No votes yet
عدد القراءات: 740

النظام السوري يُقِرُ بوفاة مئات المعتقلين تحت التعذيب في سجونه

الكاتب الأصلي: 
Ben Hubbard-Karam Shoumali
تاريخ النشر: 
28 تموز (يوليو), 2018
اللغة الأصلية: 

الصورة:

" معتقلون سوريون أطلقَ سراحهم العام الماضي حيث اختفى عشرات الالاف من السوريين في سجون النظام مات منهم الكثير تحت التعذيب منذ اندلاع الثورة السورية قبل سبع سنوات". الصورة مأخوذة عن وكالة سانا عبر وكالة رويترز".

 

بيروت- لبنان:

إسلام دباس، طالب في كلية الهندسة اعتقلته قوات النظام السوري قبل سبع سنوات بتهمة التظاهر ضد النظام. زارت والدة دباس ابنها المعتقل مرتين ودفعت الرِشى كي تراه، غير أنه بعد ذلك لم تعد الزيارات أمراً مُتاحاً ، ومنذ ذلك الحين لم تسمع والدة دباس خبراً عن مصير ابنها.

بقيَ الغموضُ يكتنفُ مصير دباس لغاية الأسبوع الماضي حين تقدمَ أحد أقربائهِ بطلب للحصول على وثيقة تسجيلٍ حكومية. صًدم قريبُ دباس لأن الوثيقة أظهرت تاريخ وفاة الأخير يوم الخامس عشر من كانون الثاني/ يناير عام 2013.

وقالت هبة شقيقة دباس المقيمة في مصر:" لقد فُجعنا بخبر وفاة شقيقي وتمنينا لو أننا عَرفنا منذ بداية الأمر. لقد عشنا تارة بين الأمل وأخرى بين اليأس منذ اعتقاله حيث نالَت الشكَوك منا نصيبها."

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، علمت فجأةَ  مئات العائلات السورية أن أقاربها المفقودين إنما باتوا في عدادِ الموتى في سجلات النظام الذي لم يُعلق مسؤولوه عَلنياً على هذا الأمر أو على عدد الضحايا أو حتى أنهم لم يقدموا تفسيراتٍ لأسباب وفاة أولئك المفقودين.

وتبدو الوثائق أنها أول اعتراف علني من جانب النظام السوري بان المئات إن لم يكن الالاف من المعتقلين قَضوا في السجون السورية. ويرى محللون أن هذا التغير الكبير في الوضع الراهن يُظهرُ أن الرئيس بشار الأسد أصبح واثقاً بما فيه الكفاية من مسألة كسب الحرب والبقاء على رأس السلطة لدرجة أن بمقدورهِ الاعتراف بموت المعتقلين دون أن يخشى العواقب، مما يحثُ عوائل المفقودين على التثبت من أسوء هواجسها والعودة لبناء حياتها من جديد.

وقالت إيميلي هوكاين محللة شؤون الشرق الأوسط  في المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية: "يُغلق النظام السوري صفحةَ ويفتح أخرى جديدة  وكأن لسان حاله يقول للنشطاء والثائرين " لقد انتهى هذا الفصل من الحرب، نجحنا في تحطيم أيُ بقيةٍ من أمل في نفوسٍ الثائرين الذين مازالوا على قيد الحياة".

ونشرَ النظامُ في بعض البلداتِ أسماءَ من قضوا في سجونه بحيث يتسنى لذويهم الحصول على شهادات وفاة، بيد أنه وفي حالات أخرى حصلت عوائل المعتقلين على وثائق تشهد على وفاة أقربائهم، وفي حالات ثالثة, كان ضباط أمن النظام يخبرون العوائل بحادثة الوفاة شخصياً.

وتظهرُ كثير من الوثائق أن المعتقلين قَضوا منذً سنوات أي إبانَ مطلع الانتفاضة ضد نظام الأسد تلك التي ما لبثت أن تطورت إلى حربٍ أهليةٍ قاسية.

وتقول جماعات حقوق الإنسان أنه ومنذ اندلاع الصراع قبل سبع سنوات، غَيَبَ النظامُ عشرات الالاف من السوريين في السجون حيثُ أفضى التعذيب المفرط وسوء المعاملة إلى الموت في أحيانٍ كثيرة. واشتملَ المعتقلون على الثوار والمحتجين السياسيين، وغالباً ما كانت عوائلهم تتركُ وهي تصارع للحصول على معلومات حول مصير أبناءها.

