Your rating: لا يوجد (1 vote)
عدد القراءات: 1457

النخبة المستقبلية لسوريا .. الدراسة في كونستانس

الكاتب الأصلي: 
Roland Preuß
تاريخ النشر: 
7 تموز (يوليو), 2017
اللغة الأصلية: 

الصورة: أكاديميون في مسيرة البطة: يجب على قادة المستقبل بناء الثقة (الصورة: رولان برويس).

 

يدرس في أحد البرامج الدراسية هناك أكثر من 200 سوري. زيارة للناس الممزقين.. تماما مثل كامل وطنهم.

 

على الرغم من كل محاسن هذه المدينة.. القلعة القديمة التي تعلو عن كل ما حولها.. والبازار الأسطوري، الليالي الدافئة في شوارع المدينة العتيقة. لم تكن هناك حياة في حلب.

هناك حيث أراد الشقيق الأكبر لأسامة مكانسي الانتقال من طرف إلى آخر في المدينة.. حيث أصبح الشرق منفصلا عن الغرب في حلب في عام  2012، بعد بدء القتال الذي قسم سوريا. أدركته رصاصة في الحد الفاصل وتوفي عن عمر يناهز الخامسة والعشرين عاما.

بعد ذلك بعامين، سافر الأخ الأصغر لأسامة من تركيا باتجاه الوطن.. لكنه لم يصل. فقد أوقفه أفراد من -ما يسمى- الدولة الإسلامية في شمال سوريا على طريق حلب وقاموا باعتقاله. سمح التنظيم لعائلته بزيارته مرة واحدة، ثم انقطعت أخباره. لقد حدث هذا قبل سنوات.

في هذا اليوم يجلس أسامة مكانسي في مجمع جامعة كونستانس الذي صمم من الخرسان والفولاذ والزجاج. إن من يجلس على المقعد الخشبي المنتصب أمام النافذة يستطيع أن يشاهد المرج المنبسط أمام الجامعة الذي تفتحت فوقه أزهار الهندباء.

"لقد كان هذا صعبا بالنسبة لي"، كما يقول أسامة بلغة انجليزية ممتازة، "ولكن يجب علينا الآن أن نجد مخرجا". لا يوجد حقد ولا رغبة في الانتقام، فقط الإنهاك يبدو واضحا في صوته. ولكن يوجد أيضا هذا التوتر الأساسي للناس الذين يدركون بأن هناك شيئاً يجب مراعاته باستمرار، إذ أن الحياة يمكن أن تسوء بشكل فظيع .

إن ما يفكر به أسامة مكانسي حول عدم الرغبة بالانتقام يعد أمرا مهما لأن الطالب في مجال تقنية المعلومات البالغ من العمر 26 عاما يعد واحدا من بين أكثر من 200 أكاديمي من سوريا الذين سوف يتم تأهيلهم في كونستانس كنخبة مستقبلية لبلادهم. هذا البرنامج يجمع الطلبة المتفوقين من جميع مناطق البلاد معا، عربا وكردا، ومنهم من ينحدر من أصل أرمني.. منهم المسلم والمسيحي واللاأدري، بعضهم من يرى أن بشار الأسد حاكم جيد، والبعض يقف في صف المعارضة. لكن ما يوحدهم هو أنهم يريدون بناء سوريا مرة أخرى. ووفقا لفولفغانغ زايبل، الرئيس الروحي لهذا البرنامج المسمى بـ "الوفاق"، يمكن إدراك الصعوبات التي تواجه تحقيق السلام وإعادة الإعمار.

تقدر وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه منذ بداية الانتفاضة في سوريا قد اضطر ما يقرب من نصف السكان  منذ عام 2011  إلى الفرار. وأكثر من خمسة ملايين سوري يعيشون الآن في بلدان الجوار. وقد طلب 6.3 مليون الحماية منذ بدء الحرب الأهلية في البلاد. الكثير من اللاجئين قد تلقوا تعليما جيدا. إذ أنهم ينحدرون من عائلات ثرية والتي تكفلت بدفع التكاليف الباهظة لرحلة اللجوء.

 

"قد يكون من السذاجة التفكير بتعليم الديمقراطية"

إن فولفغانغ زايبل أستاذ في السياسة والإدارة العامة في كونستانس، وقد كتب عن الفشل الإداري وكيفية تنظيم بعثات حفظ السلام للأمم المتحدة. لقد وقع الاختيار عليه حين أطلقت وزارة الخارجية ومنظمة التبادل الأكاديمي الألمانية (DAAD) برنامجا لتدريب السوريين كنخبة مستقبلية للبلاد. ماذا يعني "تأهيل النخبة"؟ هل يعني ذلك تشكيل مجموعة من السياسيين الذين سيناط بهم مهمة تحويل سوريا، بعد عقود من الدكتاتورية القاسية، إلى ديمقراطية على النمط الغربي؟

يقول فولفغانغ زايبل "قد يكون من السذاجة التفكير بتعليم الديمقراطية". إن هذا لم ينجح قبل ذلك في العراق. إن أكثر شيء يشغل بال زايبل هو ما سيحدث لمنطقة الصراع حين يهاجر المؤهلون منها.. بالتأكيد سوف يزداد الوضع سوءاً في البلاد. يقول زايبل "يجب أن نمنع" هجرة الأدمغة من العلماء.

