عدد القراءات: 12657

بين الاندماج والانسلاخ، فراس الشاطر؛ اللاجئ السوري الذي أبهر الألمان

 حاوره: السوري الجديد

تحرير: سعد فنصة

 

-  أحزن لمشاهدة بعض اللاجئين يسعون جاهدين لتغيير المجتمع الألماني وليس لتغيير أنفسهم

- على الألمان مساعدة اللاجئين في عملية الاندماج، وأول المهام المطلوبة هي عدم عزل اللاجئ عن الشعب الألماني ووضعه في "هاييم"

​- سأعود الى سورية.. فقط في حال كنت حراً 

   

ككثير من الشباب والنشطاء الذين أرادوا النجاة من المذبحة السورية، بعد أن تحولت ثورة الحرية والكرامة إلى حرب وحشية شاملة على البشر والحجر من طرف النظام السوري، وحرب أخرى على الفكر والتحرر من طرف بعض الكتائب المتطرفة، وصل إلى ألمانيا لاجئاً يحمل معه بقايا وطن.

هي فترة قصيرة فقط قبل أن يظهر فجأة في موطنه الجديد، إنما هذه المرة بحلّة مختلفة شكلاً ومضموناً، فيلفت أنظار المجتمع الألماني إليه كلاجئ سوري استطاع في فترة قصيرة ان يتقن لغة جديدة ويصل إلى قلوب أهلها عبر برنامج على اليوتوب أصبح حديث الآلاف من الألمان.

فيما اعتبر بعض السوريين ذلك انفلاتاً وانسلاخاً عن موطنه وثقافته وثورة شعبه.

بين الانسلاخ والاندماج. بين التمسّك والانطلاق، تحاور السوري الجديد فراس الشاطر.

 

البداية حكاية.. هل لنا أن نسمع حكايتك.. حدثنا عن ذاتك ونشأتك ودراستك، ثم تواجدك ونشاطك في الثورة.. ؟

إسمي فراس الشاطر من مواليد 1991.عائلتي من حمص، أما أنا فولدت في دمشق، وفيها كانت مدرستي الأولى ودراستي بمعهد للتمثيل بالإضافة الى المعهد السياحي.

قبل الثورة كان هدفي الاول اكمال دراستي واستخدام خشبة المسرح لتكون منبراً لي وللتعبير عما يجول بداخلي، لكن عند بدء الثورة إضطررت الى ترك دراستي وانخرطت في الثورة ولم أكن أعمل حينها.

كان نشاطي في الثورة مثل بقية النشطاء في التظاهر والغناء، ومنها تطور نشاطي إلى أعمال التوثيق والتصوير في قدسيا والهامة والزبداني، وتم اعتقالي لأربع مرات على فترات متقطّعة. غادرت بعدها دمشق الى الشمال السوري وصولاً إلى محافظتي الرقة ودير الزور، واستمر نشاطي في التظاهر والتصوير حتى اضطررت في النهاية إلى الهرب خارج البلاد كمعظم النشطاء، حينها عملت على تكملة الفيلم الذي كان يصوره تامر العوام والذي استشهد خلال القيام بتصويره.. فأكملت الفيلم بعده، وقدمت الى ألمانيا مع شركة الإنتاج لمتابعة عملية الـ Editing  للفيلم.

 

أنت من بين النشطاء التي أثيرت الشبهات حولهم وعن تعاونهم مع قوات أمن النظام السوري لتسليم زملائهم المطلوبين، حدثنا عن دلالات الأمر، ولم انتشرت مثل هذه الادعاءات؟

كما قلت لست لوحدي، للأسف الاتهامات توجهت لمعظم النشطاء في الثورة، وكلٌّ في شأن ما، ومن لم يتهم بالعمالة للنظام اتهم بالعمالة للسفارات والمخابرات الأجنبية أو المنظمات الممولة.

السبب أكبر لهذه الظاهرة لاعتقادي يعود لعدم معرفة النشطاء لبعضهم البعض قبل الثورة، وانعدام الثقة بينهم نوعاً ما بسبب الاختراقات الفعلية التي أحدثها النظام بين صفوفهم، ما جعله ينجح في إعادة بث مشاعر الشك والخوف الاي زرعها في داخلنا طيلة عقود، والتي بدأت تتلاشى خلال الثورة.

