No votes yet
عدد القراءات: 4051

ترامب وروسيا؛ وما لم يُروَ من أخبار

الكاتب الأصلي: 
Liz Spayd
تاريخ النشر: 
22 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

أواخر شهر سبتمبر/ أيلول كانت فترة محمومة بالنسبة لصحفيي صحيفة نيويورك تايمز الذين كانوا يغطون أخبار أجهزة الأمن السرية في البلاد. ونظراً لوجود بعض العناصر العاملة في مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية والكابيتول هيل وغيرها من وكالات الاستخبارات المختلفة، تمكّن الفريق من تتبع عدة أدلة غريبة، إلا أنها محرّضة إن صح القول، ربما كانت ستقلب السباق الرئاسي. وكان أهم سؤال أثارته هذه المادة هو التالي: هل كان يوجد اتصال سري بين دونالد ترامب ومسؤولين روس حاولوا التأثير في الانتخابات الأمريكية؟

وقد ركز أحد منطلقات التقارير على احتمال وجود قناة اتصال بين خادم الحاسب التابع لمنظمة ترامب وأحد البنوك الروسية المتعلقة ببوتين. وكان هناك مصدر آخر قدم لصحيفة التايمز مادة بذيئة تصف رقصات غريبة عابرة للقارات بين ترامب وموسكو. أما الادعاء الدامغ فكان يشير إلى دراية ترامب بجهود روسيا الرامية إلى اختراق حواسب الديمقراطيين، وهذا ادعاء يترتب عليه وجود آثار للخيانة. وقاد تلك الجهود كل من الصحفيين "إيريك ليشتبلو" و"ستيفن لي ميرز" وساعدهم في ذلك آخرون.

كانت المحادثات حول ما ينبغي نشره مطوّلة ومفعمة بالنشاط، وقد اشتملت على واشنطن ونيويورك، وغالباً ما ضمت رئيس التحرير التنفيذي "دين بيكوت". ففي حال كانت تلك المزاعم صحيحة، كان ذلك ليشكل حدثاً ضخماً، أما إن كانت مزيفة، كان ذلك سيلحق الضرر بسمعة التايمز، ونظراً لوجود شكوك حول المادة ومع تثبيط مكتب التحقيقات الفيدرالي الجهود لنشرها، قرر رؤساء التحرير العزوف عن النشر.

 

لكن، هل كان ذلك القرار الصائب؟

هل كان هنالك من طريقة للكتابة عن بعض تلك الادعاءات باستخدام المبادئ الصحفية السليمة، مع تسطيح التحقيقات والأدلة المهمة؟ في نهاية المطاف، قامت صحيفة التايمز بتلك الخطوة، لكن بعد أن سبقتها إليها وكالات أنباء أخرى.

لقد تحدثت شخصياً إلى الكثير من الصحفيين المشاركين في إعداد التقارير الخريف الماضي، وأعتقد أنه يمكن إقامة حجة قوية على أن التايمز كانت خجولة للغاية في قراراتها التي اقتضت عدم نشر المادة التي كانت بحوزتها.

وإني لأقدّر وجهة نظر الأغلبية في عدم وجود أدلة كافية تثبت الصلة بين ترامب والكرملين تعطي الحق في كتابة مقال شديد اللهجة.

لكن صحيفة التايمز كانت على علم بحقائق عديدة جوهرية: فقد كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يجري تحقيقاً معقداً حول منظمة ترامب، والذي ربما اشتمل على مذكرات صادرة عن قانون مراقبة المخابرات الأجنبية. (وتفيد بعض وكالات الأنباء حالياً بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي قد تلقى بالفعل هذه المذكرات، وذلك إشارة على وجود سبب معقول). وقد حددت التحقيقات وجود قناة اتصال غامضة، وذلك جزئياً من خلال محاولة قام بها نشطاء معادون لترامب.