لقد كانت سوريا البلد الذي يملك، على الرغم من الدكتاتورية، مدارس وجامعات فعالة. لا يوجد في سوريا الكثير من النفط، وتحتاج إلى المتعلمين وخاصة أولئك الذين يمكن أن يلعبوا دورا قياديا في المستقبل. لذا يعد برنامج جامعة كونستانس برنامجا فريدا من نوعه على مستوى العالم. وإذا تعلم ما يقرب من 220 مشاركا ما الذي يحققه المجتمع الديمقراطي الدستوري - "يكون قد حقق البرنامج النجاح"، كما يقول زايبل، ويضيف "نريد أن نتيح للناس أن يصلوا إلى شيء ما.. ويمكن أن يكون هذا الشيء هو الديمقراطية."

 

"لا يمكن للناس أن يتحدثوا بصراحة عن صراعاتهم"

لقد تقدم إلى هذا البرنامج 5000 من الجامعيين. وهم طلاب من سوريا نفسها، أو من الدول المجاورة أو من الناس الذين كانوا قد وصلوا بالفعل إلى ألمانيا والذين شردتهم الحرب الأهلية.

بالكاد يوجد لاجئون في كونستانس. إن حرم جامعة كونستانس ممتلئ هذا الصباح بالشبان الذين يرتدون قمصانا مكوية ويضعون نظارات طبية عصرية، والشابات اللاتي يرتدين الجينز ويملكن شعرا طويلا، وبعضهن يضعن الحجاب.

وكما يقول كريستيان هولزهوستر رئيس برنامج المنح الدراسية " DAAD" : بالطبع إن مسألة تشكيل النخبة التي يمكن أن تساعد في يوم ما على إعادة إعمار البلاد. و يستدرك قائلا "لكن من غير المنطقي أن نفرض ذلك على الحاصلين على المنحة". ففي عملية دراسة طلبات المشاركة في هذا البرنامج لم يتم السؤال عن خطط العودة إلى الوطن.

لقد درس أسامة في حلب لكنه لم يستطع المتابعة، يقول: "لا يمكن للناس أن يتحدثوا بصراحة عن صراعاتهم". ذهب إلى تركيا حيث عمل هناك وحصل قبل عامين على قبول دراسي في فرايبورغ في مجال تقنية المعلومات. لقد كان حلم طفولته هو الحياة في الخارج، وكان في ذلك الوقت من مشجعي نادي بايرن ميونيخ لكرة القدم. لكنه لم يكن يتوقع أن يتحقق حلمه الآن بسبب الحرب في وطنه. يقول أسامة "بالطبع سوف أعود إلى حلب إن تم تسوية كل شيء". هناك ما زالت تعيش أسرته، أو بالأحرى ما تبقى من أسرته. في الجزء الغربي من المدينة الذي تسيطر عليه القوات التابعة لنظام الأسد، والذي كان قبل سيطرة قوات النظام، وفي أثناء المعارك أكثر أمنا بقليل من الجزء الشرقي الذي كان تحت سيطرة قوات المعارضة. لا يزال أسامة قلقا على عائلته التي تأمل لنجلها أن يحقق آفاقا مستقبلية في ألمانيا الغنية. لا يستطيع أسامة أن يزور والده ووالدته وأخوته نظرا لما يترتب عليه ذلك من خطورة.

لقد وصل أسامة في وقت يشبه ذلك الوقت الذي شهد تدفق العمال المهاجرين

 

يجتهد هذا الابن على تثبيت قدمه في ألمانيا، ويواظب على الدراسة في برنامج تأهيل النخبة. يدرس أسامة الماجستير في تقنية المعلومات، وعندما يحصل عليه سوف يحصل على العديد من الفرص في الشركات الألمانية التي تبحث على خبراء في هذا المجال. لقد تزوج مؤخرا من شابة سورية  انتقلت إلى ألمانيا. وهو يعيش الآن معها في فرايبورغ، مدينة الطلاب والمعروفة بالانفتاح على الأجانب. إن الحياة هنا مختلفة عما هي عليه في سوريا. يشعر أسامة بالقبول ويمني النفس بالحصول على الدكتوراه وممارسة الأبحاث في الجامعة .

