تصريحات محرّفة عن روسيا بأنها تسعى لإنشاء فيدرالية في سورية

 

 

لا مصلحة لها بتقسيم سوريا ولا يبدو أنها متمسكة بسوريا فيدرالية
روسيا تسعى لدعم إقامة "كردستان سوري" بحكم ذاتي وصلاحيات اقتصادية واسعة ولكن ليس ضمن إطار فيدرالية

 

موسكو- السوري الجديد -  طه عبد الواحد


ما زالت تصريحات سيرغي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي حول دولة فيدرالية في سوريا تشغل حيزاً كبيراً من اهتمام مختلف الأوساط السياسية والإعلامية، و التي رأى الجزء الأكبر منها في هذا الكلام نوايا روسية، أو رغبة،  ببناء دولية فيدرالية في سوريا مستقبلاً.
وكان لافتاً أن وسائل الإعلام نقلت كلام  نائب وزير الخارجية الروسي ريابكوف محرّفاً، لاسيما عندما نقلت كلامه وفق الصيغة التالية "تأمل روسيا ببناء دولة فيدرالية في سورية مستقبلا"، أو صيغة أخرى "ندعو إلى بناء دولية فيدرالية في سوريا". إلا أن ما قاله لم يكن وفق هذه الصيغة بالمطلق.
قبل كل شيء أود الإشارة إلى أن المقال بين أيديكم يشكل محاولة متواضعة لتوضيح ما قاله ريابكوف وقراءة الموقف الروسي من مسالة "دولة فيدرالية" في سوريا، و لا يهدف بالمطلق إلى الدفاع عن روسيا الشريكة إلى جانب نظام الأسد في استمرار النزيف السوري، وقتل السوريين تحت غطاء "الإرهاب"، بل يهدف إلى رسم معالم المشهد السياسي اليوم كما هي، بما يساعد المهتم والمتتبع بوضع استنتاجات أكثر دقة حول الغد وما يمكن أن نتوقعه كسوريين من القوى الدولية التي تتلاعب بمأساتنا سعياً لتحقيق مصالحها الذاتية الأنانية.

 

ما الذي قاله ريابكوف وكيف يمكن تفسير كلامه؟
الإنطلاق في قراءة النوايا الروسية بشأن مستقبل سوريا يتطلب بداية عرض لما قاله ريابكوف والأجواء التي تحدث فيها عن البنية الفيدرالية للدولة السورية مستقبلاً.
جرى هذا خلال مؤتمر صحفي دعته إليه وكالة "ريا نوفوستي"، وبادرت مديرة الجلسة إلى الإعلان بأن نائب وزير الخارجية على عجل من أمره، لذلك "لن يتحدث بل سيجيب مباشرة على اسئلة الصحفيين".
في هذا الإطار وجه إليه صحفي روسي في الدقيقة الثانية عشر سؤالاً حول سوريا. اسم الصحفي ألكسندر سكفارتسوف ويعمل في صحيفة "تجارية"، أي توزع مجاناً وتعتمد في ريعها على الإعلانات التي تحتل المساحات الرئيسية من صفحاتها، وكان السؤال على النحول التالي: " كيف تقيمون فرص تأسيس دولة فيدرالية في سوريا، وما مدى خطورة تكرار سيناريو كوسفو في سوريا؟". أما إجابة ريابكوف حرفياً فجاءت كما يلي:
ريابكوف: لا أستطيع تقييم فرص إقامة دولة فيدرالية في سوريا، لأن العملية التي يجب أن تؤدي إلى تحديد معايير سوريا المستقبلية لم تبدأ بعد. وفي حال تم التوصل إلى اتفاق نتيجة المحادثات والمشاورات حول بنية سوريا المستقبلية بين المشاركين في المفاوضات، التي نأمل أن يعلن المبعوث الدولي عن استئنافها قريباً، وبحال توصل المشاركون في المفاوضات إلى إجماع حول وجهة نظر  بأن هذه الصيغة (يقصد الفيدرالية) مناسبة وتضمن مهام الحفاظ على سوريا دولة مستقلة موحدة مدنية وذات سيادة فمن سعترض على ذلك حينها؟ وفي حال اختاروا صيغة أخرى فلا مشكلة بالنسبة لنا، على أن لا تكون تلك الصيغة قد وُضعت تحت إملاءات في مكان ما خارج الحدود (بإملاءات خارجية)، بل أن تكون قد وُضعت عبر المفاوضات المباشرة والبحث عن حلول وسط وحل المشاكل الحقيقة الكثيرة التي تواجهها سوريا".  هذا ما قاله ريابكوف حرفياً، وتمت ترجمة السؤال والإجابة بحرفية ودقة، بعد استماع لوقائع المؤتمر الصحفي.
بالنسبة لما أرادته روسيا من إطلاق تصريحات كهذه هناك احتمالان يتقاسمان مناصفة إمكانية واقعية كل منهما.
  الأول: من غير المستبعد أن يكون السؤال "حسب الطلب"، أي تم الترتيب له، لأن الخارجية الروسية أرادت جسّ نبض السوريين بشأن إقامة "دولة فيدرالية" في سوريا، وقبل المجاهرة بهذا الاقتراح ارتأوا التلميح للفكرة ومتابعة ردود الأفعال، وبناء عليه يقررون خطوتهم التالية.
أما الثاني: فلا يمكن استبعاد أن يكون السؤال عفوياً وجاء في السياق الطبيعي، وإجابة ريابكوف عليه جاءت في سياق ما تكرره موسكو دوماً بأن مستقبل الدولة السورية ونظام حكمها شأن يخص السوريين.
وكما هو واضح في كلام المسؤول الروسي، هو لم يعبّر عن أمل روسيا بدولة فيدرالية في سوريا ولم يدعُ الى بناء دولة فيدرالية في سوريا، بل أحال موافقة موسكو على شكل الدولة السورية مستقبلاً إلى ما يتفق عليه السوريون، لافتاً إلى أن موسكو ، كما والأطراف الأخرى، لن ترفض بحال توصل أطراف المفاوضات في التسوية السياسية للأزمة السورية إلى اجماع حول بناء دولة فيدرالية. وزاد عن ذلك بأن أكد موافقة روسيا على اي شكل للدولة السورية مستقبلا بشرط أن يكون هذا خيار السوريين.

