عدد القراءات: 4949

بين حلب وأخواتها وثورة سوريا

بعد أقل من ثلاثة أشهر على انطلاق الثورة في سوريا كنت في زيارة لدمشق وكانت مدينة حلب قد تأخرت، دون ريفها، عن الخروج في التظاهرات المناهضة للنظام السوري، صادفت حينها أثناء تنقلي في العاصمة سائق "تكسي" من أبناء مدينة السويداء، كان هذا السائق يؤيد الثورة ويعارض نظام الأسد، ذلك أنه قضى أكثر من نصف ساعة وهو يحكي لي عن تظاهرات الأمس في حي القابون حيث قُتل ثلاثة شباب من عائلة القادري إحدى أكبر عائلات القابون أثناء تفريق قوى الأمن التابعة للنظام بالرصاص للتظاهرة الكبيرة التي خرجت في جمعة أطفال الحرية في الحي بعد أيام قليلة من حديث المعارضة السورية عن اعتزامها عقد مؤتمر للإنقاذ في إحدى الصالات الخاصة في حي القابون الواقع شمال العاصمة، أنهى السائق حديثه وقتها قائلاً: لم يتبق لسقوط النظام إلا اشتعال الثورة في حلب، كانت وجهة نظره هي وجهة نظر معظم أبناء المدن والبلدات التي انتفضت ضد النظام وطالبت برحيله، حيث كان الجميع ينتظر نزول حلب بثقلها الكبير على خط الثورة لحسم الأمور وتحقيق مطلب الثوار في اسقاط النظام.
مضت الأيام وشهدت حلب اشتعال الثورة التدريجي البطيء والمستمر، في جامعتها كان الطلاب من أبناء الريف الحلبي ومناطق إدلب يقومون بتشجيع جميع الطلاب على التظاهر، وكانت المظاهرات تكبر يومياً مع انضمام المزيد من أبناء المدينة إليها، في أحياء حلب الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية كان يجري أمر مشابه، في صلاح الدين والسكري والفردوس وبستان القصر والصاخور وغيرها كان آلاف الشباب من أبناء العائلات التي هجرت ريفي حلب الشمالي والغربي نحو المدينة يخرجون في التظاهرات ليشاركهم أبناء المدينة في تظاهراتهم وبشكل أكبر يومياً، كان كل ذلك يجري في الوقت الذي كانت تنتشر فيه الأخبار في مدينة حلب عن قيام مجموعات مسلحة تابعة للثورة بعمليات خطف وسرقة للسيارات والباصات التي تحمل ركاباً حلبيين على الاوتوستراد الدولي حلب-دمشق، في مناطق معرة النعمان وسراقب وصولاً إلى خان شيخون في ريف إدلب، وفي مناطق مورك وصوران في ريف حماة، وفي المناطق الممتدة من الرستن إلى التلبيسة في ريف حمص، كانت عمليات الخطف وطلب الفديات التي يقوم بها حاملو السلاح باسم الثورة تتم بشكل متزامن مع زيادة ضخ الإعلام التابع للنظام السوري الذي يتحدث عن سعي النظام إلى ضبط الأمن والقضاء على المجموعات المسلحة التي روعت المواطنين ونشرت الفوضى على الطرقات بين المدن، صعّب كل ذلك من مهمة من كان يحاول إدخال مدينة حلب إلى قلب الثورة، وأدى إلى ضعف موقف مؤيدي الثورة من أبناء مدينة حلب بين أقربائهم وأصدقائهم الذي فضلوا التمسك بالاستقرار النسبي الذي يرسخه نظام الأسد بالقوة.