يقول "أحلم بالاندماج في المجتمع الألماني". وبشأن العودة يقول: "في السنوات الست من الحرب في سوريا تسربت الكراهية إلى نفوس الناس هناك.. سوف أعود حين يعود الوضع إلى ما كان عليه من قبل".

إن هذا يبدو مثلما حصل مع العمال المهاجرين الذين جاءوا لألمانيا حيث كانوا يتحدثون عن العودة بعد عام من وصولهم. ولكن بعد ذلك صدرت القوانين التي تزيد أجورهم، وحصل انقلاب عسكري في بلدهم تركيا وطغى استبداد المسؤولين هناك. فظهرت بذلك أسباب جديدة تبرر البقاء في ألمانيا لذا بقي الكثيرون.

 

أما الهدف المثالي لباسل أيوب بعد إنجاز هذا البرنامج يتلخص بقوله  "أريد أن أعمل لاحقا  في منظمات التنمية التي تهدف لإعمار الدول الفقيرة". يدرس الشاب البالغ 26 عاماً إدارة وتكنولوجيا المياه في جامعة دويسبورغ- إيسن، نستطيع أن ندرك مدى سعادته بذلك، يمكن القول بأنه شاب محظوظ مقارنة مع 99 في المئة من مواطنيه السوريين. إنه قادم من منطقة فقيرة في وسط سوريا، ويعلم تماما ماذا يعني التخلف، انعدام الطرق وأنابيب المياه، وخدمة الكهرباء السيئة. "إن تحقيق التنمية، يمكننا من تجنب الصراع". لقد كان أيوب يفكر في العمل في بلد أجنبي، لكنه سوف يكون مفيدا لوطنه في المستقبل. لكن متى؟ يقول أيوب في هذا السياق "إنه لا جدوى من بناء نظام إمدادات المياه في هذا الوقت.. حيث ستتعرض للتدمير". يعتقد بأن هذه الحرب سوف تنتهي ويعم السلام بلاده.. يتوقع أن يتم ذلك بعد خمس إلى عشر سنوات من الآن. وإلى أن يتحقق ذلك يتصور أيوب حياته هنا في المانيا كموظف في المرافق العامة أو في مكتب هندسي. إنه ينطق هذه الكلمة الألمانية "Stadtwerke" - والتي تعني المرافق العامة -  كما لو كان يعيش هنا منذ عشر سنوات.

ومن الصعب تحديد مقدار الضرر في سوريا، وأعداد المنازل والطرق والمدارس التي دمرت بفعل القصف. وحسب تقديرات أحد المسؤولين في الأمم المتحدة والذي تم في مارس/ آذار أن إعادة الإعمار قد تكلف 350 مليار دولار أمريكى . وأكثر المدن تضررا هي التي تعرضت لقتال بين الأطراف مثل حلب أو حمص. حين تضع الحرب أوزارها يجب أن تقدم للناس بشكل سريع الحاجات الأساسية للحياة، كل هذا وفقا لمنظمة الأمم المتحدة .

 

شيء وحيد يوحد السوريين الموجودين هنا

ينبغي على السوريين أن يعيدوا بناء الثقة فيما بينهم. كل هذا بعد سنوات من الإعدامات والبراميل المتفجرة على المناطق السكنية، وحملات التحريض. لكن في كونستانس يتم نقاش جميع الآراء والقناعات. فعلى إحدى الطاولات يدور النقاش حول كيفية إزاحة الأسد من السلطة، وعلى الأخرى يدور النقاش حول الثورة وما سببته من تدهور الوضع في البلاد. يقول زايبل "نحن لا نطرح النقاش حول الصراعات السياسية في سوريا من أنفسنا، لكننا نعطي الفرصة للمشاركين لمناقشة ذلك". من المفترض أن توفر جامعة كونستانس المناخ للأكاديميين للتقارب والنقاش بعقلانية حول الوضع في وطنهم .

ويمارس المشاركون بعضَ الألعاب الهادفة المعروفة في الندوات، حيث يقومون بلعبة مسيرة البطة، ويكون الجميع معصوبي الأعين وعن طريق لمس الكتف يتم توجيه الطابور إلى أن يتقدم ويصل إلى الهدف .
 إضافة إلى ذلك يلعب المشاركون لعبة خيوط العنكبوت، حيث يقوم كل شخص بسحب حبل وبعضهم يجب أن يسحبه بقوة والآخر يرخي إلى أن تتناسق القطع الخشبية المتّصلة بمركز الشبكة بغية تكوين عمود طويل، إن هذا لن ينجح إلا إذا تم بحماس كبير من المشاركين.