 

لماذا قد تريد روسيا "فيدرالية" في سوريا؟
من غير المستبعد أن صنّاع القرار في موسكو قد استعرضوا مختلف الاحتمالات الممكنة لمستقبل سوريا بما يتناسب مع المصالح الروسية أولاً، وثانياً بما يلبي تطلعات بعض الأطراف التي تحظى بدعم غير محدود من موسكو أي ذلك الجزء من الأكراد الذين يمثلهم صالح مسلم.
في هذا السياق سيوافق أي مطلع على السياسة الروسية -والمخاوف التي تحركها- بأن الروس آخر طرف قد يكون لديه مصلحة في تقسيم سوريا إلى دويلات على أسس طائفية أو عرقية. ذلك أن الروس يدركون أكثر من غيرهم أن هذا يعني بناء كيانات صغيرة ستدخل في حالة حروب طويلة، ما يعني خلق بؤر توتر على تلك الجغرافيا التي لا تبعد كثيراً عن الأراضي الروسية، ناهيك بأن بؤرة التوتر هذه ستتحول إلى مركز تجمع لمختلف أشكال الإرهاب، والذي سيجد من وضع كهذا نقطة انطلاق جيدة لمقارعة روسيا، وهذا ما لا يريده الروس، الذين يحاولون احتواء كل بؤر التوتر في محيطهم الجغرافي، مثل النزاعات في ناغورني قره باخ بين أرمينيا وأذربيجان، والنزاع في إقليم بريدنيسرتوفيا بين السلطات الملدافية وابناء الإقليم الذي يطالب بالانفصال عن مولدافيا، وغيرهما.

