انهيار الستار الحديدي

قلنا في مقالات سابقة أن الاتحاد السوفيتي تأسس في عام 1922 وانهار في عام 1991. قدّم الاتحاد السوفيتي نموذجاً جديداً ومختلفاً للدولة، حيث كانت هذه الدولة الأولى في العالم التي ترفع شعار الاشتراكية وتبني اقتصادها وسياستها وكل برامجها على أساس اشتراكي. لكن مع انهيار هذه الدولة انهارت معها منظومتها الاشتراكية وأثبتت الرأسمالية التي بُنيت على أساس علاقات السوق أنها الأقدر على البقاء.

كان الاتحاد السوفيتي دولة في منتهى العظمة والجبروت، فقد كانت مساحته حوالي 24 مليون كيلو متر مربع وعدد سكانه حوالي 250 مليون نسمة. كان يملك جيشاً جراراً وأجهزة أمنٍ لا يجاريها أحد كجهاز كي جي بي. تميز الاتحاد السوفيتي في علوم الفضاء فقد أطلق أول رجل للفضاء وكانت لديه محطة فضائية يداوم على العمل والبقاء فيها رواد الفضاء لفترات قد تصل سنة أو أكثر ويتم فيما بعد تبديلهم في الفضاء.

 

اهتم الاتحاد السوفيتي بالصناعة الثقيلة وخاصة الأسلحة منها وكان ذلك على حساب الصناعات الأخرى لذلك مازالت الصناعات البسيطة والخفيفة والغذائية والنسيجية وغيرها متخلفة في روسيا حتى يومنا هذا ولم يستطع الروس تجاوز هذا الخطأ الذي ارتكبوه في الماضي. تملك روسيا الآن  أخطر الطائرات والصواريخ والغواصات لكنها لا تعرف أن تنتج علبة علكة و تفشل في إنتاج الملابس وما شابه ذلك. بنى الاتحاد السوفيتي مجده على الآخرين. فهذه المساحات الواسعة وعدد السكان الكبير ما كان له أن يكون لولا السياسة التوسعية التي اتبعها والتي أدت إلى جعله أضخم دولة في العالم.

http://users.erols.com/mwhite28/images/ussr1950.gifكنت ذكرت سابقاً أن التاريخ الروسي زاخر باحتلال الأراضي. عندما برز الاتحاد السوفيتي، احتل بأشكال مختلفة وبمسميات ما أنزل الله بها من سلطان 14 دولة. ضمت روسيا إليها كل من أوكرانيا، وبيلوروسيا، وأوزبكستان، وكازاخستان، وجورجيا، وأزربيجان، وليتفا، ومولدافيا، ولاتفيا، وقيرغيزيا، وطاجكستان، وأرمينيا، وتركمنستان، وإستونيا. بعد الحرب العالمية الثانية دخل الاتحاد السوفيتي في سباق تسلح مع الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الأمر أنهك الاقتصاد السوفيتي كثيراً وجعل الدولة تفضل السلاح والمخابرات والتجسس على تأمين لقمة العيش. فقد الناس الأمل بالمستقبل. لم يكن لدى الناس ما يطورون به حياتهم فرواتبهم كانت بالكاد تسد رمقهم من  البطاطا والجزر والملفوف.

لكن بالمقابل كانت سياسة الاتحاد السوفيتي تستند إلى تعبئة الجماهير وخلق العدو الذي يحفز الحشود ويبقيها مطواعة للقيادة. هذا الأمر مهم جداً. هذه السياسة بقيت حتى الآن، حيث يستخدمها بوتين الآن في كسب التأييد لسياسته وكانعكاس لهذا الأمر تجد صور بوتين الآن على الملابس والكؤوس والهدايا، وتجد الناس يقبلون على شرائها. أيضاً من الأمور التي بدأت زمن الاتحاد السوفيتي وبقيت مستمرة حتى الآن تذكير الناس دائماً بالحرب العالمية الثانية (تسمى في روسيا الحرب الوطنية العظمىوهذا أيضاً من باب التحشيد) وعرض الأفلام الحربية التي تصور بطولات السوفييت الخارقة الأسطورية مما يشد همم الناس ويجعلهم يشعرون بالعزة. كانت لي زيارة لروسيا منذ أشهر قليلة ولم أكن أتصور أن أجد هذه الظاهرة مازالت موجودة حتى الآن. تفتح الأقنية الروسية فلا يمر يوم إلا ويعرضون بطولات السوفييت في الحرب العالمية الثانية وتضحياتهم من أجل البشرية.

