عدد القراءات: 10309

بين السياسة و العلم؛ ما لم يقله أحد عن سفّاح أورلاندو

حدث الكثير من اللغط وعلى كل المستويات حول ماحدث أخيراً في أورلاندو في الولايات المتحدة، حين قام مسلم أمريكي من اصل أفغاني بإطلاق النار على ملهى للمثليين قتل فيه 50 ضحية.

بلا شك ماحدث صادم ودموي واستهدف أناساً أبرياء لاذنب لهم إلا كونهم مختلفين، ودموية الحادث والعدد الكبير للضحايا وكونه موجه للمثليين،  بالإضافة لدين وعرق الجاني، جعل من الحادثة مادة دسمة للإعلام، وقد خضعت هذه الحادثة الرهيبة لكثير من التحليلات الكم الأكبر منها مسيس، وخصوصاً من قبل اليمين المتطرف المتنامي في الغرب عموما ومنه الغرب الأمريكي، والذي أساس خطابه العداء للأجانب وتحديدا المسلمين والعرب، مما خلق نوعاً من الإسلاموفوبيا التي بدأت تتنامى مستفيدة مما يحدث في المنطقة، وخصوصاً تنامي نفوذ وقوة تنظيمات متطرفة مثل داعش والنصرة.

 

من الواضح إن ماقام به المدعو متين لم يكن بمحض الصدفة بل نتاج تخطيط وتصور مسبق، لكن ماهو غير واضح وبديهي الدافع وراء هذا الفعل الشنيع، رغم أنه بدى مطلق البداهة لدى التيار المعادي للمسلمين الذي استغل الحادثة لتقديم تفسير سياسي بعيد كل البعد عن الحقائق التي يقولها علم نفس الجريمة، و المؤسف أن يقع الإعلام الغربي وحتى غيره في هذا الفخ، وهو الذي نتوقع منه أن ينحى في تحليل الظواهر والأحداث منحىً موضوعياً  مبنياً على الحقيقة والحقيقة فقط،  فبقدر مايكون الحدث خطيراً بقدر ما يحتم تناوله بشكل دقيق وعلمي وموضوعي و محكم.

من وجهة نظري كطبيب نفسي فإنني نظرت للحادثة من الزاوية السيكيلوجية التي من الممكن أن تخبرنا بكل القصة، عندما سمعت بالحادثة للوهلة الأولى كنت شبه متيقن من دوافع الجريمة، وكان صادماً لي السطحية والإستعجال في تحليل دوافع القاتل، رغم أنها مجرد كونها موجهة ضد المثليين فإن ذلك يخبرنا الكثير عن إحتمال دوافع ذات منحى فردي وتتعلق بموقف فردي، فبغض النظر عن أصل الفاعل ودينه فكل ذلك بدى لي مجرد تفصيل غير مهم منذ اللحظة الأولى، كون الإستهداف كان ضد المثليين وبشكل مخطط ومقصود فهذا يدلّ على ميول القاتل نفسه وتكوين شخصيته، فمن منطلق تحليلي نفسي؛ فإنالأكثر عداءً وتطرفاً  ضد المثليين هم من يحملون نفس الميول المثلية،  ولكن بشكل مكبوت أمام مثال أخلاقي صارم تم تربيتهم عليه، وهذا الكبت الصارم عادة مبني على تنشئة محافظة من منطلق إجتماعي بالدرجة الأولى، وغالباً مايكون مشفوعاً ببعد ديني محافظ جداً أيضاً، مما يخلق شكلاً من أشكال الأنا الأعلى القاسي والصارم جداً والمتخم بالتابوهات من كل الأشكال الإجتماعية والدينية، فالأنا الأعلى -المثال الأخلاقي- يتطور ويبنى لدى البشر، وهو لاوعي بقدر كبير منه، وينتج عن إستبطان الفرد للمؤثرات الإجتماعية بكل أبعادها ومنها الديني طبعا، و يتأسس بناء الأنا الأعلى الأخلاقي أولاً من التربية الأسرية، والإجتماعية ثانيا، وهذا المثال الأخلاقي الصارم يحدد وبشكل قاسٍ مفهوم الممنوع والمحرم، ويكون عادة مقترناً بشحنة عاطفية كبيرة جداً، فعندما يصدف تطور ميول مثلية لدى طفل يعيش وينشأ بهكذا بيئة، يمكن عندها تصوّر حجم الرفض والقمع الذي يواجهه.