اليوم للأسف ما زلنا نتبع ذات الاسلوب ولو اختلفت جهة الاتهامات، إذ لم تعد تشمل العمالة للنظام، بل لأجندات أمريكية وصهيونية وروسية و..و..و.

فعندما تخالفني الرأي أنت عدوي، هكذا يعتقد الكثير من الناس، والمشكلة الاكبر أننا نتداول الأخبار دون التأكد من مصدرها.

بعض الأناس وجهوا هذه التهم لي فقط لانني اعتقلت وخرجت من المعتقل عدة مرات، ولكن ربما لو بقيت هناك او قتلت ستكون صورتي أفضل بنظرهم..!!

 

"سكر"  برنامج على YouTube بدأت به بحلقة فاجأت بها جماهير المتابعين، إذ يظهر شاب سوري لاجئ يتقن التحدث بالألمانية.. هل لك أن تفسر لنا كيف اتيح لك أن تتعلم الألمانية خلال فترة قصيرة نسبياً وأن تضيء للقارئ تجربتك الشخصية مع هذه اللغة التي تجرأت على التحدث بها أمام وسائل الإعلام بالرغم من الأخطاء التي قد ترد في حديثك كونها لغة جديدة كلياً في وقعها على أسماعك.

تعلم اللغة كان بالنسبة لي واجباً، فقد أدركت منذ البداية أن مرحلة بقائي هنا لن تكون قصيرة، ومفتاح أي بلد تعيش فيه هو اللغة.

الحكومة تقدّم لكل لاجئ كورسات مدفوعة تساعده على تعلم أساسيات وقواعد اللغة، ولكن تعلم لغة جديدة هو تماماً كتعلم النطق عند الاطفال، فإن لم تستمع وتتحدث كثيراً مع الالمان .. فسيكون من الصعب الاستمرار أو التواصل.

أما فكرة "سكر" فقد وردت كخاطرة عند متابعتي للإعلام الألماني، ولحظت كيف يتحدث عن قضايا اللاجئين دون التواصل معهم بشكل مباشر، وكان العائق اللغوي العامل الابرز في هذه القضية، وهذا ما حفزني خلال سنتين على تعلم اللغة الألمانية، وقد قررت الإنطلاق في المجال الذي عملت عليه في السابق وهو صناعة أفلام الفيديو، والعنوان الذي ضمّ هذه الفيديوهات كان باسم "سكر" وكانت تجربتي الاولى بعنوان (من هم الألمان)، وخلال أسبوعين حققّ الفيديو أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة على الفيسبوك واليوتيوب، وانطلقت حينها حملة إعلامية لفتت إليها أنظار الصحافة والتلفزة الألمانية والأوربية وحتى العالمية.. ومنها الـ BBC  والقنوات الأمريكية، وكتب عنها في الواشنطن بوست والغارديان والتايم،  ووصلت الى الإعلام الياباني والصيني إضافة الى التلفزة التركية والإيطالية.. كلّ ذلك كان حصل خلال وقت قصير ومفاجئ ولم يكن متوقعاً أومتخيلاً بالنسبة لي. فاق الزخم في الإنتشار والاهتمام كل حدود تصوراتي، وأصبحت فجأة تحت ضغط هائل أمام الميديا العالمية.

 

 

 حققت الحلقة الأولى نجاحاً منقطع النظير سيما في الصحافة الألمانية والعالمية كما ذكرت، وابتدأ الحديث عن ذلك الشاب الذي يتحدث الألمانية ويضع قرطاً في أذنيه وعلى شفته، وأنه لا يشبه اللاجئين الآخرين، سؤالي هنا من شقين..

1-  هل تقصدت ذلك لتقول أن اللاجئين السوريين متحضرون ومنفتحون.. بمعنى  هل كان ذلك ردة فعل على الصورة النمطية السلبية التي رسمت ضد اللاجئ من قبل الأحزاب اليمينية؟

2-  لماذا برأيك كانت كل تلك الحفاوة بالبرنامج في الوسط الألماني؟ هل لأنه ناجح إعداداً وتقديماً أم لأنه عرّف أكثر بقضية اللاجئين..؟

فيما يخص مظهري الخارجي وإختياري لملابسي أجدها مثل بقية الناس العاديين في هذا العالم.

