No votes yet
عدد القراءات: 4859

بالخرائط؛ صعود وسقوط أوروبا - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Ishaan Tharoor and Laris Karklis
تاريخ النشر: 
20 حزيران (يونيو), 2016
اللغة الأصلية: 

 

سيكون لانسحاب البريطانيين من الاتحاد الاوروبي  تبعات مزلزلة، وبالتالي الخروج من تكتل الاتحاد الجيوسياسي؛ مما سيخلق هواجس كبيرة منها:

- هل سيؤدي خروج بريطانيا من عباءة الاتحاد الأوروبي إلى الانهيار الاقتصادي؟

- هل ستختار اسكتلندا التخلي عن بريطانيا التي فكت ارتباطها مع بروكسل؟ هل سيكون بمقدور بقية الدول الأوروبية البقاء ضمن هذا الاتحاد؟

إن السؤال الأخير هو بمثابة هاجس حقيقي  بالنسبة للبعض، حيث حذر وزير الخارجية الألماني قبل اسبوع من التصويت قائلاً: إن احتمال انسحاب المملكة المتحدة من شأنه أن يضع "العقود الطويلة من الجهد والاندماج الناجح لأوروبا في مَهَبِ "التفكك".

 

ماذا يعني خروج بريطانيا من الاتحاد؟

تاريخياً شكل الاتحاد الأوروبي اتحاداً فريداً من نوعه، لا سيما باحتضانه  للقيم الليبرالية والديمقراطية. حيث أبصر الاتحاد النور بعد قرون من الحروب وسفك الدماء، وجاء لتحقيق سلام طويل الأمد. اتحاداً فيدرالياً يضم دولاً أوروبية، وافق معظمها على فتح الحدود وتداول عملة موحدة فيما بينها. وتبدو الصورة أقل وردية الآن، نظراً للجذب المتنامي لسياسة التشكيك الأوروبية في أجزاء كثيرة من القارة، ليس أقلها في بريطانيا.

وبطبيعة الحال، فإن هذه هي المرة الأولى التي يتعثر أو ينهار فيها  مشروع سياسي قاري عَريق.  وتوثق الرسوم البيانية ووجهات النظر العالمية حوالي ألفي سنة من التاريخ الأوروبي من خلال بعض الإمبراطوريات والتحالفات الأكثر طموحاً.

 

الإمبراطورية الرومانية: 

في أوج قوتها، تمددت الإمبراطورية الرومانية وتوسعت من المستنقعات التي  تعصف بها الريح في شمال انجلترا إلى قفار صحراء سوريا. في ظل باكس رومانا، تم ربط أجزاء واسعة  من ما يعرف الآن بأوروبا بواسطة الطرق والبيروقراطية والسياسة. ويوجد نقوش في المعالم الأثرية والمعابد باللغة اللاتينية المشتركة في شتى أنحاء العالم.  كما انتشرت في أرجاء المعمورة طوائف تعبدُ آلهة الشرق - ميثرا، أو إيزيس على سبيل المثال. ويمكن لرجال ولدوا في دول مثل إسبانيا ودول البلقان أن يطمحوا للمجد والشهرة في روما.

كيف سيطرت المسيحية والإسلام على أنحاء العالم، في 90 ثانية

شَكَلت الإمبراطورية قوة قارية لم يكن لها مثيلُ من قبل، وحتى بعد انهيارها والفوضى التي أعقبت ذلك في القرن الخامس الميلادي، إلا أنه كان لها  بصماتها على مدى  كبير في مسار التاريخ الأوروبي.