ولعل النظام السوري اقتبس هذه الناحية منهم في تحشيد الجماهير فمنظمات مثل طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة واتحاد الطلبة والمنظمات الأخرى ما هي إلا انعكاس للمنظمات السوفيتية التي تركز دائماً على الاستعداد لمواجهة للعدو الذي يتربص بالديار والبلاد. أعود إلى الاتحاد السوفيتي الذي كان يُحكم ظاهرياً بالديمقراطية الثورية والشعبية وفعلياً بالديكتاتورية. تعاقب على حكم الاتحاد السوفيتي 6 أشخاص على مدى 69 سنة. ستالين وخروتشوف وبريجنيف وأندروبوف وشيرنينكو وغورباتشوف. لم يستلم أحدهم السلطة من سلفه إلا بعد موته. في الحقيقة هناك اثنان من هؤلاء القادة لم يموتا وتركا السلطة عنوة، وهما خروتشوف وغورباتشوف. إذاً كان الحكم عملياً استبدادياً.

Coat of arms of the Soviet Union.svg

عند وصول رونالد ريغان إلى الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية في ثمانينيات القرن الماضي أطلق برنامج حرب النجوم المكلف جداً. اعترض الاتحاد السوفيتي وحاول أن يثني أمريكا عن مشروعها لكنه فشكل فكان لزاماً عليه أن ينافسها في هذا البرنامج. هذا الأمر أدى إلى إنهاك اقتصاد الاتحاد السوفيتي وضاق الناس ذرعاً بالحياة. في هذه الفترة كان الاتحاد السوفيتي غارقاً في وحول أفغانستان ومتورطاً في حرب لا نهاية لها. ضمن هذه الأجواء اعتلى كرسي الحكم ميخائيل غورباتشوف. فوجئ الناس بالزعيم الجديد لأنهم اعتادوا على أن يكون حاكمهم طاعناً في السن. رأوا رجلاً من نوع جديد، غير متقدم في العمر، لا يمشي كالأصنام بل على العكس يمشي بين الناس مع زوجته. طلب غورباتشوف من الناس تغيير حياتهم ونمط تفكيرهم. لم يتوانى الزعيم الجديد عن إطلاق برنامجه الجديد (البريسترويكا أو إعادة البناء). تضمنت سياسة

RIAN archive 850809 General Secretary of the CPSU CC M. Gorbachev (crop).jpg

غورباتشوف دمقرطة البلاد وإطلاق حرية الرأي والمحاسبة. لاحظ غورباتشوف أن الشعب الروسي ما يقبضه من مال ينفقه على المشروبات الكحولية فقرر محاربة هذه الظاهرة فرفع أسعار الخمور وحد من ساعات عمل محلات بيع الخمور. على الصعيد العالمي توجه رونالد ريغان إلى غورباتشوف بخطاب طالباً منه هدم جدار برلين، وقد تم ذلك ووقع هذه الجدار في عام 1989 وتوحدت ألمانيا. وتم إخراج القوات السوفيتية من ألمانيا ومن ثم من دول أوربا الشرقية الأخرى تشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وبلغاريا وبولندا ورومانيا. نعود إلى الاتحاد السوفيتي حيث يقول أنصار غورباتشوف أن خطأ هذا الرجل أنه أراد أن ينتهج سياسة متحضرة في دولة ليست متحضرة، وهذا كان مقتله. ألغت السلطات الرقابة على الصحافة وأعادت الجنسية إلى الأشخاص الذين حرموا منها، وأعلنت برنامج إعادة الاعتبار لضحايا القمع السياسي وأعادت المبعدين عن البلاد وكان من بينهم الأكاديمي المعروف زاخاروف.

