عدد القراءات: 2210

المهاجرون المسلمون بين الاندماج والإسلاموفوبيا

 

شهدتِ السَّنواتُ الأخيرةُ هجرةً يُمكنُ أن تُوصَفَ بالجماعيَّة من مئات آلاف المُسلمين إلى بُلدانٍ تختلفُ ثقافيَّاً عن ثقافة المُسلمين ويُدينُ أغلبُ سكَّانها بغير ديانة الإسلام ويتحدَّثُ سكَّانُها بلغاتٍ لا يعرفها أغلبُ المُهاجرين، وبدأت نتيجةً لذلك عشراتُ الفتاوى الدِّينيَّة التي تُحذَّرُ المُسلمين من الإقامة في تلك البُلدان وتتجاهلُ عمداً الأسبابَ التي أدَّت بكثيرٍ من المُسلمين إلى ترك بلدانهم "الإسلاميَّة" العامرة بالمساجد و"الدِّماء" مُخاطرين بأرواحهم على قواربَ صغيرةٍ تُصارعُ أمواجَ البحار للوصول إلى بُلدانٍ "غيرِ إسلاميَّة".

لا أوافقُ على وصفِ بلدٍ ما بأنَّه "مُسلمٌ أو غيرُ مُسلم"، فالتديُّنُ ليس شأنَ المؤسَّسات بل هو شأنُ الأفراد، فالدَّولةُ لا تُصلِّي ولا تصوم ولا تذهبُ لأداء الحجِّ، لكنَّ الأفرادَ بإرادتهم الحُرَّة يفعلون ذلك، ومن المفهوم أحياناً أن يُظهرَ بعضُ الأفراد أثرَ اعتقاداتهم في إدارة مؤسَّسات الدَّولة.

لا يهتمُّ أكثرُ المتحدِّثين باسم الله بإيجاد حلولٍ لمشكلات المُسلمين في بلدانهم الأصليَّة، ويُلاحقونهم بالفتاوى إلى مكان لجوئهم مُحذِّرين من إقامتِهم واندماجهم في بُلدان "الكُفر" !

لم يدفع المُسلمين إلى الهجرة والمُخاطرة بأرواحهم سوى كفرُهم بتحالف رجال الدِّين ورجال السُّلطة، ذلك التحالف الذي أنجبَ الظُّلمَ والقهرَ وقتلَ الحريَّةَ الفكريَّةَ والدِّينيَّةَ في بلدان المُسلمين.

 

إنَّ أرضَ الله واسعةٌ وواحدةٌ فلا فرقَ بين أرضٍ وأُخرى بهذا المعنى، لكنَّ الذي يختلفُ هو سلوكُ البشر الذين يعيشون في رقعةٍ جغرافيَّةٍ ما، والمُسلمُ مُطالَبٌ بالحفاظ على المبادئِ الإسلاميَّة أيَّاً كان المُجتمعُ الذي يعيشُ فيه.

يقولُ اللهُ تعالى : "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" سورة النِّساء، الآية 97

فالدِّينُ هو أغلى ما يملكُه المُسلمُ، وهو بطبيعة الحال يبحثُ عن المكان الذي يستطيعُ فيه ممارسةَ دينه بيُسرٍ وحُريَّة، فلا مُشكلةَ في أن يعيشَ في مجتمعٍ ما إذا كان يُوفَّرُ له ذلك، ولو كان أكثرُ النَّاس في ذلك المُجتمع من غير المُسلمين.

فالدِّينُ لا يُمكنُ أن يُوجدَ حين تغيبُ الحُريَّة، فلا دينَ يُمكنُ أن يُقبَلَ بالإكراه : " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ" البقرة، الآية 256

إنَّ التَّعارفُ واختلافَ ألوان وأفكار البشر هو إحدى سنن الله تعالى القائل :

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" الحُجُرات، الآية 13

الاندماجُ بمفهومه العامِّ يعني المواطنة الصَّالحةَ والمُشاركة الفعليَّةَ في بناء وتطوير المُجتمع الذي يحيى به المُسلمُ، واندماجُ المسلمين مع مجتمعاتهم بهذا المعنى أمرٌ ضروريٌّ من أجل الحفاظ على وحدة وقوَّة وأمن المجتمع الذي يعيشون فيه.

إنَّ الاقترابَ من هموم النَّاس ومحاولةَ إيجاد الحلول لمُشكلاتهم وتعريفَ النَّاس بالاسلام وتبليغَ أحكامه عمليَّاً لهم هو إحدى وظائف المُسلم التي ينبغي عليه القيامُ بها، ولا يحدثُ ذلك إلَّا بمُخالطة النَّاس مهما كانت مُعتقداتُهم.

 

لذا لا يُناسبُ أن تتقوقعَ الجالياتُ المُسلمةُ على نفسها لتبدوَ غريبةً منزويةً، فهذا الأمرُ يُعزِّزُ ظاهرةَ الرَّهاب من الإسلام والخوف من المسلمين (إسلاموفوبيا).

لكنَّ ما ينبغي علينا تأكيدُه هنا هو أنَّ الاندماجَ لا يعني تركَ الإسلام أو التَّفريط بالأوامر الإلهيَّة أو اعتناقَ الأفكار والأديان المُخالفة لفطرة المُسلم، فهذا ليسَ اندماجاً بل ذوباناً في شخصيَّات وأفكار غير المُسلمين، ولا يقبلُ اللهُ تعالى ذلك.

إنَّ التَّوفيق بين الالتزام بتعاليم الإسلام وبين أن تكونَ عنصراً فعَّالاً في المجتمع المضيف هو ما يطلبُه دينُ الله منك، وفي غالبيَّة بلدان العالم نجدُ أنَّ هناك قدراً معقولاً من حريَّة التَّديُّن بحيث يستطيعُ المسلمُ أن يمارسَ حياتَه الدِّينيَّة دون أن يتشكَّلَ خطرٌ على حياته بسبب ذلك.

ولا يمنعُ الاندماجُ كما بيَّناه ضرورةَ أن يكون للمسلمين أطرٌ ومؤسَّساتٌ قانونيَّةٌ مُرخصةٌ تجمعهم وتوجِّهُهم وتُعلِّمُ أبناءهم الإسلام وتُسهِّلُ عليهم التَّواصل مع المجتمع المضيف، هكذا فَعَلَ أصحابُ النَّبيِّ عندما هاجروا إلى الحبشة وبعدها إلى المدينة، حيثُ خالطوا النَّاسَ في حياتهم وبلَّغوا الدِّينَ من خلال الممارسة العمليَّة وليس الكلاميَّة فقط. وهكذا يجبُ على المسلمين في المجتمعات غير المسلمة أن يكونوا خيرَ سفراء لدينهم يعطون عنه الفكرة الطِّيبةَ بنجاحهم في أعمالهم وتميُّزِهم في أخلاقهم وعلاقاتهم مع النَّاس كلِّهم.

قال اللهُ تعالى :{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران، 104).

إنَّ حياةَ المُسلم في مثل تلك المُجتمعات فرصةٌ مناسبةٌ يجبُ استغلالُها لتعريف النَّاس بدين الله كما أشارت إلى ذلك الآيةُ السَّابقة.

 

علِّق