 

مملكة شارلمان 814:


منذ انحسار روما، شهدت أوروبا الغربية ولادة أول كيان سياسي متكامل ، وذلك في ظل حكم أمراء الحرب الفرنجة شارلمان وأسلافه. هزم الفرنجة القبائل الجرمانية في غابات شرق نهر الراين واشتبكوا مع  جيوش المسلمين المندفعة  شمالا من اسبانيا. وانطلاقاً من عاصمته في آخن، "في ألمانيا اليوم، حكم شارلمان مملكة واسعة النطاق، وقيل أنها ضمت تحت لواءها عشرة أو عشرين مليون إنسان. تدخل شارلمان في السياسة البابوية مما أدى إلى تتويجه "إمبراطور الرومان" في كنيسة القديس بطرس في يوم الميلاد، AD 800 – "إعادة إحياء الإمبراطورية الرومانية في الغرب، قولاً، إن لم يكن فعلاً تلك الإمبراطورية التي  بقيت 1000 سنة . بعد وفاته سنة 814، تلاشت إمبراطورية شارلمان في أوساط  الفصائل المتنافسة، بيد أنه تم إنشاء الجغرافيا السياسية للكثير من دول أوروبا الغربية، بما في ذلك  ممالك فرنسا المميزة  ونظيراتها الموجودة في ألمانيا.

 

الإمبراطورية البيزنطية:

على الرغم من خُبو قوة روما في الغرب، إلا أن البيزنطيين حافظوا على شرعية الإمبراطورية في الشرق. وكانوا في عصرهم القوة الأعظم في البحر الأبيض المتوسط، وكذلك الحصن المنيع بين أراض يُطالَب بها بشكل مطرد في الإسلام والمسيحية في الغرب. كانت عاصمة البيزنطيين" القسطنطينية"، وهي تعرف الآن بـ اسطنبول، مركزا مزدهرا للفن  والتجارة وأهم معقلٍ للحكم المسيحي حتى سقوطها في أيدي مُحاصريها من العثمانيين  في 1453. ومع ذلك، فإن البيزنطيين الروم الأرثوذكس والذين يتحدثون اليونانية كانوا في كثير من الأحيان على خلاف مع الممالك في الغرب. في 1204، وقبل أكثر من قرنين من الزمان على سيطرة العثمانيين على القسطنطينية، عاثت جيوش الصليبين فساداً في المدينة  وانتهجت حملة وحشية  من الاغتصاب، والنهب والتدمير.

كتب أحد المؤرخين آنذاك: "سادت الجريمة بشتى أنواعها كلَ مكان..أه يا رب، ما أعظم آلام الرجال وما  أعظم هذه المحنة!".

 

ممالك النورمان:

كان النورمان أحفاد الغزاة الـ "فايكنغ" الذين أورثهم الملك في باريس -في القرن العاشر الميلادي- أرضاً ليستقروا فيها شمال فرنسا وهي تعرفُ اليوم باسم نورماندي. ولم يمض وقت طويل بعد ذلك حتى أنشئ أُمراء النورمان وبشكل انتهازي، الممالك في مختلف أنحاء القارة الأوروبية، حيث انتزع وليام الفاتح السيطرة على انكلترا في عام 1066، وبدورهم فقد حاصر أمراء النورمان مدينة أنطاكيا خلال الحملة الصليبية الأولى ثم بقوا لعقود طويلة في معاقلهم في الأرض المقدسة. وفي عام 1130، ومع الاعتراف البابوي، أشاد أحد الأمراء النورمان وهو حاكم صقلية، بالسيطرة على دول حوض المتوسط المتعددة اللغات والأديان والتي عاشت حوالي قرنين من الزمن.

 

الرابطة الهانزية:

مَثلت الرابطة الهانزية أول محاولة بدائية في أوروبا لتأسيس منطقة للتجارة الحرة حيث اجتمعت النقابات وعائلات تجارية قوية في شمال أوروبا فيما بينها لتشكيل الجمعيات التي كان من شأنها ربط مجموعة من المدن معا، تلك التي تركزت حول الموانئ الألمانية الأكثر تأثيرا على بحر البلطيق. وكانوا يتقاسمون القوانين المشتركة وعملوا في الدفاع المشترك أحياناً. وبين القرنين الثالث والخامس عشر، بلغت هذه الرابطة ذروتها، ثم ما لبثت أن  انهار احتكارها على التجارة وبناء السفن في المنطقة وسط تحولات مضطربة في أواخر القرون الوسطى في أوروبا، بما في ذلك الإصلاح البروتستانتي ونمو مراكز القوى المتنافسة في روسيا والسويد وما يُعرف الآن بـ "الأراضي المنخفضة" أو هولندا.