 

في إحدى المراحل، كان مكتب التحقيقات الفيدرالي جدّياً للغاية في تحقيقاته حول الخادم الذي طلب إلى التايمز تأجيل نشر المعلومات بشأنه. وفي غضون ذلك، التقى الصحفيون بضابطِ الاستخبارات البريطاني السابق الذي كان يُعد الملف. وبالرغم من صعوبة إثبات النتائج التي توصل إليها، أفاد مراسلو التايمز أنه شخص كان يحظى بالاحترام في مهنته. ولم تظهر كذلك أية خطورة حول مادته القابلة للتدقيق. وذكر أحد الصحفيين أن الأهم من ذلك هو أن وجود رابط سري يبدو تفسيراً منطقياً للحميمية الغريبة بين ترامب وبوتين.

كان هناك اختلافات حول العزوف عن النشر. فقد وُجدت مسودة فعلية لقصةٍ حول الخبر، إلا أنها لم ترَ النور على الإطلاق. كان القول الفصل لبيكوت، الذي كان مصراً حينها، وما يزال، على أنهم قاموا بالعمل الصحيح.

فقد قال: "لقد سمعنا بوجود قناة اتصال خلفية بين الروس وترامب، ذكرنا ذلك في تقاريرنا، غير أننا لم نجد أي دليل على صحة الخبر. كتبنا كل شيء عرفناه. في الحقيقة كتبنا الكثير. وأي أحد يعتقد أننا نخفي شيئاً ما فهو مخطئ. هذا ليس صحيحاً".

لا أعتقد أن أحداً قد يكتم معلومات لأسباب غير نبيلة، وبالفعل قامت التايمز بإنتاج عمل قوي عن رئيس الحملة السابق "بول مانافورت". لكن فكرة ألا تقوم بنشر الخبر إلا عند إلمامكَ بجميع المعلومات والتأكد منها فهذا محض كذب.

إن كنت تعلم أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يقوم بالتحقيقات، فلتقل ذلك. وإن كنت تعلم أن مرشحاً رئاسياً، يستخدم مصادر مهمة قد تُحدث بعض التأثيرات القوية، ينبغي أن يكون ذلك كافياً لتكتب عنه. لا يجب أن تركز على  القصة "الخاطفة" التي تؤكد حقائق لا أساس لها، بل على المقال الذي يصف طبيعة التحقيقات، الأدلة غير المفسرة، لكن الدامغة، مع التأكيد على ما هو معروف وما هو ليس كذلك.

 

كما أن استخدام جميع التفاصيل المذكورة في الملف، كما فعلت شركة "BuzzFeed"، سيكون تصرفاً غير مسؤول. أما الكتابة عن تحقيقات ذات أهمية، لن يكون كذلك. وبعد أسبوع من حصول التايمز على المواد، ساهم كل من "فرانكلين فوير" من مجلة "Slate" الالكترونية و"ديفيد كورن" من منظمة "Mother Jones" بإعداد مقالات قبيل الانتخابات. ربما لم تكن قصصهم مشابهة بالضبط لما قدمته التايمز، إلا أنها تُعد نموذجاً يُحتذى به.

ولو لم تكتب التايمز عن التحقيقات الجارية، لما كان لها أن تقدم السبق الصحفي الرائع حول شراكات ترامب وروسيا الذي حققته ليلة الخميس. وما كان لها كذلك أن توثق، بلا هوادة، ملاحقة مكتب التحقيقات الفيدرالي للبريد الالكتروني الخاص بهيلاري كلنتون إلى أن يتم البت بجميع الحقائق. كانت تلك التحقيقات لعبة عادلة كحال التحقيقات بشأن ترامب.

