No votes yet
عدد القراءات: 20899

ترامب يهدد، وإيران تتمدد..!!

الكاتب الأصلي: 
Donna Abu-Nasr
تاريخ النشر: 
12 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

تواصل الجمهورية الإسلامية الإيرانية توسُعها مما يثير تساؤلات حول طموحات الولايات المتحدة لاحتواء طهران.

 

لم يسافر النجار النيجيري بشير محمد إلى إيران في حياته قط، غير أنه مستعد للقتال حتى آخر رمق، ولاءً  لها.

وقال محمد: "نحن مستعدون دائماً لتقديم المساعدة لإيران إذا ما استلزم الأمر حتى ولو دفعنا دماءنا ثمناً لذلك. ويجب على دونالد ترامب أن يعي أن لإيران أتباعها في شتى بقاع العالم وهم مستعدون للدفاع عنها ضد الولايات المتحدة".

أثناء تجواله في الشوارع الضيقة وغير المعبدة في منطقة زاريا شمال نيجيريا ذات الغالبية المسلمة، يُظهِرُ محمد نجاح إيران في بناء جيوب دعمٍ قويٍ لها خارج حدود منطقة الشرق الأوسط، وأي سياسة أمريكية خارجية يخطط لها الرئيس ترامب لاحتواء إيران. وكان محمد البالغ من العمر ثلاثين عاماً، من بين عدد متزايد من المعتنقين للمذهب الشيعي في الإسلام والذي عكفت الجمهورية الإسلامية على تصديره للخارج منذ ثورة عام 1979.

 

وتزامناً مع دخول العالم عصرَ حُكم ترامب، فإن الرسالة لواشنطن وحلفائها هي أن لإيران نفوذاً متزايداً في أماكن غير متوقعة، وكانت الجمهورية الإسلامية قادرة على توسيع دائرة نفوذها بغض النظر عن العقوبات الاقتصادية التي استثنتها من معظم السوق النفطية العالمية حتى العام الماضي.

في هذه الحالة، نرى أن إيران حاضرة في نيجيريا أكبر الدول الأفريقية من حيث عدد السكان، ناهيك عن كونها منتجاً رئيسياً للنفط، نيجيريا التي تستفحل فيها الحرب الطائفية التي ألقت منطقة الشرق الأوسط في دوامة من الفوضى. أغلبُ مُسلمي نيجيريا هم من السُنة كما أن موطئ قدم إيران المتنامي في المنطقة دقَ ناقوس الخطر في السعودية.

وقال باول سالم نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن: "تقود إيران اليوم حملة وحرباً عالمية خاصة بها معتقدة أن الولايات المتحدة عاجزة عن إيقافها". وتحت شعاراتهم الدينية، يبني الإيرانيون شبكات يستطيعون استخدامها في أي معركة، وحيثما يتوسعون، هناك احتمال لنشوب صراع طائفي بين السُنة والشيعة".

وأشار تولي ترامب للسلطة، إلى خروج كبير عن الانفراج الذي ميز علاقة إدارة سلفهِ مع طهران في أعقاب التوصل إلى اتفاق تاريخي بشأن برنامجها النووي عام 2015. والشهر الماضي، وضعت الولايات المتحدة إيران تحت المراقبة وفرضت عليها مزيداً من العقوبات بعد قيام الأخيرة باختبار صاروخٍ بالستي. ووصف ترامب إيران أنها "أكبر راعٍ للإرهاب في العالم". وقال ستيف بانون كبير استراتيجيي ترامب: "هناك حرب عالمية وجودية بين بعض دول العالم الإسلامي واليهودية والمسيحية في الغرب".

وقال المتحدث كريستوفر شرود، إن البنتاغون يراقب الأنشطة الإيرانية في نيجيريا ومنطقة غرب أفريقيا. وتكشف البرقيات السلكية السعودية التي نشرها موقع ويكيليكس عام 2015، قلق الرياض إزاء التمدد الشيعي بقيادة إيران من دول مالي وموريتانيا وبوركينا فاسو ونيجيريا غربي أفريقيا، وصولاً إلى الهند والصين في آسيا.

