عدد القراءات: 3645

تسليط أشعة الحرمان على المضيء من تراث الإسلام.. عند المسلمين

آخرُ الوارد في العنوان أعلاهُ مقصودٌ، وبقوة. حتى لايذهب الفهم إلى أن من يُسلطون أشعة الحرمان هم (أعداء الدين) و (المغرضون).. على العكس تماماً. لايوجد ممن يُعتِّمُ على مافي تراث الإسلام من معانٍ تُحق مقاصده الأصيلة أكثر من المسلمين أنفسهم. وفي المقدمة منهم الغالبية الكاسحة ممن يُسمون أنفسهم (علماء)..
ثمة ثقافةٌ تشكلت في فهم الإسلام وتطبيقه أقل ما يقال فيها أنها (غريبة).

في هذه الثقافة يشيع الإصرارُ على انتقائيةٍ لاتريد للإسلام أن يتحول إلى قوةٍ تحريريةٍ إنسانيةٍ حقيقيةٍ كبرى، ولاتنفك من أسرِ فهمٍ تقليدي يحاول، ولو بحسن نية، تحويله لشريعة إصرٍ وأغلال، فتتعطلَ، بالتالي قدرته على تحقيق النفع للناس ليستحق المُكث في الأرض.
لامجال في هذه العجالة للتفصيل في الموضوع بشكلٍ بحثي، وإنما المقصودُ فتحُ الملف بمناسبة رمضان وعيد الفطر، وما يصاحب قدومهما من أحكام متنوعة، خاصةً في قضايا الإنفاق المالي. هذا الإنفاق يهدف في الإسلام الأصيل إلى تحقيق مقاصد هامة، منها العدالة في توزيع الثروة، ومحاربة مشاعر الشح والبخل والأثَرة ذات الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية على المجتمعات، وقضاء حاجات الناس وفق ظروف زمانهم ومكانهم.
هنا، نقف عند هذا المقصد الأخير في هذا المقال لنرى كيف يَعمﱡ فَهمٌ للإسلام يعتقد، واهماً، أنه يُحقق أقصى درجات الالتزام، في حين أنه يصيب عملية تحقيق المقصد المذكور في مقتلٍ أكيد.
الأمثلة كثيرة، لكن مايناسب المقام منها هنا مثالُ الإصرار على توزيع (زكاة الفطر) بشكلٍ عيني (رز أو شعير)، وعلى أن يكون هذا حصراً في المكان الذي يقيم فيه الإنسان.
تجاوزت شرائح من المسلمين هذا الأمر بالتأكيد، لكن أعداداً أكثر مما نتوقع لاتزال تُصرُ على ذلك الأمر، وتعملُ به. ويحصل هذا بناءً على قول ثلاثة من المذاهب الأربعة (المُعتمدة) و(المُكرسة) في مجتمعاتنا وثقافتنا بقوة (تاريخ) سنفهم حيثياته بعد قليل.. ولنا أن نتصور ماينتج عن تنزيل هذا (الحكم) مثلاً على الموضوع السوري بخصوصياته الكثيرة والمُعقدة. بمعنى أن مئات الآلاف من السوريين في المهاجر، من القادرين على إخراج تلك الزكاة، سيشترون كيلوغرامين من الرز، أو أقل أو أكثر بقليل، ويقومون بتوزيعها على (المحتاجين) في السعودية والإمارات وقطر وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا!
حصلَ هذا وسيحصل، رغم كل الإنكار الذي نسمعه وسنسمعه.
لن ندخل في تفاصيل المثال هنا أكثر، وإنما نعود لأصل الموضوع المتعلق بإهالة التراب على المضيء في تراثنا مما يتعلق بهذا المثال.
تنبعُ هذه المشكلة، وغيرُها كثير، من (تقديس) المذاهب الأربعة لدى الغالبية العظمى من المسلمين، فهل هذا الأمر صائبٌ وصحيح؟ تعالوا نفهم الظاهرة، ولندع الكلام لعلماء معروفين.
قال المقريزي في "المواعظ والاعتبار" (خطط المقريزي) "فلما كانت سلطنة الظاهر بيبرس البندقداري، ولَّى بمصر أربعة قضاة، وهم شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي. فاستمر ذلك من سنة 665هـ، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهبٌ يُعرف من مذاهب الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة. وعُمِلَت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام. وعُوديَ مَن تمذهب بغيرها، وأُنكر عليه. ولم يوَلَّ قاضٍ ولا قُبِلت شهادة أحد، ولا قُدِّم للخطابة والإمامة من لم يكن مقلِّداً لأحدٍ هذه المذاهب. وأفتى فقهاء الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها".
هذه مقولةٌ تُفسر كيف بدأت الظاهرة، وتوحي بشكلٍ غير مباشر أنها غير صحيحة.