بعد أشهر قليلة كان عود الثورة قد اشتد في ريفي حلب الشمالي والغربي على نحو سريع ومفاجئ، حيث نمت كتائب الثوار وتوسعت وأحرزت انتصارات عسكرية هامة على قوات النظام في المنطقتين وبسرعة استثنائية، الأمر الذي دفعها مع معطيات أخرى إلى اتخاذ قرار اجتياح مدينة حلب، وإخراجها من يد قوات النظام بالقوة.
نجح الاجتياح في بداية صيف 2012، وسيطرت كتائب الثوار خلال أقل من شهرين على ثلثي مساحة المدينة الأكبر في البلاد، ترافق ذلك مع سيطرتها على معظم مناطق ريفي حلب الشرقي والجنوبي وتوسعها شرقاً حتى وصلت مدينة رأس العين في ريف الحسكة، في أقصى شرق البلاد، مستفيدةً من توسع الحاضنة الشعبية للثورة مع التوسع الكبير في مناطق سيطرة الثوار في مدينة حلب وريفها.
مرت سنتان من القتال المستمر بين قوات النظام وقوات الثوار في مدينة حلب، حتى باتت حلب، مدينةً وريفاً، تتصدر جميع قوائم الخسائر الناتجة عن الحرب المستمرة في سوريا، متقدمة بمعدلات الدمار والشهداء والتهجير وغيرها على جميع محافظات البلاد التي اعتبر أبناءها أنفسهم سباقين في الولوج في الثورة.
مؤخراً ومنذ أقل من شهرين كانت تجري اجتماعات اللجنة التحضيرية لمجلس قيادة الثورة الذي يهدف إلى توحيد جميع القوى العسكرية التي تقاتل النظام السوري وتنظيم الدولة الاسلامية تحت قيادة واحدة، حصل أثناء الاجتماعات خلاف حول توزيع المقاعد بين مختلف مناطق البلاد في مجلس القيادة العامة للثورة، حيث اقترح المنظمون أن يكون المجلس مكونا من 59 عضواً بحيث يكون لدمشق وريفها ودرعا 23 مقعداً في مقابل 13 مقعداً فقط لحلب وإدلب، مع 10 مقاعد لحمص وحماة، و7 مقاعد للمحافظات الشرقية و6 مقاعد للساحل.
أعترض ممثلو حلب وإدلب وهددوا بالانسحاب من اجتماعات اللجنة التحضيرية، ليواجهوا برد ممثلي دمشق ودرعا الذي تمحور حول الفكرة القديمة المتجددة التي يحملها كثير من معارضي النظام السوري في مختلف مناطق البلاد والتي تتمحور حول اعتبار سكان مدينة حلب مؤيدين للنظام السوري ولا يمكن منحهم تمثيل أكبر من ذلك.
بعد أن عرض ممثلوا حلب حجتهم القوية التي تقول بأن حلب المدينة هي التي حملت لواء الثورة في السنتين الأخيرتين، ودفعت أعلى معدلات الدمار والشهداء والتهجير في البلاد بالإضافة إلى كونها أكبر مدن البلاد، وأكبر المدن التي يسيطر الثوار على مساحات واسعة فيها، تم عرض حل وسط من بعض الحاضرين وذلك بتوسعة مجلس القيادة العامة إلى 73 عضواً بحيث يكون لحلب وإدلب 19 مقعدا في مقابل 27 مقعداً لدمشق وريفها ودرعا، مع 12 مقعداً لحمص وحماة، و7 مقاعد للمنطقة الشرقية و8 مقاعد للساحل.
قبل ممثلوا حلب العرض على مضض وتحفظوا على تعيين ممثلين لهم في يوم الإعلان عن تأسيس مجلس قيادة الثورة، ليخرج الاعلان عن المجلس باهتاً وتذهب كل الآمال التي عُلقت عليه أدراج الرياح، لسبب واحد فقط وهو شعور المظلومية غير المفهوم الموجود بشكل واسع في مختلف مناطق البلاد تجاه حلب، الشعور الذي لم يفشل مشروع مجلس الثورة فقط، بل ربما أفشل الثورة بكليتها.

 

علِّق