وفي مقابلة  أجريت معه الأسبوع الماضي في واشنطن، قال شرود: "مما لا شك فيه أن وزارة الدفاع على علم دائمٍ بأنشطة إيران التي أرغب بوصفها أنشطة لزعزعة الاستقرار، و يمثل الإيرانيون مصدراً للقلق  ليس فقط بالنسبة لنا  بل لتلك البقعة من العالم أيضاً". ولم يتسنَّ لنا التواصل مع أي من مسؤولي وزارة الخارجية الإيرانية للحصول على تعليق.

 

خامس أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان
يفوق عدد مُسلمي نيجيريا، نظيره في كل من إيران ومصر وتركيا، إذ من بين أكبر ثماني دول إسلامية ، جاءت أندونيسيا في المرتبة الأولى بعدد 225 مليوناً و 200 ألف من المسلمين، تلتها باكستان بـ 194 مليوناً و700 ألف، فالهند بـ 179 مليوناً و900 ألف، فبنغلاديش بـ 139 مليوناً و200 ألف، ثم نيجيريا بـ 93 مليوناً، فمصر بـ85 مليوناً و200 ألف، فإيران بـ 82 مليوناً و300 ألف، وأخيراً تركيا بـ 80 مليوناً و100 ألف.

وقال محمد الذي وُلِدَ سُنياً، إنه تَشَيَعَ قبل خمس سنوات رغم تلقيه تهديدات بالقتل من عائلته، في الشهر الماضي، كانت جهة ولاء محمد واضحة، إذ كان برفقة مجموعة من أصدقائه خارج أحد المساجد المحلية في أحدِ أفقرِ أحياء زاريا، عندما قرأ أحدهم خبراً على هاتفه يفيد بنيّة ترامب اتخاذ موقف أشد صرامة ضد إيران.

تابع محمد: لقد انفجرنا بالضحك لسماعنا هذا الخبر، ولو أن المرشد الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي قال إن على كل من يجد أمريكي في بلده أن يقتله، فسوف نفعل ذلك!". هذا ما أوضحه محمد بينما غصت الشوارع بفتيات المدرسة الابتدائية اللواتي يرتدين حجاباً طويلاً غطى شعرهن وصولاً إلى منطقة الخصر.

وبالنسبة لمحمد، فإن الجناة ليسوا الأمريكيين فقط، بل حلفاءهم أيضاً كإسرائيل والسعودية. وبينما هاجم هاتين الدولتين، كانت كلمات محمد تذكرنا بالخطاب الذي ينتهجه حسن نصر الله زعيم جماعة حزب الله اللبناني الذي تدعمه إيران بالمال والسلاح.

وأضاف محمد:" هناك عداوة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية من جهة ثانية"

وبالنسبة للإيرانيين، مثل الاتحاد السوفييتي تماماً، تعكسُ الرواية صراعاً وجودياً أيديولوجياً مع الولايات المتحدة، وفقاً لسالم من معهد الشرق الأوسط، وقال سالم: "يتمحور هذا الصراع حول استغلال الفرص والامتيازات في أي مكان في العالم والتي يمكن استخدامها حاضراً أو مستقبلاً. تستغل إيران ميليشيات شيعية أفغانية وعراقية ولبنانية تعمل بالوكالة عنها لدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد ضد خصومه الثوار الذين تدعم الولايات المتحدة والسعودية بعضهم".

 

و يُعَدُ توجه إيران إلى غرب أفريقيا تحدياً مباشراً للسعودية عدوها القديم، ولتيار الإسلام السني المحافظ جداً الذي تُصَدرهُ المملكة. وأحدث هذا التوجهُ الخلافَ بين المجتمعات النيجيرية تزامناً مع تمويل كل من طهران والرياض للمراكز الدينية التي تدير المدارس وتستقدم الطلاب ورجال الدين لتدريبهم في ظل اقتصاد متقلص معتمدٍ على النفط بالإضافة إلى تَدَني قيمة العملة المحلية، ناهيك عن القتال ضد ميليشيا بوكو حرام السُنية.