" صورة للرئيس بشار الأسد وحسن نصر الله زعيم ميليشيا حزب الله اللبناني في العاصمة السورية دمشق عام 2014. تصوير سيرغي بوماريف لصحيفة النيويورك تايمز"

 

وترى جماعات حقوقية أن إشعارات وفاة المعتقلين الصادرة عن النظام حديثاً، هي إقرارُ ضمني من الأخير بأن الكثير من المعتقلين تُوفوا أو قُتِلوا في السجون السورية.

وهزمَ الرئيس الأسد  إلى حدٍ كبير الثوار الذين سعوا للإطاحة بحكمهِ، واستعادَ قبضتهَ على كثير من مساحة البلاد، وسعى نظام الأسد وحلفاءه الروس والإيرانيون لإظهار أن الحرب تقتربُ من نهايتها، وإن كشفَ مصير المفقودين في السجون لعوائلهم لربما يكون خطوة من النظام في سبيل أن تمضي البلادُ قُدُماً.

ويتركُ ربُ أُسرةٍ سوريةٍ أُسرتَهُ ضحية للإهمال الروتيني، إذ أنه من دون شهادة وفاتهِ مثلاً، لا يمكن لأرملتهُ التزوج من جديد كما لا يمكن لأولاده بيعَ ممتلكاتٍ أو معالجةَ قضايا الميراث.

وفي الوقت الذي يُسَهِلُ فيه الاعتراف بوفاة المعتقلين من معاملاتٍ كهذه، إلا أنه يشكُك الكثيرين بتَقَبُلِ عوائل المعتقلين لأخبار وفاة أبناءهم بهذه السهولة وخصوصاً إذا ما حَمَلوا النظام السوري مسؤولية موتِ أعزاءَهم.

وقالت سارة كيالي الباحثة في شؤون حقوق الإنسان:" من الصعبِ أن تمضي قُدماً وأنتَ تجدُ أن المسؤولين عن عمليات الاختفاء القسري الجماعية مازالوا موجودين في مناصبهم وإنكَ لترى هؤلاء المسئولين وجهاً لوجه وهذا أمر يصعبُ تجاهلهُ لزمنٍ طويل."

ولا توفرُ الوثائق الصادرة عن النظام أي تفاصيل حول وفاة المعتقلين باستثناء تاريخ الوفاة، حيث أنه هناك الكثير من العوائل التي تريد أن تعرف كيف مات أعزاءها وأين هي جثثهم اليوم.

اعتقلت قوات النظام السوري الأخوين يحيى ومحمد شربجي خلال يومٍ واحد من شهر أيلول /سبتمبر عام 2011، هذا ما قاله عبيدة ابن محمد شربجي، بيد أنهُ ومع انزلاق الثورة إلى أتون الحرب ونزوحِ أقارب الأخوين شربجي إلى مناطق سوريةٍ أخرى أو حتى هجرتهم  خارج البلاد، فقدَ أقاربُ المعتقَلَينَ أثَرَهُما ومكان احتجازِهِما.

وخلال الشهر الحالي، سمع أقارب الأخوين المقيمين في دمشق أن تواريخ الوفاة بدأت تظهر مُرفقةَ مع أوراق التسجيل حول الحصول على معلومات بخصوص المفقودين، وبناءً عليهِ طلب الأقاربُ وثائقً حول تاريخ وفاة الأخوين شربجي واكتشفوا أن يحيى كان قد تُوفيَ شهر شباط/ فبراير من العام 2013، بينما تُوفي محمد شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام ذاته. ولم تظهر الوثائق أي سببٍ للوفاة كما لم تعرف عائلة شربجي أين هي جثث ابنيها اليوم.

وقالت بيان شقيقةُ الأخوين شربجي التي تعيش في ليدز البريطانية:" أعجَزُ عن وصف صدمتي, ما اقسى أن تقتلُ أناساً وتحرم عوائلهم من أن يلقوا عليهم نظرة الوداع الأخير, ما أقسى أن تُنكرَ على الضحايا حقهم في توديعِ عوائلهم.!"

