية الاخرى اصبحت شعاراتها قومية ، واعلامها قومية ، وحتى تسمية الجمعة اصبحت قومية ومختلفة عن باقي المحافظات. النظام نجح في تشجيع الاكراد على الاستمرار بشعاراتهم ، خاصة وانه لم يتعرض لهم ، إلى غاية تشويههم في عيون السوريين ، ثم اطلق عليهم شبيحته من الاكراد انفسهم ، اقصد حزب صالح مسلم . لذلك ربما كان الاجدر الاشارة لجميع الاحزاب الكردية التي شوهت صورة الاكراد عبر خروجها عن سياق الثورة ومحاولة استغلالها.

علِّق