 

هذا يقود بالعادة لكبت هذه الميول باللاوعي، لكن هذا الكبت لا يكون الحل بل قد يكون بداية المشكلة، فالكبت هو آلية دفاع نفسي لاواعية، غايتها إزاحة هذه الميول من ساحة الوعي إلى ساحة اللاوعي بسبب رفضها من الأنا الأعلى أو المثل الاخلاقي الذي سبق ذكر ألية تشكله، لكن هذه الإزاحة والكبت لا تلغي بالعادة هذه الميول، فهي ستبقى فاعلة وتقود إلى تعقّد المشهد النفسي، وتشعل أوار صراع نفسي محتدم ينتج عنه شعور لا واعٍ بالذنب والعار من هذه الميول، مقترناً بإحتقار شديد للذات التي تحمل هذه الميول، مما يقود لشكل من أشكال إنشطارها وتشظيها، بين ميول موجودة وفاعلة ولو بشكل لاواعٍ، وبين الانا الأعلى الأخلاقي الذي يحتقر ويحرم هذه الميول، وهذه الحالة المأزقية إن لم تجد مخرجاً من خلال شكل من أشكال التصالح مع هذه الميول أو دمجها في البناء النفسي ،فإنها ستجد لها مخرجاً من خلال ألية دفاع نفسي تدعى الإسقاط، ويكون ذلك من خلال إسقاط ما يعتمل في اللاوعي من كره وإحتقار للذات -بسبب الميول المثلية- على الاخرين الذين يصرحون بهذه الميول ويقبلونها، مما يقود لشكل من أشكال السلام النفسي الهش والأعرج، وكأن الشخص يقول لنفسه أنا لست مثلياً بل أكثر من ذلك أنا أحتقر المثليين، وبالتالي هو يحتقر ما يحتقره في ذاته في الآخرين، و قد يعاقب الآخرين بدل معاقبة الذات على أمر يخصه هو  بالدرجة الأولى.

 

من خلال بعض المشاهدات السريرية لبعض الأشخاص ينتمون لثقافة شرقية قبلية ذكورية هاجروا لدول غربية، وبسبب الحرية المتاحة هناك فقد تعاملوا مع أجواء المثليين، مما شجع  الميول المثلية أن تتحرك لديهم ولو قليلاً، ولكن أمام صرامة الأنا الأعلى الأخلاقي المبني لديهم سلفاً، تطورت عندهم حالة من الإدانة الأخلاقية للمجتمعات الغربية، وإتهامها  -وبسبب الحرية التي تعطيها للمثليين بالتعبير عن ميولهم ونمط حياتهم- بأنها هي التي أوجدت مالم يكن موجوداً أصلاً من ميول مثلية لديهم، وهذا الأمر طبعاً غير صحيح،  فالتعامل مع المثليين والسماح لهم بأن يعيشوا نمط حياتهم الذي يختارونه، لا يشجع على المثلية كما يعتقد الكثيرون، فالميول المثلية تبدأ بالتشكّل باكراً في الطفولة، وهي أكثر تعقيداً مما يبدو، فاتهام الثقافة الغربية التي تتحلى بقدر كبيرمن إحترام حقوق للمثليين والسماح لهم بعيش نمط حياتهم، بأنها هي المسؤولة عن بداية شعورهم بهذه الميول هو محض وهم، فهذه الميول لو لم تكن موجودة أصلاً لم تكن لتظهر من خلال مشاهدة المثليين أو التعامل معهم وإحترام خصوصيتهم، وإلا  لأصبح كل من يعيش في المجتمعات الغربية مثلياً.