ومن أجل التصدي للتوسع الشيعي، تقترح البرقيات السلكية السعودية إيفاد مزيد من طلاب البعثات الدراسية وزيادة الدعم المالي المقدم للمراكز الإسلامية. وزار العاصمة النيجيرية أبوجا مؤخراً اثنان من رجال الدين السعوديين أمَّ أحدهما صلاة الجمعة هناك، وكان مستشاراً في المحكمة الملكية السعودية.

وقال إيني ديلي أديدجي، الأكاديمي النيجيري في جامعة لندن للدراسات المشرقية والأفريقية، والمتخصص في الهوية الإسلامية في وطنه الأم: "إن مشاهدة السعوديين لنظرائهم الإيرانيين وهم يحاولون الوصول إلى شمال نيجيريا، يشبه إلى حد كبير مشاهدة أحدهم يحاول استمالة أعزّ صديق لديك. ظاهرياً، يأخذ تواجد الدولتين شكل تقديم المساعدة للأعمال والأنشطة الخيرية، غير أن الهدف غير المعلن من وراء ذلك هو أن كِلاهما يسعى لإيجاد مناطق نفوذ خاصة به".

عندما استقلت نيجيريا عن بريطانيا في ستينات القرن الماضي، بالكاد كان هناك أي نيجيري شيعي، حيث كان معظم المسلمين آنذاك من الصوفيين الذين لا تربطهم أي علاقة مع أي جماعة، وفقاً لألكسندر تورستون مؤلف كتاب "السلفية في نيجيريا، الإسلام دعوة وسياسة". وقال تورستون: "عندما بدأت السعودية بالاستثمارات في أوائل الستينات، كانت نيجيريا إحدى الدول التي فكروا في الاستثمار فيها، حيث لم يكن يدفعهم إلى ذلك التنافس مع إيران".

وتختلف التقديرات بشكل عشوائي حول عدد النيجيريين الشيعة من بين الـ 190 مليوناً المنقسمين تقريباً إلى مسيحيين ومسلمين، إذ يُقدر بعض الأتباع عددهم بـ 20 مليوناً، بينما يقول السنة إنهم لا يصلون إلى ربع هذا العدد حتى.

وبدأت الحكاية برمتها مع إبراهيم الزكزاكي وهو ناشط جامعي سُني كان معجباً جداً بالثورة الإسلامية الإيرانية لدرجة أنه أراد أن تشهد بلاده نسخة منها. وعندما لم يحدث ذلك، سافر الزكزاكي إلى إيران وفي مرحلة ما أصبح شيعياً ومن ثم بدأ يرتدي العمامة البيضاء الخاصة برجال الدين. أصبح بعد ذلك زعيم الحركة الإسلامية في نيجيريا وحولها إلى وسيلة لعمليات التبشير وكسب الأتباع في تسعينات القرن الماضي.

 

بدأت الأمور تأخذ منحى تصعيدياً عندما قتلت القوات النيجيرية أكثر من 300 شيعي في زاريا شهر ديسمبر/ كانون الأول عام 2015 واعتقلت الزكزاكي مع المئات من أتباعه. اتهم الجيش النيجيري الجماعة الشيعية بمحاولة قتل رئيس أركان الجيش، التهمة التي تنكرها الجماعة. أما اليوم، فلا يزال الزكزاكي يقبع في السجن.

و تَشَيَّعَ النجارُ محمد بعد حضوره محاضرتين يوميتين للزكزاكي لمدة أسابيع. وقال بائع الصحف السابق شريف أبو بكر زكريا البالغ من العمر 43 عاماً إنه تَشيَّعَ قبل أكثر من 20 عاماً بعد أن أخبره رجال الدين "الحقيقة عن الإسلام" على حد تعبيره.

مشلولاً منذ عشر سنوات، يجلس زكريا على كرسي متحرك في غرفة صغيرة تزينها صورة الراحل آية الله روح الله الخميني، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية. اتفق زكريا مع تقييم محمد للعالم، حيث قال: "ينفذُ ترامب أجندات صهيونية، وماذا لو تصادم مع إيران؟! لن ينجح حتماً".