وتظلُ غيرُ واضحةٍ هي أعدادُ  المعتقلين الذين تم تسجيلهم في عداد الموتى مُؤخراً. وتكرهُ الكثير من العوائل السورية مناقشة مصير أبناءها المعتقلين خوفاً من عقوباتٍ قد يفرضها النظام عليهم.

" اثارُ التعذيب باديةُ على ظهر أحد المعتقلين بعد الافراج عنه من سجون النظام السوري في حلب عام 2012." تصوير جيمس لولر دوغان لوكالة فرانس برس.

 

وقال فاضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان- جماعة مراقبة تعارضُ النظام وتعمل من المنفى- أن الشبكة وثقت وأكدت 312 حالة جديدة لمعتقلين تم الإعلان عن وفاتهم.

وليست هذه الحالات الـ312 إلا جزءاً يسيراً من أكثر من 80 ألف معتقل في سجون النظام السوري يقولُ عبد الغني أن جماعتهُ وثقتهم، ولهذا فإن عبد الغني يتوقع الإعلان عن المزيد والمزيد من الأسماء بمرور الزمن.

ويعتقدُ عبد الغني أن الإعلان عن وفاة المعتقلين  جاء في هذا التوقيت تحديداً لأن النظام السوري باتَ يشعرُ بقدرٍ كافٍ من الأمان ليخبر من وقفَ ضدهُ من السوريين أن أقاربهم المعتقلين تَحولوا جُثثاً في السجون.

وقال عبد الغني:" يريد النظام السوري أن يقول للسوريين عليكم أن تقبلونني كما أنا, لقد انتصرت ولا يمكنكم فعل شيءٍ حيال ذلك."

وقد أدى نقص المعلومات إلى إرباك الكثير من العوائل التي راحت تتساءل عن مدى دقة الوثائق الصادرة عن النظام.

وتبرزُ هنا قضية نيراز سعيد المصور الذي عاش في مخيم للاجئين الفلسطينيين في العاصمة السورية دمشق. فاز سعيد بجائزة من الأمم المتحدة عام 2014 لتوثيقه الحياة اليومية في المخيم، بيد أن الأهم من ذلك كله هو أن سعيد كان قد فُقِدَ منذ العام 2015.

و مع تطور الحرب، سيطر المتطرفون على المخيم الذي عاش فيد سعيد قبل أن يخضع للحصار من جانب النظام السوري الذي جَوعَ سكان المخيم.

في عام 2015, دفع سعيد مبلغاً من المال لأحد المهربين لقاء إخراجه من المخيم، بيد أن قوات النظام السوري اعتقلتهُ قبل أن يتمكن من المغادرة. هذا ما قالته لميس الخطيب زوجة سعيد باتصال هاتفي من ألمانيا جرى هذا الأسبوع.

وتمكنت والدة سعيد من زيارته لمرة واحدة فقط بعد اعتقاله بعام واكتشفت أنهُ أصبح هزيلاً وبنيته ضعيفةَ للغاية. وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي ترى فيها العائلة ابنها المعتقل.  

وفي هذا الشهر، أخبر أحد ضباطِ أمن النظام ويعرفُ عائلة سعيد بوفاةِ ابنهم، غير أن عائلة سعيد لم تتمكن بعد من استخراج شهادة وفاته. وإذا ما كان الهدف من هذا الإبلاغ هو مساعدة السيدة لميس الحطيب, فإن الأخيرة لم تحظى إلا بقليل من العزاء.

وكتبت زوجة سعيد على حسابها في فيسبوك قائلة:" ليس هناك أصعب من كتابة كلماتٍ كهذه، لكن نيراز لن يموتَ بصمت... لقد قتلوا زوجي حبيبي."

 

-------------------------

الكاتب:

بين هوبارد: مراسل صحيفة النييورك تايمز في الشرق الأوسط. يجيد عربارد تحدث العربية إذ أنه كان قد أمضى أكثر من عقد في الشرق الأوسط. غَطى هربارد الانقلابات والحروب الاهلية والاحتجاجات والجماعات الجهادية والدين والثقافة الشعبية في عشراتٍ من دول الشرق الأوسط بما فيها سوريا والعراق ولبنان والسعودية وتركيا ومصر واليمن

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 689203

مقالات المترجم