بوسة اليد، وكيف وصلنا إلى مؤتمر الشيشان؟

 

في بيت صغير في حي الميدان بدمشق كان أحد شيوخ الصوفية يقيم مساء كل خميس مجلساً يحضره حوالي خمسين شخصاً لقراءة البردة (وهي من أشهر القصائد في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم ألفها محمد بن سعيد البوصيري في القرن الحادي عشر الميلادي).

ذات يوم كان الحضور بضعة أفراد فقط، والشخص الذي كان يطلب منّا في كل مرة أن نرفع صوتنا في الإنشاد لأقصى درجة صار اليوم يطلب منا أن نخفض صوتنا وننشد بهمس، ولما تساءلنا عن السبب تبين أن الأمن علم بهذا المجلس وتم استدعاء الشيخ وطلب منه إيقاف المجلس.

على الرغم من أن ذلك المجلس لم يكن منتدى سياسي ولا مركزاً لأنشطة سلمية بل ولا حتى ندوة لقراءة كتاب فكري أو إصلاحي إلا أنه أزعج السلطات الأمنية!!!.

 

لن أغرق اليوم في الدفاع عن التصوف والحديث عن بطولات المتصوفة كصلاح الدين الأيوبي وعبد الكريم الخطابي، ولا حتى في الهجوم على التصوف والحديث عما يسميه البعض ( بدع وخرافات الصوفية)، إنما الذي أرغب في الحديث عنه هو مناقشة هذه الظاهرة من وجهة نظر اجتماعية وسياسية، واقعية ومعاصرة.

من الواضح للعيان أن التصوف اليوم لم يعد تياراً فكرياً أو توجهاً عقائدياً بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية متشابكة، ففي كل يوم نتلقى على أجهزتنا الذكية عشرات الرسائل ذات المضمون الصوفي مثل: من قرأ سورة يس 41 مرة حقق الله له ما يريد، وحتى الظواهر الطبيعية العادية صارت تُقرأ - لدى البعض - بمضمون صوفي؛ مثل الغيوم التي تبدو على شكل لفظ الجلالة أو اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما على الصعيد العالمي فهاهو اليوم المؤتمر الذي انعقد مؤخراً في الشيشان تحت عنوان: "من هم أهل السنة والجماعة؟" تحت إشراف وحضور حصريين لمشايخ الصوفية.

في العالم العربي والإسلامي، ورغم كل الجهود التي تبذلها دول – وليس فقط مؤسسات وجماعات – لمواجهة التصوف إلا أنه يبقى أسرع أداة يمكنها أن تجمع أعداد كبيرة من الناس، والأهم من ذلك أن التصوف الحالي لم يقدم إلا مشروعات أشبه ما تكون بالمسكنّات التي ترخي الأعصاب ثم ترسل العقل والروح ليسبحان في عالم خيالي.

لذا فإن إقبال الناس على التصوف عادة ما تزداد وتيرته في وقت الأزمات والشدائد، فكثير من طلاب المدارس يلجؤون إلى أساليب صوفية كقراءة أذكار معينة اعتقاداً منهم أن ذلك يسهل عليهم اختبارات آخر السنة، أو البحث عن تفسيرات لما يشاهدونه من منامات على أمل أن يكشف لهم ذلك شيئاً من الغيب.

وعلى مستوى المجتمع أيضاً فإن الآلاف يتوجهون أفواجاً نحو زوايا الصوفية، ويتبعون إرشاداتهم بحذافيرها ظناً أن ذلك سيرفع اعتداء المعتدين عن البلاد، ولقد قرأ سكان دمشق صحيح البخاري مرتين على نية الفرج القريب؛ مرة في ظل الانتداب الفرنسي، ومرة في عام 2015.

في دمشق اليوم، وفي ظل الحرب التي لازالت شراراتها تحرق سكان العاصمة كل يوم، وتحت سقف حياة يومية مضنية تفتقر لأبسط مقومات الحياة كالماء والكهرباء والوقود، ومع غياب أية رؤية مستقبلية أو حتى خطوات لحل ممكن، تبدو المجالس الصوفية هي أفضل ما يمكن أن يلجأ إليه شاب حائر بين الهجرة والبقاء، أو شيخ ركبته المصائب، أو امرأة لا يعلم همّها إلا الذي خلقها.