أما ما يخصّ وجهي فهذا شأن يخصني وحدي، و بعض الناس يربطه في المجتمع الذي جئت منه باعتباره خروجاً عن المألوف.. وكأنهم لم يشاهدوا من قبل شاباً سورياً يضع وشماً أوقرطاً أو إشارة ما تعني صاحبها بالذات وليس أحداً آخر..كنت أضع حلقات للإذنين وأنا في سورية وأكررها الآن أمامك ببساطة (أنا هيك).

أدرك تماماً أن بعض الشرائح من الناس بثقافاتهم وأفكارهم لا يوافقون على مظهري.. فمثلاً كنت أستمع الى انتقادات من العرب والسوريين وهمو يقولون صراحة بأنني لا أمثلهم.. في الواقع أنا لم أطلب تمثيل أحد، بل عملت دائماً على أن اتحدث باسمي الشخصي وبما يمثله شكلي ومظهري.. ولكن لندع هذا الموضوع الشكلي، ولنتحدث في الأهم وهو جوهر عملي، أعتقد أن الحفاوة التي لقيتها في برامجي وأفلامي هو ما دفع الناس أنفسهم لمشاهدة كوميديان جديد بطريقة واقعية تسخر من مشاكلهم الحقيقية، ويبدوأنني جئت لأملأ فراغاً كانت ربما تفتقده أوتحتاجه التلفزة الألمانية، لذلك جاءت التجربة في محلها، ووجدت لها الداعمين والرعاة بعد شعورهم بأن إندماج اللاجئ يمكن أن يكون حقيقياً وعميقاً، إذا اتيح له الوقت الكافي للنجاح. وأخمّن أن هذا هوالسبب الرئيس الذي جعل من أفلام الفيديو التي أنتجها وأصورها تنجح وتسوّق بقوة.

 

 بالمحصلة هذه تجربة مميزة جداً بالاندماج . كيف يمكن للاجئيين السوريين في الاغتراب ان يندمجوا.. بالأحرى ماالذي يجب عليهم فعله أو تجنبه؟

كثيرون يتحدثون عن المجتمع الألماني أنه منغلق أو عنصري، ولكن للحقيقة لا يمكنك  التعميم على الشعوب، فأكثر من ٨٠ مليون مواطن ألماني يعيشون هنا، و كل شخص منهم له وجهة نظره في التعامل مع الأجانب، وربما حالفني الحظ أنني التقيت غالب الوقت باشخاص لطفاء.

بشكل عام كما ذكرت سابقاً، اللغة هي مفتاح للتعرف والانفتاح على مجتمع جديد، لذلك لن تفهم الواقع بشكل حقيقي قبل أن تتقن لغة البلد الذي تعيش فيه.

بالنسبة لموضوع الاندماج هي حالة يستقيم وضعها إذا كانت من طرفين، وأرى أن على الألمان مساعدة اللاجئين في عملية الاندماج، وأول المهام المطلوبة هي عدم عزل اللاجئ عن الشعب بوضعه في "هاييم" أو" مخيمات"، أو أن يستشعر صعوبة سكنه بحي ألماني، وكل هذا جزء يسير من مراحل تجربة الاندماج، وبالطبع تكمن المشكلة إذا كان الطرف المقابل أواللاجئ غير راغب بالاندماج في كثير من الأحيان، وبهذه الحالة  لا أحد قادر على مساعدته، وأأسف عندما أشاهد بعض السوريين هنا يسعون جاهدين لتغيير المجتمع الألماني بما يناسب ثقافاتهم وقناعاتهم وتجاربهم، بدل ان يندمجوا هم في مجتمع لديه تجربة حضارية ونهضوية مهمة ومميزة عالمياً.

أتلقى يومياً رسائل من شرائح متنوعة من الشعب الألماني بمن فيهم المعارضين لإستقبال اللاجئين يشكرونني على أعمال قمت بها، ويتمنون عليّ أن أكون ذلك المثال الذي يحتذى به للاجئين السوريين ليكون إحساسهم بالإطمئنان أفضل، ولا أقصد هنا المظهر الخارجي، فالشكل موضوع يخصني أنا وحدي كما أسلفت، إن كنت مقرطاً بأذناي أوموشوماً في جسدي، كل هذا ليس مهما، الأهم من وجهة نظري أن نقبل الآخر كما هو، لكن المعضلة ستبقى قائمة في مجتمعاتنا طالما أنت لست كما أريدك أن تكون، فأنت عدوي وعندما نتجاوز هذه المفاهيم المحبطة في الغاء الآخر، يمكننا أن نكون في حال أفضل من التفكير الواع لقضايانا.. ومشاكلنا.