في هذه الأجواء من الحرية بدأت تظهر في البلاد النعرات والصدامات القومية في كازاخستان وأرمينيا وأزربيجان واندلعت حرب حقيقية بين أجزاء البلد الواحد على منطقة ناغورني كاراباخ. في عام 1988 حصلت مذبحة في منطقة سومغايت راح ضحيتها مواطنون أرمن على أيدي الأزربيجانيين.  انتقلت الروح الديمقراطية إلى صفوف الحزب الشيوعي السوفيتي فظهر بين صفوفه جناحان، واحد ينادي بدمقرطة الحزب وإلغاء الاستئثار بالسلطة وجناح آخر محافظ طالب بشدة بالحفاظ على الإرث السياسي لنظام الحكم الاشتراكي. انتصر المحافظون وخسر الإصلاحيون. في عام 1989 حدثت صدامات مسلحة في تبليسي عاصمة جورجيا. في نفس العام قام الأوزبيك بارتكاب مذبحة بحق المواطنين من أصول تركية في منطقة فرغانسك. مع مرور الوقت شعر غورباتشوف أن البساط بدأ يُسحب من تحت قدميه. في عام 1990 حدثت في باكو عاصمة أزربيجان عملية عسكرية ذهب ضحيتها حوالي 100 شخص. في عام 1990 أعلنت روسيا الاشتراكية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي بيان سيادة روسيا وأفضلية التشريعات الروسية على مثيلاتها السوفيتية. في عام 1991 قمع الجيش السوفيتي محاولة بث تلفزيوني للجماعات الانفصالية في جمهوريات البلطيق التي كانت مستعمَرة من قِبَل الاتحاد السوفيتي. وافق مواطنو روسيا الاشتراكية التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي على خلق إيجاد منصب رئيس روسيا . هذا الأمر جعل السلطة في روسيا مزدوجة سوفيتية وروسية. بتاريخ 8/12/1991 اجتمع رؤوساء روسيا وبيلوروسيا وأوكرانيا وأعلنوا عن تشكيل اتحاد جديد (دول الرابطة المستقلة) أو (الكومنولث المستقل) وخروجهم من الاتحاد السوفيتي. لحقتهم بعد ذلك الجمهوريات الأخرى.

وبهذا الشكل انهارت الامبراطورية الحديدية. هناك أقوال واجتهادات كثيرة حول أسباب انهيار هذه الدولة العملاقة. في نهاية هذه المقالة يمكنني أن ألخص أسباب الانهيار بأسباب داخلية تتمحور حول وضع نظام اجتماعي واقتصادي لا يناسب الطبيعة البشرية. فتم منع اعتناق الأديان لكنه سُمح باعتناق الإيديولوجية الشيوعية. ومنعت الملكية الخاصة وفقد الناس الأمل في تطوير أنفسهم وأن يكون لهم شيء خاص بهم. كانت الدولة تنفق الأموال الطائلة من أجل نشر أفكارها الاشتراكية والشيوعية في الخارج. كانت الدولة تركز على الجيش وأجهزة المخابرات وتنفق جلّ أموالها عليها. كُممت الأفواه ومُنعت حرية الرأي وحظرت الأحزاب وأصبح نفي الناس إلى المناطق النائية أمراً عادياً. انتشر الفساد في البلاد في ظل حكم الحزب الواحد والديكتاتورية السياسية. هذه كلها أسباب داخلية ساعدت على انهيار الاتحاد السوفيتي. أما العوامل الخارجية فهي تتلخص في سباق التسلح الذي أنهك الاقتصاد السوفيتي والحرب في أفغانستان والعزلة الدولية التي كانت مفروضة على الاتحاد السوفيتي. ولا يخلو الأمر من الدسائس والمؤامرات والتي يقول أحدها أن وصول غورباتشوف  إلى السلطة كانت عملية مخابراتية محكمة أدت مهمتها بنجاح.                       

علِّق