عدد القراءات: 7020

تبصير سياسي

 نقول تبصير سياسي لأن تعقيد المسألة السورية وكثرة اللاعبين فيها وتعارض أهدافهم المعلنة والمبيتة تجعل التحليل السياسي أشبه بالتبصير.

ففي فنجان البصارة تبدو الرحلات المكوكية السعودية الإماراتية الى روسيا ليست بدون طحن، ويظهر في الفنجان خطوط لتفاهم روسي سعودي، ولكنه تفاهم غير كامل، اي اتفاق في الأهداف المعلنة واختلاف في النوايا المضمرة.

تظهر في الفنجان صورة يدين متصافحتين، وهذا يعني ان روسيا تفاهمت مع السعودية على التدخل في سوريا لتحل محل إيران، فهذه هي غاية السعودية، اما روسيا فتريد ان تشد من أزر النظام الذي بدأ ينهار في الشهور الماضية، وبحسب بعض التقديرات أنه لولا ان غرف  العمليات الموك والموم  تلجم المعارضة لسقط النظام،

السعودية مثل روسيا لا تريد سقوط النظام عسكريا لأن سقوطه يعني انتصار مجموعات معارضة تتسم بالغلو الديني، بل تريد دفع النظام لقبول انتقال سياسي، والنظام حتى الآن لا يقبل أي حل ومصر على القتال حتى آخر مواطن سوري.

 

النظام السوري من جهته سلم بعجزه منذ 2012 عندما طلب دخول مليشيات حزب الله وميليشيات عراقية بقيادة ايرانية، ولكن هذا الدعم الإيراني ثبت عجزه بعد ثلاث سنوات ، ومن جهة أخرى اصبح الإيراني هو القائد وأصبحت القيادة السورية تحت إمرته، يأمرها فتطيع، مما خلق تذمراً  في صفوفها، كما ان حاضنة النظام المنفتحة والمتحررة لا تنسجم مع فروض ملالي ايران وتزمتهم الديني، بينما الروس غرباء يبقى تدخلهم في شؤونهم الداخلية والحياتية محدوداً.

ولكن مقابل اليدين المتصافحتين في الفنجان، يظهر شخصان يجلسان ظهراً لظهر، اي هما مختلفان وكل ينظر في اتجاه معاكس للآخر.

وهذا يعني ان روسيا ترى أن بقاء الأسد وشلته لا بد منه للحفاظ على مصالحها على المدى البعيد، وهي تعلن ان ذهابه سيعني فرط عقد جماعته مما يعني فرط عقد السلطة، وجعل التقسيم الاحتمال الوحيد، وربما كانت موسكو تضعه كاحتمال أخير وليس أول، بينما ترى السعودية أن بقاء الأسد وشلته يعطل إمكانية تحقيق اي حل بعد كل هذا القتل والتدمير والتشريد، ولا يمكنها ان تفرض مثل هذا الحل على المعارضة وهي ليست اللاعب الوحيد في الساحة فهناك قطر وتركيا لاعبان رئيسيان.

 

في التنفيذ العملي جاءت موسكو وبدأت بتفكيك ميليشيات ايران وتشكيل قوات نظامية منضبطة تحت قيادتها الفعلية. وارادت ان تضرب بقوة لاستعادة التوازن المعنوي للنظام وجيشه، وتسعى لتحقيق نصر معنوي في اكثر نقاط النظام ضعفاً أو أكثرها حساسية مثل:

 تنظيف منطقة سيطرته بين حمص وحماه، ومناطق شمال حماه لأن المعارضة كانت تحضر للهجوم على حماه، ودفع المعارضة بعيداً عن مناطق حاضنة النظام في جسر الشغور ومنطقة الغاب الشمالي، إضافة لشمال اللاذقية كونها المنطقة الأكثر حساسية.

الروس يضربون بقسوة، فيوم الاثنين الفائت قصفوا كفرنبودة بنحو الف صاروخ بحجوم مختلفة بين صغير وكبير، ولكنهم لا يضربون داعش، بل فقط مناطق المعارضة، وقد وسّعت داعش منطقة سيطرتها في شرق حلب بعد قدوم الروس.

 

الروس يصرحون علانية انهم جاؤوا لدعم حكومة دمشق،  وهم يعتبرون ان كل من يعادي النظام ارهابي، ولكن يبدو ان اولوياتها تتجه شمالا من حمص وما بعد، ولكن تظهر خطوط  الفنجان أنها ستتجه نحو دمشق وغوطتها بعد ان تحقق بعض التقدم شمالا إن استطاعت ولم تنجح حتى الآن. ولكنها اجبرت المعارضة في هذه المناطق في التحول من الهجوم الى الدفاع، بينما مازالت المعارضة في حالة هجوم في الجنوب كما يجري في القنيطرة اليوم.