أوروبا الهابسبورغية في ظل الملك تشارلز الخامس:


كان تشارلز الخامس إمبراطوراً على الكثير، و وريث ثلاث سلالات أوروبية قوية ، حيث انتهى به الحال حاكماً لهابسبورغ في وسط أوروبا، وأجزاء من هولندا، والمناطق الأوروبية على حد سواء في اسبانيا بالإضافة إلى مستعمراتها الواسعة في الأمريكتين. وكان تشارلز دوق النمسا، الإمبراطور الروماني المقدس، وملك إسبانيا. ولد في  مدينة غنت، بلجيكا الآن، كما كان أوروبياً مثاليا ونسبت إليه إحدى النكات الشهيرة والتي تقول: " أتحدث الإسبانية مع الله، الإيطالية مع النساء والفرنسية مع الرجال والألمانية مع حِصاني".  تعثر حكمه بسبب حروب على جبهات متعددة، بما في ذلك معارك مع العثمانيين وفرنسا، وانتهى به المطاف إلى التنازل عن العرش في عام 1556 وتقاعد إلى الدير. تولى ابنه، فيليب حكم الإمبراطورية الإسبانية، في حين تولى شقيقه الأصغر فرديناند عباءة هابسبورغ في وسط أوروبا.

 

الكومنولث البولندي الليتواني:


الكومنولث البولندي الليتواني هو أكبر دولة أوروبية قَد تسمع بها في حياتك.  كانت في ذروتها عبارة عن  جمهورية ثنائية  حيث اندمجت مملكة بولندا مع دوقية ليتوانيا الكبرى و شملت  أيضاً أجزاء واسعة من ما هو الآن أوروبا الشرقية والوسطى، والتي تمتد من دول البلطيق وبولندا وروسيا البيضاء وأوكرانيا، توحدت فيما بينها، بدرجات متفاوتة، بين نهاية القرن ال14 وحتى نهاية القرن ال18. وتميزت بتسامحٍ ديني فاقَ العادة. حيث عاش 80 بالمائة من يهود العالم داخل حدودها لفترة من الزمن. هذا واعتبر بعض المؤرخين دستورها الصادر عام 1791، هو الأول من نوعه من حيث الحداثة، وهو عبارة عن وثيقة بروتو ديمقراطية تمت صياغتها  في أوروبا. وقد  جرى تقسيم الكومنولث واندرجت في نهاية المطاف من خلال التوسع في ثلاث إمبراطوريات متنافسة على حدودها هي روسيا وبروسيا هابسبورغ النمسا والمجر.

 

أوروبا العثمانية:

في عام 1683، تم  صد الجيش العثماني الجَرار على بوابات فيينا للمرة الثانية.هذا يعتبر الحصار الفاشل للعاصمة النمساوية لحظة حاسمة في التاريخ الأوروبي و مَثَلت معركة محورية  حاسمة كان من شأنها تحصين الممالك المسيحية ضد تقدم العثمانيين المسلمين.و لعدة قرون، وعلى الرغم من أن العثمانيين كانوا أوروبيين حالهم حال بقية الأوربيين حيث تم ملأ الجيوش و القيادة العليا بالمجندين الانكشاريين  الذين اعتنقوا  الدين المسيحي من مختلف أنحاء المنطقة الحدودية على طول البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. ناهيك عن أنه تم التخطيط للهجوم على فيينا بالتعاون مع  ملك فرنسا . كان العثمانيون وسطاء سلطة أوروبيين مثل أي إمبراطورية عظيمة أخرى. وبعد عدة قرون، أخذت المقاطعات الأوروبية في اسطنبول تتلاشى باطراد إلى أن  تم انحلال الإمبراطورية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

