No votes yet
عدد القراءات: 622

الولايات المتحدة تُسَلّح الأكراد؛ أعداءُ داعش و تركيا.. وأصدقاء الأسد

الكاتب الأصلي: 
MUHAMMAD NOOR
تاريخ النشر: 
22 آيار (مايو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة/ رودي سعيد

 

من سينقل الحرب إلى داعش في الرقة؟ تراهن واشنطن على الأكراد. لكن سجلّهم في المدن الأخرى التي دخلوها لم يكن سجلاً نظيفاً.

اقترب الرئيس دونالد ترامب هذا الأسبوع من هجومٍ شاملٍ على الرقة، عاصمة ما يُسمّى بالدولة الإسلامية، وذلك عندما وافق على تسليم الأسلحة الثقيلة للميليشيات التي يقودها الأكراد والعاملة في شمال سوريا. لكن حليفة الناتو تركيا عارضت بشدة هذا التحرك بسبب انتماء هذه الميليشيات للانفصاليين في حزب العمال الكردستاني (PKK) اللذين هم في حالة حرب مع تركيا بالفعل.

أما القضية الكبيرة الأخرى التي تهتم لها أنقرة فهي من سوف يسيطر على الرقة، المدينة التي كان تعداد سكانها حتى وقت قريب 200,000 نسمة، بعد طرد داعش منها.

 

في آب الماضي، عندما قام الطيران الأمريكي بتغطية جوية للأكراد لتمكينهم من السيطرة على بلدة منبج العربية، تولى حزب العمال الكردستاني مسؤولية إدارتها. لم يتمكن الصحفيون الدوليون من تسجيل ما حدث في منبج، لكن مواطناً صحفياً وهو محمد نور، روى لنا كيف قام حزب العمال الكردستاني، المصنف من قِبَلِ الولايات المتحدة وتركيا على أنه منظمة إرهابية، بوضع نظام يكرس التمييز العرقي، وفتح الطريق أمام نظام الأسد للعودة إلى منبج وتولي المناصب الرئيسة فيها.

هذه الرسالة جزء من مشروع يعتمد على الصحفيين من المواطنين لتصوير الحياة اليومية في مناطق الحرب التي لا يمكن للصحافة العالمية أن تصل إليها بسبب التهديدات التي تطلقها الأطراف المتحاربة، حتى إنَّ كاتب هذا التقرير يقوم بالكتابة الآن تحت اسمٍ مستعارٍ بهدف حماية نفسه. تقوم مؤسسة والتر وكارلا غولدشميت بتمويل المشروع الذي يقع مقره في مركز ماري كولفين للتقارير الدولية التابع لجامعة ستوني بروك. لقد قام روي غوتمان، المساهم في موقع الأخبار "ذا ديلي بيست" والمقيم في اسطنبول، بتحرير النص التالي:

"منبج، سوريا— عندما سيطر متطرفو الدولة الإسلامية على منبج قبل ثلاث سنوات، قاموا بإجبار السكان على الصلاة في المساجد، وأمروا النساء بارتداء الحجاب كما قاموا بقطع رؤوس خصومهم علناً أمام العامة.

ولكن، إن قمت بحضور دروسهم الدينية متقبلاً أحكامهم، فمن الممكن أن تحصل عندهم على عمل فتكسب ما يكفي لإعالة عائلتك."

لقد انقلب ذلك الوضعُ رأساً على عقب في آب/ أغسطس الماضي، وذلك عندما قامت قوات برية كردية بدعمٍ من القوى الجوية التابعة للولايات المتحدة بطرد داعش من منبج. لقد كان العرب من بين المقاتلين المنخرطين في صفوف ما يسمى بالقوات الديمقراطية السورية أو قوات الدفاع الذاتي، ولكن الأكراد الذين جاؤوا من خارج سوريا هم الذين أصبحوا فجأة أسيادنا الجدد.

 

وهكذا أصبح الأكراد المحليون، الذين يشكلون 10% من إجمالي عدد السكان البالغ 100,000 نسمة، أصحاب الطبقة الأولى. إنهم يسيطرون الآن على التجارة وهم يُعامَلون معاملةً خاصةً من قِبَلِ الشرطة. لقد تحولت الشعائر الدينية مئة وثمانين درجةً، وتم منع ممارسة المظاهر التقليدية مثل حَمل النساء على ارتداء الحجاب—وهذا ليس بموجب مرسوم بل بموجب الممارسة العملية. كان يتم اعتقال وتعذيب أي شخص يعترض. أعرف هذا من التجربة الشخصية.

