عدد القراءات: 6035

بين السياسي والمجبّر

 

تحدثت في المقالة السابقة عن أهمية القيادة في الثورة بعنوان: قيادة الثورة أم قيادة الطائرة

وسنتحدث اليوم عن المعيار الذي يُمكِّنك من خلاله أن تعرف الشخص السياسي من مُدعي السياسة المتطفل عليها.
واتفقنا أن الشرط الأساسي لكل قائد أن يكون عنده خطة عمل، أي أنه عندما استلم المنصب أو وُجد فيه عليه أن يُعِّد فوراً خطة محددة بوقت محدد للوصول إلى أهداف محددة.
فيقول مثلا: إذا استلمت إدارة مكتب العلاقات العامة فأريد أن أقيم خمس فعاليات إعلامية في البلاد الفلانية، خلال ستة شهور، وسأخطط ليحضرها عدد معين مستهدف من السياسيين والصحفيين، وسأعرفهم بالثورة السورية وماذا حل بالشعب السوري على يد جلاديه، وطبعا يجب أن يكون عنده آليات لقياس مدى تأثير هذه الفعاليات وجدواها على الثورة.
ونفترض أنه مرت الشهور الستة وفشل في تنفيذ هذا البرنامج لأي سبب كان ، فماذا يجب عليه أن يفعل ؟؟
هل يتجاهل ما حصل ويستمر يحاول ويفشل بدون أي محاسبة؟ أم يقول أنا يا جماعة فشلت، ابحثوا عن أحد آخر متخصص في هذا العمل يستطيع الوفاء بمتطلباته؟

وهكذا المثال ينطبق على كل المجالات السياسية والإغاثية والطبية والعسكرية في الثورة السورية.
طبعا سيقول لنا المتمسك بالمنصب أن هناك عقبات كثيرة قد واجهت المشروع وأدت لفشله، ويبدأ باختلاق الاعذار... هنا أقول له: الفرق يا صاحبي بين الفاشل والناجح أن الأول لا يعرف كيف يتجاوز العقبات بينما النثاني يستطيع ذلك ... ولو كنت ناجحا لوجدت طريقة لتنفيذ مشاريعك.
ولو كنت تعرف أساسيات العمل لعلمت أن هناك معايير لتقييم التنفيذ، والتي تأخذ في الحسبان حتى قياس الفشل وتحويله غلى نجاح.
أما أن تمسك المنصب وتمضي الشهور تلو الشهور وأنت تصرف الأموال ثم لا تحقق أية نتائج، بل بالعكس قد تتسبب بكوارث بسبب تكاسلك وجهلك وقلة خبرتك، حينها تصبح  عبئاً على الثورة، وسبب في إطالة عمر نظام الأسد المجرم.
لا مجاملة في الثورة بعد اليوم .... ولو لم يتكلم كل الناس عن معايير اختيار القادة وتصبح ثقافة تفرض نفسها، فلن نتقدم بمشروعنا اليوم وفي المستقبل ولا خطوة للأمام، ولا يظن أحد أن نشر الثقافة ورفع معايير المجتمع أمر مستحيل بل هو ممكن وبأيدينا جميعا.
ولأضرب مثالا على موضوع رفع المعايير في المجتمع، وكيف أن الناس هم من يقومون به بسهولة ...
تذكرون "المُجَبِّر" وهو شخص كان الناس يذهبون إليه قديما لمعالجة الكسور، كان هؤلاء مقتنعون أنهم ذهبوا للشخص الأفضل ليعالجهم مع أن كثيراً ممن يتداوون على يديه قد تلحق بهم عاهات مستديمة.
ولكن عندما انتشر الأطباء و استخدموا أجهزة التصوير الشعاعي، هنا بدأ الناس يقولون أن المجبر فاشل، وأن الأفضل أن نذهب للطبيب، وفعلا خلال سنوات ارتفعت معايير الوعي لدى الناس، ولم يعد سوى (الجهّال) يذهبون إلى المجبر.
فهل يمكن أن يرضى الشعب السوري أن يُسَلِّم أموره للمُجبِّر مرة أخرى ؟

الآن، لو أردنا أن نعرف من هو السياسي الحقيقي وليس "المجبر" ؟؟
فيجب أن يشرح لنا من يدعيها لنفسه بعض المفاهيم السياسية العامة وما هي تطبيقاتها في الواقع السوري "وهذه أدنى المعايير المطلوبة" فمثلا وليس حصرا:
1. ما هو تعريف السياسة في العلوم السياسية وفي الشريعة الإسلامية وما هو الفرق بينهما ؟
2. كيف تؤثر بالجماهير، وكيف تقنعهم بأنك تعمل لصالحهم؟
3. كيف تصنع التحالفات مع الأصدقاء والأعداء وطرقها وقواعدها؟
4. ما هي موازين القوى الدولية والعلاقات الدولية وكيفية الاستفادة من توافقاتها وتناقضاتها؟
5. ماذا تعرف عن المواثيق القوانين و الحقوقية الدولية الأساسية؟
6. ما هي قاعدة ارتكاز الحكم، وكيف تُبنى ؟
7. ما معنى وتأثير الفردية أو الدكتاتورية على العمل السياسي وكيف نتجنبه ؟
إن من لا يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة البسيطة ويعطيك تطبيقات عليها في الحالة السورية، فهو لا يستحق أن يكون سياسيا وسيكون عبارة عن "مجبر" يضع يده في جراحات الشعب السوري ليلعب بها.
وهكذا كل عمل في الدنيا يوجد له معايير، وحدود دنيا مطلوبة ولا يمكن بحال من الأحوال التنازل عنها.
 

علِّق

مقالات الكاتب

وجهات نظر