عدد القراءات: 8704

تحليل نفسي وسيكولوجي لثقافة الإنكار في المجتمعات العربية

أظهرت اﻷحداث المتلاحقة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر عمق اﻷزمات النفسية و الفكرية التي تعصف بمجتمعاتنا العربية، و التي كان آخر تجلياتها تفاقم العنف الطائفي في المنطقة العربية و ظهور تنظيم داعش و موجات اللجوء و الهجرة التي ﻻ ترى مستقراً نهائياً لها سوى في البلدان الغربية، رغم التراث الزاخر بنظريات الأمة العربية الواحدة و التضامن و اﻷخوة العربية.

تزداد هذه اﻷزمات تأججاً أثناء اﻷحداث الكبيرة مثل هجمات داعش على السكان في سوريا و العراق و هجمات باريس اﻷخيرة و أيضاً السلوك اﻹرهابي لمجموعات الشبيحة اﻷسدية و اﻹيرانية، فتظهر على السطح الانقسامات المجتمعية التي يمكن الاستدﻻل عليها من خلال دراسة ردود اﻷفعال على هذه  الأحداث و التي تدل عموماً على حالة افتراق أخلاقي مجتمعي مريعة بسبب تعدد و اختلاف المنظومات اﻷخلاقية التي تحكم المجتمعات العربية وتأثرها بعوامل عديدة بعضها ديني طائفي و بعضها تاريخي تراثي و بعضها اﻵخر سياسي إيديولوجي. المثال اﻷحدث على هذه اﻷزمات يأتي من ردود اﻷفعال على هجمات باريس و إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة إضافة لاستعمال المجازر الطائفية و الأسلحة الكيميائية و الصاروخية من قبل النظام الأسدي.

ففي حين هلّل لها البعض و اعتبرها الطريقة المثلى للرد قام البعض اﻵخر بإدنتها إدانة صريحة ﻻ مواربة فيها. و تفاوتت المواقف اﻷخرى مابين التشكيك و اللجوء لنظرية المؤامرة، إلى المنهج التبريري و اﻹنكار، بينما لجأ البعض إلى المنهج الذرائعي حيث يتم نزع صفة الضحية عن المجني عليهم و تتم إدانة الفعل باعتباره يشكل إساءة لعقيدة الجناة. تعرف هذه اﻷنماط الفكرية في علم النفس التحليلي بآليات الدفاع النفسي و من أبرزها اﻹنكار. يعرف اﻹنكار على أنه عدم القدرة على الاعتراف و مواجهة الحقيقة الواقعة. و هو آلية يستعملها الشخص للدفاع عن ذاته ضد القضايا التي ﻻ يستطيع التعامل معها لتجنيب نفسه المعاناة النفسية التي قد تنجم عن المواجهة و هذا يتطلب توظيف طاقات نفسية و استعمال آليات دفاع أخرى ﻹبقاء الحقيقة المؤلمة خارج الوعي رغم توفر اﻷدلة الدامغة على وجودها.

يعتبر اﻹنكار من آليات الدفاع البدائية ﻷن تشكله يبدأ مع مراحل التطور اﻷولى للطفل و تعتبره آنا فرويد دليلاً على عدم النضج ﻷنه يعيق القدرة على التعلم و التعامل مع الواقع و التأقلم معه بينما يعتبره علماء آخرون وسيلة للهروب من اﻹحساس بالذنب و المسؤولية و ما يترتب عليهما.

 

للإنكار أشكال عدة منها:

1-     إنكار حقيقة واضحة معززة بأدلة دامغة مثل إنكار الحروب الصليبية أو إنكار الهولوكوست أو مجازر اﻷسلحة الكيميائية في حلبجة أو الغوطة.

2-     الشكل اﻵخر هو إنكار المسؤولية و يكون إما بإلقاء اللوم على اﻵخرين مثل لوم الضحايا أنفسهم أو لوم حكوماتهم، أو التقليل من التأثير السلبي للفعل كمحاولة تقييم جريمة سياسية ذات أبعاد كبيرة كاغتيال الحريري مثلاً و اعتبارها جريمة جنائية بحت، أو تبرير الفعل لجعله يبدو طبيعياً اعتماداً على المنظومة اﻷخلاقية للجهة التي تبرر الفعل مثل القانون 49 المشؤوم الذي أباح إعدام كل شخص ينتمي للإخوان المسلمين حتى لو لم يرتكب أي جرم اعتماداً على التفسير البعثي لمفهوم الجريمة السياسية.