من جانب آخر لا يبدو تقسيم سوريا مناسباً للمصالح الاقتصادية الروسية التي ترى في الأراضي السورية معبراً مناسباً لشبكات فوق قومية، تكون لروسيا فيه حصة مسيطرة، تقوم بنقل النفط والغاز إلى دول الشرق الأوسط وإلى أوربا والعالم ككل.
هذا الأمر يفرض على روسيا التمسك بوحدة الأراضي السورية. أما الأمر الأهم فهو أن سوريا مقسمة ستشكل تهديداً بصورة متزايدة لأمن إسرائيل، وليس بخافٍ على أحد أن موسكو قد ولجت الأزمة السورية، بما في ذلك عبر بوابة الرغبة بالإمساك بورقة مؤثرة جداً على أمن إسرائيل، لتفرض عبرها طابع معين للعلاقات مع الولايات المتحدة. وقد برزت ثمار هذا التوجه الروسي على أرض الواقع من خلال تعاون روسي -إسرائيلي في سورية تجسد  في أحد تجلياته  بتغاضي القوات الجوية الروسية عن الغارات المتكررة التي شنتها المقاتلات الإسرائيلية على مواقع في سوريا غالبيتها في ريف العاصمة السورية ليس ببعيد عن قصر الأسد، وربما يكون سعي روسيا للتخفيف من نفوذ إيران على الأراضي السورية أحد نتائجه أيضاً.
أما بالنسبة لبناء دولية فيدرالية في سوريا فمن الواضح أن مثل هذه الخطوة لن تكون منطقية أو سهلة في ظل الظروف الحالية، وسيشكل السعي لبناء فيدرالية خلال المفاوضات بين المعارضة والنظام مشكلة جدية جديدة ستؤدي إلى تعزيز مفهوم التقسيم.
من جانب آخر يشكل الحديث عن الفيدرالية نسفاً لأسس العملية السياسية إجمالاً، لأن كل القرارات الدولية ذات الصلة بالتسوية السورية تتحدث عن تشكيل حكومة انتقالية مع التمسك بوحدة سوريا أرضاً وشعباً. لذلك قد لا تكون روسيا مهتمة حاليا حتى بهذه الفكرة.

 

لكن ما الذي قد تريده روسيا؟
سؤال منطقي يفرض نفسه. بالنظر إلى إصرار موسكو على الزجّ بمن تزعم أنهم فصيل معارض، ممثلا بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بزعامه صالح مسلم، ومدعوماً من "المعارض" هيثم مناع، قد تحاول روسيا الحصول للأكراد على صفة منطقة حكم ذاتي بصلاحيات معينة. إلا أن هذا الخيار لا يلبي المصالح والمطالب الوطنية السورية لأنه يخفي في طياته سعياً لوضع منطقة غنية بالثروة النفطية فضلا عن الثروتين المائية والزراعية، تحت تحكم فئة محددة، الأمر الذي يعني ضربة للمصالح الاقتصادية الوطنية، وهو أمر لن يقبل به السوريون.
وتجدر الإشارة إلى أن الأكراد، وتحديداً "قوات سوريا الديمقراطية" أستحوذت على حصة كبيرة من اجمالي انتاج النفط في سوريا بعد توسعها شرقاً، وسيطرتها  مؤخراً على مدينة الشدادي وحقول الغاز والنفط قربها.
وتشير تقديرات إلى أن وجود الأكراد في تلك المناطق سيرفع قدرة انتاجهم النفطية حتى 20 ألف برميل يومياً، وانه لن تواجههم صعوبات في بيعها عبر علاقاتهم مع النظام السوري.
حول هذا الموضوع قالت صحيفة السفير إن "القوات الكردية تسيطر أيضاً على حقل الرميلان، الذي ينتج حوالي 35 ألف برميل نفط يومياً، يتم تكرير ثلثها للاستخدام المحلي ويُباع القسم الآخر. ويضمّ الرميلان 1322 حقلاً نفطياً، بعضها ذاتي الدفع، يُضاف إليها 25 بئر غاز في منطقة السويدية.
ووفقاً لمصادر إعلامية كردية تنتج شركة «توزيع محروقات الجزيرة»، وهي المرادف المحلي الكردي لشركة «سادكوب» الحكومية، حوالي 400 ألف ليتر مازوت يومياً، و 150 ألف ليتر بنزين يتمّ تكريرها في مصافٍ كهربائية استوردت لهذا الغرض. أما معمل الغاز في الشدادي فيستطيع إنتاج نحو مليون ونصف المليون متر مكعب من الغاز يومياً.


كل تلك المعطيات الاقتصادية ربما تكشف جانباً مما يفكر به الروس وقد يسعون للدفع نحوه، لاسيما وأن تمكين الأكراد من امتلاك العنصر الاقتصادي، قد يكون خطوة أولى نحو "منطقة حكم ذاتي للأكراد" يتم تأسيسها تحت غطاء "حماية الحقوق الثقافية للأقليات" وفي مضمونها تهدف إلى نقل السيطرة على الثروات السورية لتركيزها بيد منطقة محددة، ما سيساهم مع الشركات الروسية في الحصول على حصة كبيرة من أعمال التنقيب والانتاج في تلك المناطق، تماما مثلما تفعل حاليا في "كردستان العراق".

علِّق