حسناً. هل فهم الظاهرة عالمٌ آخر أم كان ذلك فهماً أحادياً شاذاً؟ لنستمع إلى ابن كثير في (البداية والنهاية): "ثم دخلت سنة أربع وستين وستمئة (664هـ)، استهلَّت والخليفة: الحاكم العباسي، والسلطان: الملك الظاهر، وقضاة مصر أربعة، وفيها جعل بدمشق أربعة قضاة من كل مذهب كما فعل بمصر عام أول... وقد كان هذا الصنيع الذي لم يُسبَق إلى مثله، قد فُعِلَ في العام الأول بمصر كما تقدم، واستقرت الأحوال على هذا المنوال". وذكر ذلك أيضاً: الذهبي في كتابه "العِبر في خبر من غبر" في حوادث سنة 663هـ، وابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" ، وتغري بردي في "النجوم الزاهرة" وغيرهم.
تفسير الظاهرة معروفٌ إذاً. لكن أحداً من مسلمي هذا العصر، وعلمائهم، لايبدو مهتماً باستحضار دلالاته ومقتضياته؟!.. لماذا يحصلُ هذا؟ سؤالٌ كبيرٌ يحتاج لإجابات كبيرة..
لنعد إلى التاريخ. ثمة نصوصٌ تسلط ضوءاً على أصل الموضوع، منها قول ابن القيم في (إعلام الموقعين) يذكر فيه مايلي: "ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضلﱠ وأضلﱠ وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم . بل هذا المفتي الجاهل أضر ماعلى أديان الناس وأبدانهم والله المستعان". ثم نجده يقول أيضاً في موقع آخر: "فمهما تجدد العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغِهِ، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك. بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجرِهِ على عُرفِ بلدك، وسَلهُ عن عرف بلده فَأجرِهِ عليه وأفتِهِ به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك. قالوا: فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلالٌ في الدين وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين".
أكثر من هذا، ثمة وقائع تاريخية عملية مُعبِّرة جداً تتعلق بهذا الموضوع، منها الرواية التاريخية المعروفة في كتب التراث على الشكل التالي: "سأل أبو زرعة شيخه البلقيني قائلاً: ما تقصير الشيخ تقي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته؟ فسكتَ البلقيني، فقال أبو زرعة: فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قُدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن من خَرجَ على ذلك لم ينله شيءٌ من ذلك، وحُرِمَ ولاية القضاء، وامتنع الناس عن افتائه، ونُسبت إليه البدعة. فابتسم البلقيني ووافقه على ذلك"..
هل بدأنا نفهم كيف دخلَ الاجتماعُ البشري (السلطة والمال والسياسة والمصالح والاجتهادات المتنوعة) في صناعة فهمنا المُعاصر للإسلام، وتطبيقنا له؟
حصلَ هذا في كل مايتعلق بالمدونة الفقهية التقليدية الإسلامية، لكنه حصل تحديداً فيما يتعلق بالمذاهب الأربعة. وهي مذاهبُ كان يُفترضُ، كما أراد أصحابها، أن (تُوسِّع) على أتباع الإسلام وتساعدهم، بمرونة، على التعامل مع حاجاتهم وعلى تحقيق مصالحهم بالمعنى الإنساني للكلمة. لكن الصيرورة المذكورة أعلاهُ جَعلتها (سجناً) من أربع غرف، وُضعُ الإسلام، والمسلمون، فيه منذ قرون.

أخيراً، جاء منذ عقود من وضعَ النقاط على الحروف فيما يتعلق بهذا الأمر. فهاهو العالم المصري المشهور السيد سابق يقولها بصريح العبارة في كتابه الشهير (فقه السنة): "وبالتقليد والتعصب للمذاهب فَقدَت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، وحدثَ القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، واعتُبر كل من يخرج عن أقوال الفقهاء مبتدعاً لا يوثق بأقواله، ولا يُعتد بفتاويه. وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية ما قام به الحكام والأغنياء من إنشاء المدارس، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الإقبال على تلك المذاهب، والانصراف عن الاجتهاد، محافظة على الأرزاق التي رُتّبت لهم!".
ربما يمكن الخروج بنتيجة عملية من العرض أعلاه تفيد بلادنا وأهلنا ونخاطب بها السوريين خارج البلاد:

ادفعوا زكاة الفطر نقداً للمحتاجين من شعبنا أينما كانوا، وثقوا بقبول الله ورضاه

علِّق