 

في مجالس التصوف لا يُطلب من الحاضرين المثقلين بالهموم سوى تكرار بعض العبارات التي لا تتصل بما يعانيه المرء بشكل مباشر، بل هي عبارات تخفف وطأة المعاناة – نفسياً على الأقل – فعندما يكرر الشخص مع جماعة من الناس عبارة مثل: حسبي الله ونعم الوكيل، فإنه سيشعر بالثقة وبالأمل، وبأنه ليس هو الوحيد الذي تمسك به كلاليب الحياة، بل ربما ثمة من هم أسوأ منه بكثير.  

في كثير من الأحيان يتم إعفاء الحاضرين من هذا التكرار إذ تقوم فرقة من المنشدين بتولي المهمة بينما يكتفي الحضور بالاستماع إلى صوت جميل يرافقه أحياناً عزف هادئ، يعود بالنفس إلى قواعدها ساكنة مطمئنة، نعم ربما لا تستمر النفس على حالتها هذه إلا بضع ساعات، ولكن مع ذلك تبقى كافية لا سيما إن انفجرت العيون باكية، وفرّغت ما بداخلها.

قبل أن ينتهي المجلس، وفي تلك الحالة – التي تكون فيها النفس مستسلمة – يقوم الشيخ بقراءة الدعاء، وينفضّ الناس بعد أن يقبّلوا يده لتبقى صورته مربوطة في عقلهم مع تلك الحالة النفسية المريحة.

إذاً يشكل الشيخ محور المجلس الصوفي، ويستحيل أن يكون مجلس صوفي دون شيخ، بل في بعض الطرق الصوفية يقوم الشيخ بالتوجه (الجلوس وجهاً لوجه) بصورة فردية (وكأنها جلسة علاجية سريعة)  مع كل شخص حضر المجلس بعد أن يتم فرزهم إلى مريد جديد ومريد قديم.

في سوريا وخلال حقبة السبعينيات والثمانينيات تم استبعاد وتهميش المفكرين الدينيين الذين لا يملكون مشروعات ذات مضمون صوفي، بينما تم دعم وتشجيع من يملكون مشروعات صوفية، حتى صارت لديهم قاعدة شعبية كبيرة، مع الإبقاء على مفتاح التحكم بالصوت والصورة لدى الأمن فقط.

خلال أربعين عاماً أثبت التصوف – الحالي – أنه أنسب نشاط يمتص العاطفة الدينية لدى أعداد كبيرة من الناس دون أن يرشح عن ذلك الامتصاص أية آثار سلبية على النظام الحاكم، والأهم من ذلك أن طبيعة الطرق الصوفية المتمحورة حول ارتباط آلاف من الناس بشيخ واحد تسهل على النظام عملية السيطرة والضغط، فبدلاً من أن يتشتت النظام بين آلاف من الناس يكفيه أن يفاوض شيخاً واحداً ليحصل على ما يريد مع بوسة إيد.

 

لا أعتقد أن تلك التجربة – بين النظام السوري والتصوف – بعيدة عن الخلفية التي دفعت الشيشان اليوم – ومن وراءها روسيا بالطبع – إلى دعوة مئتين من شيوخ التصوف في العالم الإسلامي لمؤتمر مهمته :"وضع تعريف لأهل السنة والجماعة"!، وكأن (أهل السنة والجماعة) جماعة ضائعة تائهة، وأن ما يعانونه من قصف وتشرد ولجوء واعتقال وتهجير متوقف على "تعريف"!!!.

خلال عامي 2004-2011 نشط في العالم الإسلامي دعوات التقريب بين المذاهب الإسلامية، وخاصة بين السنة والشيعة، كما بدأت مؤتمرات الحوار بين الأديان، فهل يعقل اليوم عقد مؤتمر يقوم على وضع تعريف يقوم على تقسيم " السنة"؟!.

وفي ظل غياب مشايخ ورموز السلفية والتي ينتمي إليها ملايين من المسلمين، كيف يمكن أن نفهم وصية المؤتمر التي تنص على :" توجيه النصح للحكومات بضرورة دعم المؤسسات الدينية والمحاضن القائمة على المنهج الوسطي المعتدل، والتحذير من خطر اللعب على سياسية الموازنات وضرب الخطاب الديني ببعضه" ؟!.

 

ألا يستحق الصراع الذي سيعيشه شبابنا ومجتمعنا جراء مثل هذه المؤتمرات وما نجم عنها من توصيات وقرارات، وقفة أكثر وعياً، وتضحيات تتناسب مع من يعتبرون أنفسهم " ممثلين للإسلام"؟ أم أن السعي نحو الحفاظ على الطرق الصوفية، وتوسيع الدعم الذي تحظى به هذه الطرق ومؤسساتها هو همنا وهدفنا ؟!.

 

علِّق