واليوم، يعيش زكريا وزوجته وأطفاله السبعة في بيت من غرفتين في حي فقير في مدينة كانو محور الشمال النيجيري المسلم، على الصدقات المقدمة من حركة الزكزاكي الإسلامية. يحصل زكريا أسبوعياً على مبلغ قدره 1500 نيرا أي ما يعادل 4,80$. وقال إنه سوف يُهِبُ أطفاله لإيران إذا ما احتاجهم الخامنئي لمواجهة أمريكا. وأضاف: "أحب الخامنئي وإيران".

وبحسب ماثيو بيج المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية والمتخصص في الشؤون النيجيرية، فإن إيران كانت ولسنوات تمول حركة الزكزاكي، وأصبحت منطقة زاريا حيث يَنشط، "وجهة يقصدها المحرومون في نيجيريا". وقالُ بيج إن الحركة الإسلامية كانت تتلقى دعماً يُقَدرُ بـ 10 آلاف دولار شهرياً.

وتابع بيج أن الزكزاكي أخذ هذا الدعم وحوّله لميزانيّة شهرية تشغيلية لمنظمة الرعاية الاجتماعية وأسس مطبخاً للفقراء ومأوى للمشردين. وقال: "هذه طريقة غير مكلفة أبداً لإيران من أجل أن يكون لها موطئ قدم في نيجيريا".

تضم هذه المنظمة أكثر من 300  مدرسة، و مراكز إسلامية، وصحيفة، وحراساً ومؤسسة للشهداء، ممولةَ أساساً من تبرعات الأعضاء. تشبه هذه الشبكة أنظمة الرعاية الاجتماعية الأخرى التي أسسها حزب الله وغيره من الجماعات المدعومة إيرانياً. و قال غانم نسيبة مؤسس مؤسسة كورنر ستون الاستشارية العالمية ومقرها لندن، إن النشاطات من هذا القبيل في نيجيريا تظهر أن إعادة فرض العقوبات التقليدية على إيران لن يكون ناجحاً.

وأضاف نُسيبة: "أنت تتحدث عن تحول جيوسياسي وتسييس فئات من المسلمين حول العالم لا تربطهم أي علاقة سابقة بإيران أو التَشيُع. و لربما تكون قادراً على زيادة وطأة العقوبات على إيران رسمياً غير أن الأخيرة لها مخالب خارج حدودها الجغرافية وتصعب جداً السيطرة عليها".

 

وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية نقلته صحيفة بريميوم تايمز، فقد أعلنت الحكومة النيجيرية هذا الشهر أن الحركة الإسلامية في البلاد تشكل تهديداً أمنياً وقارنتها بجماعة بوكو حرام المتمردة.

في كانو، ثاني أكبر المدن النيجيرية، قال حمزة يوسف الطالب طويل القامة معسول الكلام، إنه لم يخبر والديه بأمر تشيّعهِ بعد. وُلدِ يوسف البالغ من العمر 25 عاماً في مكة المكرمة حيث لا تزال عائلته تعيش هناك. واليوم  هو طالب في جامعة المصطفى الدولية وهي فرع من الجامعة الإسلامية الرئيسية ومقرها مدينة قم الإيرانية ولها أفرع أخرى في عدة دول من بينها جنوب أفريقيا ومالي.

وقال يوسف: "تريد أمريكا معاقبة إيران لأنها حاقدة عليها، وأمريكا عدو الإسلام".

بينما يجلس على الأرض في المركز الذي يديره في أحد الأحياء الفقيرة، أشار رجل الدين الشيعي الشيخ سنوس عبد القادر، إلى صور كبار القادة الإيرانيين واللبنانيين والنيجيريين الشيعة المعلقة على الجدار فوقه، حيث ضمت هذه الصور كلاً من الخامنئي وحسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني.

وقال عبد القادر- بينما كان الأطفال يضحكون وهم يملؤون الجِرار بالماء من حنفية المركز في الشارع المظلم-: "نعتبر هؤلاء الزعماء أبطالاً يسعون جاهدين لمساعدة البشرية ورموز الإنسانية".

وتابع عبد القادر: "هل اعتقدَ ترامب أن الولايات المتحدة بكل قوتها وجبروتها ستخرج منتصرة من أي مواجهة مع إيران؟!. ستكون إيران ثابتة إذا ما نشبت الحرب، فالبقاء للأقوى دائماً".

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 718910

مقالات المترجم