 

مشكلة موسكو ان قوتها النارية من الجو والأرض الصاروخية لن تكفي بدون قوات أرضية، وعندما يبدأ هجوم قواتها في اية منطقة سيتوقف القصف ويبدأ القتال الأرضي، وهنا يعود التفوق للمحتمين في بلداتهم. ولم يحقق جيش النظام ارباحاً تذكر بل اوقعت المعارضة فيه خسائر جسيمة.

 

خطوط المستقبل تبدو مشوشة، فلا يظهر كيف سترد الدول الداعمة للمعارضة، هل ستقدم لها سلاحاً نوعياً ضد الطيران وراجمات صواريخ، لمقابلة القوة النارية بقوة نارية مقابلة وهذا على الضد من إرادة الأمريكان؟ حتى الآن لا يظهر اي شيء من هذا ولا يظهر إن كان هذا قادماً ام لا فخطوط الطرق تبدو غير واضحة.

ولا تظهر في الفنجان نوايا الأمريكان، فهي غائمة، هل تفاهموا مع الروس على الحل في امد قريب أم ارادوا توريط الروس وتمريغ سمعتهم في الوحل.

يأمل الروس انهم سيضعفون المعارضة المسلحة ويجبرونها على قبول حل سياسي وفق رؤية روسية، تقوم على بقاء الأسد ونظامه وتشكيل وزارة ترأسها شخصية معارضة، ثم انتخابات مبكرة ربما بعد سنتين ستكون نتائجها محسومة منذ الآن، طالما أن النظام باقٍ والروس من وراءه، ويبحث الروس اليوم عن مثل هذه الشخصية وتستعرض عدد من الأسماء، كما ان الروس يتواصلون مع عدد من الضباط المنشقين للترويج لحلهم السياسي، ولكنهم لا يجدون شركاء حقيقيين، وهم يعلمون أن من جاءهم الى موسكو لا يستطيع تحشيد باص صغير في الشارع ولكنهم يستخدمونهم، والمشكلة أن المعارضة الفعلية لا تتجاوب مع طروحاتهم التي مازالت بعيدة عن ان تكون مقبولة من المعارضة إذ تظهر شخصية المعارضة في الفنجان وهي متجهمة في إشارة الى انها لن توافق على الحل الروسي، وهذا يعني ان الصراع مستمر.

 

خشية المعارضة من بقاء الأسد انها ستزيل صورة الخصم عن الأسد ونظامه، وستمر مرحلة انتقالية لن تقل مدتها عن سنتين ستسعى النظام والروس لتفكيك المعارضة المشرذمة أصلاً، خاصة إن بقيت نفس أجهزة النظام و بتركيبتها، وخاصة الأمن والجيش وجهاز الحكومة وحزب البعث، فأية انتخابات ستديرها هذه الأجهزة ستكون نتيجتها معروفة سلفاً والتزوير سيد الموقف... ولكن بالمقابل يظهر بأن هذا لن يحدث إن كان بقاء الأسد بصلاحيات وبقاء مؤسسات الدولة مرتبط بإعادة هيكلتها، وخاصة الأمن الذي تشترط المعارضة حل جميع أجهزته مقابل تعزيز دور الشرطة، وإنشاء جهاز أمن واحد جديد، مع الحفاظ على الجيش مع إعادة هيكلته.

لا تظهر خطوط الفنجان ما الذي سيحدث في الشهور القادمة وتبدو المساحات بلا تضاريس ممتدة كالبادية السورية،

هل ستصمد السعودية على موقفها المتمسك برحيل الأسد وجماعته، ام انها سترضخ تحت الضغط الروسي وإغراءها بتقليص نفوذ ايران في سوريا، و المجتمع الدولي يضغط لبقاء مؤسسات الدولة وبقاء الأسد لفترة انتقالية.

هل سيعجز الروس عن تحقيق نصر عسكري ذي قيمة، ويفشلون في ايجاد شريك معارض حقيقي يوافق على حلهم ويضطروا لقبول ذهاب الأسد وشلته منذ اليوم الأول، أم سيتفق الطرفان على بقاء الأسد لفترة محددة بصلاحيات محدودة كما رسم ديميستورا، وهل ستقبل الأطراف الفاعلة الأخرى والمعارضة بهذا الحل وهل سيستطيع الداعمون إن توافقوا أن يفرضوا قبول الأسد على المعارضة الرافضة لأي دور للأسد في المرحلة الانتقالية؟

الأمر الواضح في الفنجان أن معظم السوريين تواقون لحل، ولكن الحل بيد القوى الفاعلة وليس بيد السوري العادي البسيط الذي يخوض الجميع صراعهم باسمه ويدعي تمثيله بينما هو لم يفوض أحد حتى الآن.

 

الله اعلم.

 

 

علِّق