3-      الشكل الثالث للإنكار هو إنكار النتائج أو التقليل من أهميتها باستعمال معايير ﻻ تتناسب مع الحدث و ذلك هرباً من الشعور بالذنب أو الندم و لمنع الذات من التعاطف مع الضحايا مثل اختصار هجمات باريس بمقتل 12 شخص فقط دون النظر إلى رمزية الحدث و أبعاده السياسية و الثقافية و الاجتماعية و انعكاساته على اﻹسلام و المسلمين و محاولة مقارنة ماحدث في باريس بأحداث أخرى قتلت فيها أعداد أكبر من الضحايا.

4-      إنكار الوعي، و هو شكل آخر من أشكال اﻹنكار و يعني محاولة تجنب المعاناة النفسية عبر الادعاء بأن الوعي و اﻹدراك قد تم تثبيطهما بعوامل مخففة أخرى مثل اﻷمراض العقلية أو النفسية أو عدم الفهم الصحيح، أوضح مثال على هذه الحالة يأتي عبر الادعاء المباشر بأن اﻹرهابيين هم مرضى نفسيين أو أصحاب عقائد منحرفة تعتمد على الفهم المغلوط للموروث الديني أو الثقافي دون تكليف النفس مشقة الخوض في مراجعات علمية و جدل منطقي حول هذا الموروث الذي يستعمله اﻹرهابيون للتأصيل الفقهي و الشرعي ﻷفعالهم.

5-     الشكل اﻷخطر من أشكال اﻹنكار هو إنكار اﻹنكار و هو يعني الثقة المطلقة  بأن ﻻشيء بحاجة للتغيير في السلوك و العادات و المفاهيم، أي العيش في حالة من خداع الذات و يتجلى هذا في التيارات التي تؤمن بتفوق و معصومية و أزلية أفكارها حيث تتشكل لديها حالة عدائية تجاه كل من يحاول نقدها سواء من داخلها أو من خارجها و لذلك فهي تميل ﻹلقاء اللوم على اﻵخرين في كل شيء مثل التيارات الفكرية الفاشية السياسية و الدينية.

6-      الشكل اﻷخير و يدعى اختصاراً برافو و هو يعني إنكار الفعل و إلقاء المسؤولية على الضحية و بذلك يتم عكس المعادلة فتصبح الضحية هي المجرم اﻷساسي و المجرم هو الضحية التي أجبرت على الدفاع عن نفسها، و يتجلى هذا في محاوﻻت تبرير قتل الرهائن و المدنيين عبر ذرائع من قبيل (هم و حكوماتهم جلبوا الشر ﻷنفسهم) أو (جيوشهم حاربتنا في الماضي أو تحاربنا حالياً و لذلك فإننا إنما ننتقم و ندافع عن أنفسنا بقتلهم ﻷنهم هم من انتخب هذه الحكومات).

يتضح مما سبق عمق و خطورة اﻷزمات الفكرية و اﻷخلاقية التي تعصف بمجتمعاتنا العربية و التي تناول هذا المقال جانباً ضئيلاً منها فقط، و لذلك فإن المسؤولية التاريخية تحتم على الحكومات و النخب العربية الارتقاء إلى مستوى التحدي و المبادرة بإنشاء و دعم فرق متخصصة بدراسة الواقع العربي دراسة تحليلية موضوعية و تسمية اﻷمراض الاجتماعية بأسمائها دون مواربة و مواجهة الواقع مهما كان مؤلماً وصوﻻً لوضع توصيات ملائمة للخروج من هذا النفق المظلم و هذا يتطلب أوﻻً تحرير العقل العربي من كل القيود التي تكبله و تمكينه من اﻹبحار في فضاء المعرفة الرحب دون خوف و بعيداً عن أي تهديد أو تحريض و ذلك بوضع منظومة تربوية و قانونية تشجع على اﻹبداع الفكري و إﻻ فإن مستقبلاً أكثر ظلماً و ظلاماً سيكون بانتظار مجتمعاتنا و لن يكون أي مجتمع عربي في منأى عن الكارثة.

 

علِّق