 

ماسبق ذكره يبدو لي أنه يتقاطع مع حالة عمر متين الذي إرتكب هذه الجريمة البشعة، فمن خلال كثير من الشهادات التي أشارت بقوة بأنه عاش شكلاً من أشكال الحياة المثلية التي أيقظت ميوله المكبوتة، ولكن هذا لم يقده لحالة قبول أو تصالح مع الذات، فقد أعاد تأجيج الصراع لديه وتسعيره إلى درجة لاتطاق، مما قاد -بتصوري الخاص- لأن يعاني من حالة من الإكتئاب الشديد مقترناً بإحتقار شديد للذات ونقص كبير بتقديرها، وهذا يقود عادة لرغبة مسيطرة بالإنتحار، فهو كان منتحراً قبل أن يكون قاتلاً، وهذا ليس دفاعاً عنه وتبرأة له من جريمه شنيعة ارتكبها، بل يضعه في مكانه الصحيح من التفسير المنطقي لمعرفة لم فعلَ ما فعل.

عمر مثله مثل حالات كثيرة معروفة وفي الولايات المتحدة تحديدًا من عمليات قتل شنيع مشابهة حتى من قبل طلاب مدارس، فبغض النظر عن نمط الضحايا،الأمر هو هو بكل الحالات، حالة من الإحباط الشديد تقود إلى إكتئاب كبير ورغبة راسخة بالإنتحار.

 

من جهة أخرى كلنا يعرف عن حوادث بنفس الدموية أو درجة الصدمة لأشخاص محبطين ومكتئبين قاموا بقتل أطفالهم وعائلاتهم ومن ثم الإنتحار، وما أستطيع إفتراضه بناء على كل الشرح التحليلي السابق بأن عمر متين لم يكن أكثر من شخص يعاني من إكتئاب ولديه رغبة حقيقية بالإنتحار نتيجة إضطراب نفسي شديد نابع من صراعاته مع ميوله التي لم يتمكن من التصالح معها او دمجها، فذاته كانت مشروخة وتتنازعها ميول وأحكام متافرة جداً.

وفيما يتعلق بكون مرتكب الجريمة مسلماً، فهذا ليس مهماً من وجهة نظري، فالموقف الديني الصارم من المثلية لايعدو كونه مخرجاً وحاملاً لصراع نفسي خاص جداً، وليس من المفارقة بأن نذكر أن موقف بعض المذاهب في اليهودية والمسيحية أكثر تطرفاً وقسوة من المثليين من الموقف الإسلامي، رغم تشاركها جميعاً برفض المثلية وبشكل قطعي، عدا بعض الإستثناءات القليلة في كل هذه الديانات، فمبدأ الطهرانية المطلقة هو المسيطر في الديانات الثلاث، وما يمكن أن نبني عليه مما سبق؛ أن البعد الشخصي هو الأساس بهذه الجريمة ولاشيء أخر، وما قام به عمر متين كان من الممكن أن يقوم به أي شخص مضطرب مثله وتعتمل بذاته نفس الصراعات، من أي دين أو عرق اخر حتى لو إستند على أي تفسير ديني.

 

في الختام يمكنني أن أدعي بأن هذا التفسير التحليلي السيكيولوجي ينتزع موضوع الجريمة من ساحة الإستثمار السياسي الرخيص، ويعيدها إلى حيث يجب أن تكون، أي مجرد عملية قتل مهما كان حجمها، حالها حال جرائم كثيرة معروفة للجميع، قام بها مضطربون مثلهم مثل متين، بل اكثر من ذلك؛ يشكل التفسير مسبوق الذكر إدانة للدرجة المؤسفة من التهافت العنصري وغير العاقل الذي وصلت له بعض الجهات والتيارات السياسية في الغرب، وطبعا لايغيب عن البال هنا في هذا المقام السيد دونالد ترامب المرشح الجمهوري لرئاسة أقوى دولة بالعالم.

 

التعليقات

تحليل منطقي ومفصل بشكل جيد. نحتاج فعلا لمن ينظر ويحلل هكذا احداث تحليلا نفسيا وسلوكيا منطقيا بعيدا عن السياسه والاقحامات التي تبنى على اساسدالمكاسب

علِّق

مقالات الكاتب