عدد القراءات: 9139

تطبيق الشريعة بين الاختيار والإجبار

يتنازع الفكر الإسلامي تياران متنافران حول مسألة تطبيق الشريعة:

-لا يتم تحكيم الشريعة إلا باختيار الناس  و رضاهم

- تحكيمها  بإكراههم وإجبارهم دون أدنى مراعاة أو اعتبار لخياراتهم.

 

يؤسس كل من التيارين موقفه على عدد من الحجج والمؤيدات :

- فأنصار التيار الذي يلحظ حرية الناس في هذه المسألة يرون أن الشريعة تبدأ إيمانا يستقر في القلب ثم ينعكس في الواقع عملا والتزاما. فالإيمان هو الجذر أو المرتكز الذي ينطلق منه السلوك وتتأسس عليه الشريعة ، وما لم يستقر هذا الإيمان في القلب ، فليس لنا أن نتصور  أي انعكاس حقيقي وجوهري له من سلوك أو التزام .وأن الإكراه لن ينتج إلا التزاما شكليا خاليا من المعنى ومن الروح ومترعا في الوقت نفسه بالنفاق والانحراف . ولهذا رفض الإسلام الإكراه في الدين {لا إكراه في الدين }/ البقرة 256 {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } يونس 99 {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر }/ الغاشية 21-22 إلى آخر الآيات المباشرة وغير المباشرة في هذا الخصوص . ناهيك عن أن الشريعة – حتى بالمعنى القانوني = حدود وعقوبات – لن تختلف في حالة الإكراه عن أي قانون وضعي تفرضه سلطة جائرة . فـ (الدين الحق والتطبيق الحق للدين وشريعته إنما هو أساسا ما جاء عن اقتناع وترغيب ، وطواعية ورضى ، وما سوى ذلك فهي ضرورات تقدر بقدرها ، وآخر الدواء الكي .) أحمد الريسوني – الفكر الاسلامي وقضايانا السياسية المعاصرة ص 108

و( الدين الذي يطبق بدون ضغط ولا إكراه ، هو الدين الحقيقي المقبول عند الله تعالى ، وأما ما سواه ، فإنما هو تنظيم دنيوي وتدبير سلطوي . وما يطبق رغبة وطواعية ، يكون أجود وأدوم ، بخلاف التطبيق بالقوة والسلطة ، فإنه يكون رديئا سطحيا ، ينحسر وينقلب عند كل فرصة لذلك . والتطبيق الذي يكون بمبادرة ذاتية من الأفراد أو بحركية المجتمع نفسه ، يعطي من السمو والارتقاء في وعي المجتمع وفاعليته  ، مالا سبيل إليه بدونه  ) الريسوني – المصدر نفسه ص 109

- أما أنصار التيار المقابل الذي يرفض أن يكون لإرادة الناس وخيارهم أي اعتبار في موضوع تطبيق الشريعة فيقيمون موقفهم على آيات قرآنية من مثل قوله تعالى :( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) / الأحزاب 36 وقوله تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم  حرجا مما قضيت  ويسلموا تسليما )/ النساء 65 وغيرها من الآيات ، فهذه الآيات تنفي بحسب الظاهر عن الناس حرية أن يختاروا الشريعة كنظام حياتي ، وتنفي كذلك الإيمان عمن يحكِّمون غير الشريعة ، فقضية تطبيق الشريعة قضية إيمانية ولا يمكن أن يجتمع إيمان مع إحجام عن الالتزام بها . ولذلك فإن مجرد التفكير في عرض مسألة تطبيق الشريعة للاستفتاء الشعبي يعتبره أنصار  هذا التيار أمرا منكرا ، كونه يعني ضمنا السماح بحرية الكفر .