منذ آب/ أيلول الماضي، استولى الأكراد القادمين من خارج سوريا على جميع المواقع الرئيسية في قوات الدفاع الذاتي وفي إدارة منبج -من حزب العمال الكردستاني (PKK). لقد أطلقنا عليهم اسم "القنديليون" كونهم تلقوا التدريب في جبال قنديل في العراق معقل حزب العمال الكردستاني الجبلي.

بإمكانك التعرف عليهم من خلال السيارات التي يقودونها، فقد تم تزيينها بصور عبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني القابع الآن في أحد السجون التركيةٍ قرب إسطنبول. هم لا يستخدمون أسماءهم الحقيقية؛ بل يعملون خلف الكواليس.

لا نخطئ إذا قلنا بأننا كنا سعداء لأننا تحررنا من داعش، لكن النظام الجديد أصبح ظالماً بحيث بدأ بعض العرب يتحدثون بصراحةٍ عن "أيام داعش القديمة والجيدة." لقد رأوا في السادة الأكراد الجدد مدمرين للنسيج الاجتماعي، ومُخَرّبين للعلاقات الطيبة التي سادت بين العرب والأكراد والتركمان لقرون عديدة.

كانت ثمانية أشهر كابوسية، كما أنّها لم تنتهِ بعد. فعندما هددت تركيا بالاستيلاء على منبج في شباط/ فبراير، سارعت الولايات المتحدة لمنعها من تنفيذ التهديد. واليوم، يحتفظ الجيش الأمريكي بقواتٍ له في منبج، ويقوم بزيارة البلدة بانتظام. وقامت روسيا أيضاً بزرع مقاتلين روس كقاعدة لها غرب منبج، بين القوات الكردية والقوات التركية، وهم يقومون أيضاً بزيارات منتظمة للبلدة.

 

قالت قوات سوريا الديمقراطية إنها سلمت السيطرة على منبج إلى النظام السوري، ثم سعت سوريا للسيطرة على المدينة. ولكن هذا ليس هو الواقع. فقوات "حرس الحدود" السورية تتكون من عرب من "قسد" وهُم يتلقون الأوامر من القيادة الكردية في منبج.

ولكن النظام كان موجوداً منذ الصيف. فبعد أن وصل الأكراد، سيطر النظام على المدارس ودفع رواتب موظفي الخدمة المدنية. وقد استخدم النظام أيضاً-وعلى نطاقٍ واسعٍ -الجهاز الأمني لحزب العمال الكردستاني (PKK) لتحقيق أهدافه السياسية.

لا يوجد أعلام سورية في الشوارع، باستثناء أعلام المجلس العسكري في منبج، وهو جبهة حزب العمال الكردستاني. لكن حزب البعث عاد؛ وعلى أي شخص يريد أن يصبح مسؤولاً في إحدى مدارسها أن يكون عضواً في هذا الحزب. طلاب المدارس يحملون بطاقات شخصية تحمل صورة بشار الأسد. وعاد أيضاً "يوم الحركة التصحيحية" احتفالاً بالانقلاب الذي جاء بعائلة الأسد إلى السلطة عام 1970. وقد تم الاحتفال به كعطلة وطنية للمدارس والدوائر الحكومية في السادس من نوفمبر/ تشرين الأول.

هذه إشاراتٌ بارزة لوجود نفوذ النظام. أما الأمن، فهو في قبضة وحدات الاستخبارات والشرطة الكردية، لكن معظم تصرفاتهم تقع في مصلحة النظام، وهم بكل تأكيد يتلقون الأوامر منه.

لو كان بإمكاني أن أصف منبج في عبارة، فسأطلق عليها لقب مدينة الأحلام. حيث تكمن أحلام الأكراد في السيطرة على المدينة وتأسيس دولة مستقلة على طول الحدود الشمالية لسوريا مع تركية، بينما يحلم النظام بإعادة كل البلاد تحت سيطرته. كما أن المتردين السوريين، اللذين كانوا يسيطرون على منبج منذ عام 2012 حتى سيطرة داعش عليها عام 2014، يحلمون بإعادة السيطرة عليها مرةً أُخرى. كل الأحلام متجهة إلى بوتقةٍ واحدة تتمثل في الولايات المتحدة التي تقرر وحدها أي حلمٍ من هذه الأحلام سيتحقق.

 

أما بالنسبة للسكان من عرب وكرد وتركمانستان، فحلمهم هو الحصول على مدينةٍ خاليةٍ من داعش وحزب العمال الكردستاني ومن ديكتاتورية الأسد.