 

وقد انتقدت موجة من القرّاء على امتداد الأسبوع الماضي قرارات صحيفة التايمز في التكتم على تقاريرها الخاصة بالملف، وكان من بينهم "مايكل روسو" من بروكلين، الذي قال التالي:

أستطيع أن أقدّر أن الاجتهاد الصحفي يتطلب من صحيفتكم أن تصف هذه المذكرات بأنها "لا أساس لها". لكن تلك الادعاءات التي "لا أساس لها" والتي ذُكِرت في هذا المقال كانت متداولة لأشهر عدة. وفي الوقت الذي قدم فيه المحررون حكماً بالغ الأهمية حول صحة هذه المزاعم، يبدو أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أخذتها على محمل الجد بما يكفي لفتح تحقيقات خاصة بها. كيف لا تكون هذه الادعاءات جديرة بالنشر بحد ذاتها؟

هناك موضوع مقلق يمر الآن في مرحلة مراجعة سريعة في قرارات النشر الخاصة بصحيفة التايمز. في كل مثال، كانت تصرفات المسؤولين الحكوميين هي التي تسببت في اتخاذ قرارات غرفة الأخبار -وليست التقارير الإضافية أو الأفكار التي اكتسبها الصحفيون. وفيما يخص موضوع خادم الحاسب، بمجرد أن أشار مكتب التحقيقات الفدرالي إلى أنه أصبح قلقاً بشأنه،  ودون أن يعطي دليلاً قاطعاً عن السبب-  تراجعت الصحيفة عن نشر أخبار تخص الموضوع. وبعد أسابيع، نبّه زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ "هاري ريد"، المكتب الفيدرالي علناً ليكون سرياً في تحقيقاته حول ترامب. وهذا أعطى صحيفة التايمز غطاء لكتابة ما عرفته فيما يتعلق بتحقيقات المكتب في موضوع خادم حاسب البنك.

هذا وقامت الصحيفة باتباع النمط ذاته عندما تعلق الأمر بنشر الملف. وبعد أن علمت من قناةCNN أن ترامب والرئيس أوباما كانا قد اطلعا على الوثيقة، قامت التايمز بنشر ما كانت تعرفه لأشهر. لم تتغير ثقتها بالمادة، كما لم يعرف محرروها ما إذا كانت الإحاطة الإعلامية عالية المستوى تعني أن الحكومة تعتقد بصحة المعلومات. لكن تلك الإحاطة أصبحت قضية تستوجب النشر.

 

في لعبة المطاردة هذه بين الحكومة والصحافة، تفوز الحكومة.

وتعدّ الأفكار التي تعقب العمل والتحليل أسهل من القرارات اللحظية. في ذلك الوقت، كانت وسائل الإعلام ما تزال تعتقد أن ترامب كان منافساً ضعيفاً لكلنتون، وهي مجموعة افتراضات جعلت من المغامرة في نشر الادعاءات الخطيرة مشحونة على نحو أكبر.

لكن من الصعب ألا نتساءل عن تأثير تلك المعلومات على الناخبين الذين كانوا ما يزالون في مرحلة تقييم المرشحين، وهذه مسألة انتقدتُ الصحيفة عليها في مقال سابق لعدم متابعتها بما فيه الكفاية. هل تقدمت في ذلك مصادر أخرى؟ هل كنا بالفعل على معرفة بالحقائق الأساسية؟

وإذا ما كان الرئيس الجديد في الحقيقة متواطئاً مع عدو أجنبي، ينبغي أن يشعر الصحفيون والمحققون بضغوط هائلة لإثبات هذه الحقيقة بصورة قاطعة. وإن لم يكن ذلك صحيحاً، عندها يستحق كل من ترامب والبلاد أيضاً وضع حد لهذه المسألة.

 

-------------

تعريف بالكاتب:

ليز سبيد(Liz Spayd): تشغل منصب محرر عام في صحيفة نيويورك تايمز. تعمل على تقييم الأخلاق الصحفية كما تقوم بتدقيق كل من نوعية المواد الصحفية والمعايير المطبقة في غرفة الأخبار. تكتب في عمود مخصص لها بصورة منتظمة تعبّر فيه عن وجهات نظرها.

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2501203

مقالات المترجم