على أية حال هذا ما أعمل عليه حالياً في كثير من الفيديوهات التي أنتجها حول قضية الاندماج تحديداً.

 

 

البعض يتهمك بأنك انصهرت كلياً في المجتمع الالماني ويتحدثون أنه لاتوجد لديك صدقات من الوسط العربي، كما انك لا تتحدث عن القضية السورية التي لجأت بسببها إلى ألمانيا وانشغلت بتسليط الضوء على أمور ثانوية. ماهو ردك على ما قيل وكتب عن تجربتك؟

سأجيب عن الشق الثاني من السؤال أولاً وبما انني يوم أمس تحديداً انتجت فيلماً تضامنياً مع حلب، وبعد عشرين ساعة على نشر هذا الفيديو كان هناك أكثر من مئة ألف مشاهدة. أنا أتحدث عن قضايا الثورة السورية ولكن ليس بصورة مكثفة، لأن الحديث الدائم حول ذات القضية يجعل فحوى ومعنى القضية يتلاشى بالتكرار والاعتياد.

اما بالنسبة للشق الأول من السؤال فذلك  ليس صحيحاً؛ لدي العديد من الصداقات مع الجالية العربية والسورية تحديداً، ولكن هناك ملاحظة سأحاول إيجازها بصراحة... للأسف أجد أن عقلية التخوين وعدم الثقة بالآخر هي السائدة في تعاملات كثير من السوريين معي. أنا مثلاً كشخص كما سبق وتحدثت تم اتهامي بالخيانة بالرغم من مشاركتي بالثورة، وتم وصمي بالتعامل مع النظام مثل أغلب الناشطين وإلحاقي بالعمالة له، وقد حذا البعض حذوهم بالابتعاد عني لمجرد شائعة أطلقها أحدهم، وأنا اقولها الآن أن كل هذا التشويه للآخر الذي قد يختلف عنا أو قد لا نحبه أحياناً مرده إلى ثقافة متجذرة لدى شرائح واسعة من السوريين تمت تغذيتها بقوة، ثقافة لم تكن مرئية بالمطلق في السابق. فعندما نكره أحداً ننسبه فوراً لعدونا لكن في الحقيقة لدي الكثير من الاصدقاء المقربين وهم -وإن اختلفنا- يدركون بحقيقة مشاعري تجاههم، وأنا أضمن محبتهم بالصداقة والمعرفة العميقة.

 

 

ما هوطموحك في ألمانيا على الصعيد الشخصي وإلى أين تريد أن تصل؟

بالنسبة لي.. انا الآن أحقق أولى التصورات التي أطمح إليها.. والأبعد هو دخولي إلى قطاع السينما الألمانية.

اجمالاً أنا راض ٍ حتى الآن عما حققته من إنتشار جماهيري خلال مدة وجيزة في المجتمع الالماني، وتعرض عليّ الآن عقود عمل طويلة الأجل لمسلسلات ألمانية، وهو الحلم الذي سعيت إليه وأجده يتحقق واقعياً الآن، وأشعر بالحزن العميق لانه لم يقدر لي تحقيقه في وطني سورية، إذ لم يكن لدي الواسطة الكافية لاختراق هذا المجال كما درجت العادة.

 

أخيرا…. وبكل صدق هل ستعود إلى سورية؟

عندما أشعر انني سأكون حراً في بلدي مثلما هو حالي الآن سأعود إلى سورية.

عندما أتمكن من تحقيق مشاريعي الفنية وأحلامي الفكرية المناهضة لاي جهة  دون ان يعتقلني شبيح او يستهدفني بالقتل والتعذيب لتقديمي قناعات مختلفة عن قناعاته.

سأعود الى سورية فقط في حال واحدة... إذا كنت حراً..

 

(سكر) الحلقة الأولى- من هم الألمان

علِّق

المنشورات: 106
القراءات: 1050099

مقالات الكاتب