ففي ظل حكم داعش، تتم ممارسة السلطة باسم الدين؛ وفي ظل حكم حزب العمال الكردستاني، تتم ممارسة السلطة باسم الأصل العرقي؛ فمنزلتك في التسلسل الهرمي للسلطة يعتمد على مدى قربك من الأكراد الحاكمين.

تحت حكم داعش، تَتِمُّ حماية الأبنية الحكومية، المرافق العامة والبنية التحتية لأن داعش تعتبر نفسها السلطة الشرعية. تقع منبج في منطقة زراعة الحبوب الرئيسية، وداعش لم تقم بتشغيل مطاحن الدقيق فحسب، بل قامت بتحسينها أيضاً.

أمّا في ظل حزب الاتحاد الديمقراطي (الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني)، فإن الوضع مختلف تماماً. فبعد معركة منبج، تم نقل 18 صومعة طحين من منبج إلى كوباني، المدينة الخاضعة للسيطرة الكردية شمال البلاد على الحدود التركية. كما تم أيضاً تفكيك مولدات الكهرباء وغيرها من المعدات وإزالتها. وقد اتَهَمَ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بعض أصحاب المصانع بأنهم موالون لداعش، فقاموا بتفكيك وسرقة مصانعهم وإفراغ مستودعاتهم.

لم تضايقنا فقط سرقاتهم وتجاوزاتهم، بل وأيضاً طريقتهم في الحكم. بإمكان أي شخصٍ يشارك في الحكومة أن يلاحظ مباشرة أن دورهم الأساسي هو إضفاء الشرعية على وجود الأكراد اللذين جاؤوا من خارج سوريا.

يوجد هيئتان أساسيتان تحكمان منبج: مجلس مدينة منبج، ويترأسه فاروق الماشي، والمجلس العسكري ويترأسه شِرفان درويش، كرديٌّ من منبج. ولكن الإثنين لا يملكان السلطة لاتخاذ القرارات. لقد هرب فاروق من منبج مع خمسمائة عائلةٍ عندما سيطرت داعش عام 2014، وقد أقام سنتين في تركيا. بينما هرب آخرون إلى مناطق يسيطر عليها المتمردون، وآخرون أيضاً هربوا إلى مناطق سيطرة النظام بدلاً من الاستسلام لداعش. لقد عاد ثلثا هذه العائلات على الأقل بعد أن سيطر الأكراد عليها. لكنهم أدركوا لدى وصولهم أن العرب شاركوا في النظام الحاكم في منبج لإعطاء الشرعية للأكراد الذين جاؤوا من خارج سوريا.

وفي وقتٍ مبكرٍ من هذا العام، قام المجلس المحليّ بمنح الإذن لمتطوعين عرب لفتح مكتب للهلال الأحمر العربي السوري، وهي منظمة إغاثةٍ شبه حكومية، عندما قام قائد من حزب العمال الكردستاني بالتدخل شخصياً ومرتدياً اللباس العسكري في القضية.

 

لقد استدعى هذا القائد —واسمه خليل— المتطوعين من قنديل إلى المجلس وقال لهم أنهم يستطيعون افتتاح مكتبٍ للهلال الأحمر الكردي فقط. ولدى إصرارهم على تنفيذ خطتهم، قال لهم: "سأبول على كل أعضاء المجلس المحلي." في بعض الأحيان، كان بمقدور النظام أن يكبح هذه التجاوزات. وقبيل بداية السنة الدراسية، قرر المكتب الفرعي لوزارة التعليم بالاتفاق مع الأكراد المحليين بالسماح للمدارس الخاصة بالافتتاح. لكن ممثل الأكراد، وبعد استشارة قنديل، أعطى حكمه بأن المدارس الخاصة غير نظامية وأرسل الشرطة العسكرية الأسايش إلى المكتب لإبلاغهم بالقرار. ولكن عندما افتتحت سلطات النظام المدارس في منتصف سبتمبر/ أيلول، أجازت الأسايش افتتاح المدارس الخاصة. الأسايش هم وجه واجهة حزب العمال الكردستاني الذين نراهم كل يوم، فهم من يُديرون نقاط التفتيش وهم من يعطون الأوامر للوحدات التي تكافح الجريمة والإرهاب. حوالي 30% منهم عرب، معظمهم أشخاصٌ عاطلين عن العمل. أما مكتب مرور الأسايش، ونصفه عرب والنصف الآخر أكراد، فهو المسؤول ليس فقط عن المرور، بل أيضاً عن فرض الضرائب على المركبات، وله السلطة في مصادرة السيارات من أي شخصٍ لا يستطيع أن يثبت أنه قام بدفع الضريبة. هنالك ازدواجيةٌ في المعايير: فلقد رأيت سائقين أكراد مرات ومرات وقد تم السماح لهم بالذهاب رغم أنهم لم يدفعوا الضرائب.