الأكاديميون يتشاركون بنصب العمود كمهندسين (Foto: Roland Preuß)

 

تحقق اللعبة هدفها حين تصبح أكثر تعقيدا وتركيزا وبحاجة إلى سياسة أكبر لنصب العامود الخشبي. في فترة ما بعد الظهر، يقسم الطلاب أنفسهم إلى مجموعات وينتشرون في مختلف أرجاء المجمع في جامعة كونستانس، ويقومون بالبحث عن الطريق الصحيحة بين مختلف الأجنحة التي تختلف ألوانها من الأخضر إلى الأصفر والأحمر، وتوجد بها طوابق عديدة وردهات لا تؤدي إلى أي مكان، كما لو أن المهندسين الذين قاموا بتصميم المجمع كانوا يرمزون من خلاله إلى الوضع المأساوي "الكافكاوي" في سوريا. وصل إلى خط النهاية خمسة طلاب حيث وجدوا أنفسهم أمام لوح يجب أن يذكروا رؤيتهم حول الطريق إلى السلام

 قال خالد: "يجب على الأسد أن يتنحى أولا، لذلك نحتاج لفرض منطقة حظر للطيران، ثم يتم تنظيم انتخابات حرة"
 أما نبيل فقال: "هذا لن يحدث أبداً". وقال الشخص الثالث "يجب القضاء على تنظيم الدولة، إنهم إرهابيون ويجب تدميرهم بالكامل".  وقال الرابع: "يجب على كل أطراف النزاع إيجاد نقطة تجعلهم يتوافقون" .

 وقال أسامة "لا يوجد في الوقت الحالي أي نقطة تجمع الأطراف" .

 وتجرأ بعض الحاضرين على التطرق إلى أسباب الصراع في سوريا، إذ يرى أحد المشاركين، وهو مسلم، أنه من الجيد أن يتم طرد المسيحيين من البلاد. قال لاثنين من زملائه: يجب عليهم الذهاب إلى بيروت. الأمر الذي استنكره أحد المسيحيين في المجموعة، وغادرت إحدى الطالبات القاعة باكية. لكن مسلماً آخر حثّ مسبب هذه البلبلة على الاعتذار. يبدو أن هذه المجموعة التي تتألف من النخبة منقسمة هي أيضا على نفسها، حتى قبل أن تقوم سوريا الجديدة، لأن الناس ببساطة لم يتعلموا أبداً كيفية نقاش القضايا الخلافية علنا في ظل حكم الدكتاتور الذي بطش بشعبه.

 من هذه الاختلافات هناك شيء وحيد يوحد السوريين الموجودين في جامعة كونستانس، وهو الحنين لذلك الزمن الذي لم يكن أحد فيه يطرح تساؤلات حول من هو مسلم أو مسيحي، كردي أو درزي.
ويقول أحد الطلاب الذي ينحدر من إحدى ضواحي دمشق "لم يكن الاختلاف في الدين أمرا ذا أهمية". لقد كان للسياسة طابع علماني ولم يكن الدين هو الذي يحدد نمط الحياة اليومية.
 ولكن لاحقا اندلعت الحرب وظهرت بوادر الانقسام على أنقاض التنوع الثقافي الذي كانت تمتاز به سوريا.
 وبشكل مفاجئ أصبح المسيحي عدواً واللاديني مكفراً. وفي نفس الورشة الحوارية، اقترح أحد الطلبة أن أفضل خيار من أجل مستقبل سوريا هو وضع حد لتأثير الدين في الحياة العامة، وهو رأي حاز على الكثير من التصفيق.

 في بداية حزيران/ يونيو الماضي، قال بشار الأسد "حسب قناعتي فإنَّ الفترة الأسوأ من الحرب السورية قد انقضت حيث أصبحت سوريا تسير بالاتجاه الصحيح، لأننا انتصرنا على الإرهابيين".
 وخلال الأشهر الأخيرة، استعاد جيش النظام السوري و حلفاؤه جزءاً كبيراً من المناطق من بينها كامل مدينة حلب في ديسمبر/كانون الأول من عام 2016 .

 وفي هذه الأثناء يتعلم أسامة مكانسي اللغة الألمانية، كما أنه عثر على شقة في ضواحي مدينة فرايبورغ بين الحقول ومزارع الكروم حيث يعم السلام والهدوء .

بعد أيام قليلة من نهاية الفصل الدراسي قام بالتسجيل للفصل القادم. هناك بعض النقاط لا تزال مهمة بالنسبة له. حيث استفسر عن كيفية الحصول على الجنسية الألمانية، رغم صعوبة ذلك في ظل مستواه في اللغة حاليا. وعلى حد تعبيره يقول بأنه سيعود إلى سوريا إذا أصبح كل شيء على ما يرام.

 

-------------------------

الكاتب:

Roland Preuß: درس التاريخ والاقتصاد والفلسفة وتخرج من مدرسة برلين للصحافة (BJS). في عام 2012 حصل على جائزة غوته للإعلام . يكتب في صحيفة " زود دويتشة تسايتونغ "

 

علِّق