 

أوروبا في ظل حكم نابليون:


في شهر يونيو من عام 1812، قاد نابليون، الإمبراطور الفرنسي المتوج، جيشه العَرمرم. بنية غزو روسيا إلا أنه  كان من شأن كارثة هذه الحملة التي خلفت مئات الآلاف من القتلى أن تؤدي إلى تفكك فتوحاته عبر جزء كبير من أوروبا ونفيه لمدة قصيرة إلى جزيرة إلبا  في البحر المتوسط. في وقت سابق، وفي غضون أقل من عقد من الزمن، كان الجنرال الكورسيكي قد فاز بسلسلة مذهلة من المعارك التي أخضعت الكثير من أوروبا  إما لسيطرته المباشرة أو بالتحالف مع مصالحه.  ولم تشهد أوروبا مشروعاً توسعياً سريعاً كهذا حتى الحرب العالمية الثانية.

 

أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى:

جَسدت الحرب العالمية الأولى الصراع الذي أعقب عقود من التحالفات السرية و جاءت كمكيدة بين القوى الكبرى في القارة.حيث تنافس الحلف الثلاثي وهو اتفاقية دفاع بين كلاً من  بريطانيا وفرنسا وروسيا في وقت لاحق ،ضد مصالح ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية. وفي نهاية المطاف، دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب ضد أعداءها في روسيا وايطاليا وشاركت ورومانيا وصربيا إلى جانب الحلف الثلاثي في محاولة لتحدي النمساويين.


أوروبا النازية:


في أوج قوته،  سيطر الرايخ الثالث وحلفائه من دول المحور على جزء كبير من أوروبا امتدَ من فرنسا إلى المناطق الحدودية  مع الاتحاد السوفييتي الغارقة في الدماء. ومما زاد التوسع النازي ، رغبة أدولف هتلر بـ إيجاد "مجال حيوي"، أو مكان للعيش للعرق الجرماني. وحولت سائرَ القارة إلى مقبرة بشعة هلك على إثرها ملايين البشر.

 

اتحاد البينيلوكس:

وهو اتحاد سياسي واقتصادي ضم ثلاثة من الدول المتجاورة الصغيرة نسبيا وهي بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ .و سيضم هذا الاتحاد ألمانيا الغربية وفرنسا وإيطاليا لتشكيل جمعيات  الفحم والصلب الأوروبي تمهيدا للمنظمات التي من شأنها في نهاية المطاف أن تؤدي إلى تشكيل   الاتحاد الأوروبي. ويمكن أيضا أن يتم النظر بعملة الفرنك المشتركة بين بلجيكا ولوكسمبورج تمهيدا للعملة المشتركة من قبل منطقة اليورو.

 

حلف الناتو قبل انهيار الاتحاد السوفييتي:

قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت منظمة حلف شمال الأطلسي بمثابة التحالف العسكري الأسمى في الغرب كما أنها بقيت كذلك بعد زوال التهديد السوفييتي. جرى إعلان هذا الحلف كتحالف للديمقراطيات وجمع بدايةً بين دول التي لم يكن لها أي وزن من بينها الديكتاتوريات المناهضة للشيوعية في القرن العشرين في اليونان وتركيا.  إن احتمال استمرار توسع الناتو، والذي يشمل عدداً أكبر من الدول التي ظهرت على الخريطة أعلاه، يُقلق و يغضب موسكو إلى يومنا هذا.


الاتحاد الأوروبي المعاصر:

في هذه الأثناء  ينمو الاتحاد الأوروبي الذي أبصر النور رسميا في عام 1993، ويتوسع، ويبلغ عدد دوله اليوم 28 دولة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا  هل سيتقلص هذا العدد بعد تصويت بريطانيا ؟

 

*تم تحديث القصة مع خرائط جديدة.

 

علِّق