ينطبق هذا أيضاً على القانون والنظام. أنا أعرف جرائم قتل وجرائم اغتصاب وسرقات من العرب لم يتم التحقيق فيها أو البت في أمرها. وحالات قمع وحشيّ للحرية الدينية.

كانت القوة الحاكمة الحقيقية هي وحدات الاستخبارات، والتي كان يديرها قَنديليٌّ مخضرم اسمه الرفيق دليل. لقد كان هو الرجل الأقوى في منبج، وكان يتلقى المساعدات الكبرى من قنديل.

 

الأكراد في حالة حرب، وهدف وحدات الاستخبارات هو تأمين الدعم من أجل مصادرة أي أرض تحتلها داعش أو قوات المتمردين المناهضة للحكومة، سواء تلقوا الدعم من وكالة المخابرات المركزية أو من تركيا.

للمساعدة في هذه المهمة، قام أعضاء وحدات الاستخبارات بتوظيف السكان العاطلين عن العمل، بما فيهم أشخاص تورطوا من قبل في جرائم متنوعة، وذلك للعمل مع حزب الاتحاد الديمقراطي، الذراع الأيمن لحزب العمال الكردستاني. وتتلخص عملية جمع المعلومات الاستخباراتية في جزء كبير منها في استجواب السكان حول أصدقائهم أو أقاربهم في المناطق التي يسيطر عليها داعش أو قوات الثوار السوريين.

لدى الاستخبارات، وتُعرَف بهذا الاسم، فرع خاص اسمه "قوات مكافحة الإرهاب،" وهو الذي يقوم بتنفيذ الأوامر ويقوم بأعمال المداهمات ضد أي شخصٍ يمكن اتهامه بالانتماء لداعش.

لكن بعض الأشخاص اللذين يُلقَون في السجن بتهمة الارتباط بداعش لا علاقة لهم بداعش. كل من يُعرَفُ بمعارضته للنظام السوري يكون عرضةً للاعتقال، وكذلك الأمر بالنسبة لمن يرفض العمل معهم أو مع النظام. إن اشتبهوا بأحد أعضاء عائلةٍ ما بتأييده لداعش، فإنهم يُصدِرون الأوامر لكل أفراد العائلة بمغادرة المدينة. علاوةً على ذلك، هم يُوظّفون السكان المحليين للعمل لصالح استخبارات النظام.

لقد بلغ التعاون ذروته في منتصف ديسمبر/ كانون الأول، عندما بدأت الاستخبارات حملةً تستهدف كل من له قريب أو له أي اتصال فعلي مع قوات المتمردين. قاموا بارتداء ثياب وأقنعة سوداء وتّجوَّلوا في المدينة، ثم قاموا بإلقاء القبض على أكثر من 70 شخصاً. معظم هؤلاء المعتقلين كانوا ممن لديهم إخوة يقاتلون مع الجيش السوري الحر شمالي حلب.

لقد جلب وصول الأمريكيين بعض التحسن. فهم لا يتدخلون بالمدنيين، مع استثناء واحد فقط وهو الشيخ إبراهيم البناوي قائد أحد فصائل الجيش الحر الذي يحظى باحترام السكان العرب. لقد منحته علاقاته مع الأمريكان نفوذاً سياسياً، ولديه أيضاً سبعمائة مقاتل مسلح يقدمون الدعم له. لقد توسط البناوي أكثر من مرة لإيقاف حزب العمال الكردستاني عن إيذاء المدنيين العرب.

لكن ثمة المزيد من الأخبار الجيدة. فبعد وصول الأمريكان بوقتٍ قصيرٍ، تمّ نقل أسوأ الأشخاص القنديليين بمن فيهم رئيس الاستخبارات "دليل" إلى المعركة في الرقة.

نحن لا نفتقدهم، فلقد عانينا من ظلمهم بصمت.

لكن عندما يُنهي الأمريكان معركتهم ضد داعش في الرقة، لا نعرف من سيبقى لحمايتنا.

 

------------------------

الكاتب:

MUHAMMAD NOOR:اسم مستعار لمواطن صحفي من منبج يقوم بتغطية الأحداث ورصد الحياة العامة فيها تحت هذا الاسم بسبب الخوف من الاعتقال.

علِّق

المنشورات: 48
القراءات: 605638

مقالات المترجم