وبالطبع فإن أنصار التيار الأول ( تيار الحرية )  ليس لديهم اعتراض على أن  أمر تطبيق الشريعة قضية إيمانية يترتب على إنكار وجوبها الوقوع في الكفر ، غير أن النقطة الأهم التي يختلفون فيها عن أنصار التيار الثاني هي أنهم لا يرون الإلزام السلطوي بها ، بل لأنها قضية إيمانية بالذات ، يرون أن  فرْضها هو من حق الله وحده ،فهو الذي فرَضها وهو الذي يتولى عقاب من يتنكر لها ، وليس لأحد من البشر أن يلزم أحدا بها ،لأنه بذلك يكون مفتئتا على حقوق الله ومعتديا على  خلقه.
جوهر الخلاف بين الفريقين كما يظهر هو أن أنصار التيار الثاني يخلطون بين الإلزام الديني والإلزام السلطوي ،ويجعلونهما شيئا واحدا ،  فيقررون أن كل ما يوجبه الدين واجب على السلطة أن تلزم به الناس الخاضعين لسلطتها إن لم يلتزموه طواعية .بل يذهبون أبعد من ذلك فيجعلون من واجب المسلمين الوصول إلى السلطة سلما أو جهادا بهدف أول وهو فرض الشريعة .
ولا شك أن الآيات القرآنية التي يعتمد عليها أنصار الفريق الثاني توجب على المؤمنين اتباع الشريعة ، غير أنها في الوقت ذاته ، لا تتضمن أي تفويض للسلطة بأن تمارس أي إكراه في سبيل إجبار الناس على اتباعها ،كذلك لا تتضمن أية عقوبة دنيوية تترتب على عدم الالتزام بها ، الأمر الذي يعني ضمنا أن الإلزام بها حق حصري لله تعالى ، وليس لأحد من خلقه ، فردا أم جماعة أم حكومة ، أن ينوب منابه .  وبذلك ينتفي التعارض الذي قد يظهر للوهلة الأولى ، بين  الآيات التي يبني عليها أنصار التيار الأول رؤيتهم وعلى رأسها آية ( لا إكراه في الدين ) وبين الآيات التي يبني عليها أنصار الفريق الثاني رؤيتهم . فالإلزام بالشريعة هو إلزام رباني، والعقوبة على التنكر لها هي عقوبة أخروية لا دنيوية .
والأمر الوحيد الذي يمكن أن يحوِّل الإلزام بالشريعة  من ديني أخروي  إلى  سلطوي دنيوي، ويصبح بالتالي من حق السلطة الشرعية أن تجبر الناس على الالتزام بها،  وهو أن يختارها الناس كقانون، ففي هذه الحالة يصبح الإلتزام بها أمرا واجبا دنيويا ، ويترتب على مخالفتها العقوبة المقررة فيها، فالناس في هذه الحالة يصبحون ملزمين بها سواء كان اختيارهم لها من باب الالتزام الديني أم من باب الالتزام المصلحي الدنيوي البحت، بل حتى لو لم يكونوا مسلمين . ولكن مصدر  الإجبار على الالتزام بها في  هذه الحالة ليس الشريعة نفسها ،وإنما مصدره قوة القانون أو سلطة القانون، فهو إلزام سلطوي ، يستمد شرعيته من العقد الاجتماعي الذي اختار الناس بموجبه الخضوع لأحكام الشريعة .

يمكن أن يرى البعض أن هذا الفهم يتقارب مع الطرح العلماني، غير أن ثمة فرق جوهر ، وهو أن العلمانية تعارض بالمطلق أن تكون الشريعة مصدرا للتشريع، في حين أن هذا الفهم يترك الأمر لخيار الناس، هو لا يرفض الشريعة بل يحفز على تطبيقها ، وإنما كاختيار حرٍّ  من الناس وليس إكراها أو إجبارا، منطلقا من أن الدين إنما أُنزل لخدمة الإنسان وسعادته (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى )  وتحريره  لا استعباده (فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ... والاعتراف به لا إلغاؤه ( كل نفس بما كسبت رهينة ) (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ....و الرفع من شأنه واعتباره لا الحط من قدره واستحقاره (ولقد كرمنا بني آدم )... وبالمجمل لإحيائه لا لإماتته (ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) فهذا الحثُّ على الاستجابة هو من أوضح الأدلة على  الحرية في الالتزام أو عدم الالتزام . 

فكل ما يستعبد الإنسان ، وكل ما يبدد كرامة الإنسان، وكل ما يحقر من قيمة الإنسان هو ضدٌّ مع الشريعة ، وإن رفع راياتها وزعم أنه الحارس لشعاراتها المقيم لشعائرها .

 

علِّق