Your rating: لا يوجد (3 votes)
عدد القراءات: 2359

المقاتلون الأكراد في صفوف تنظيم الدولة؛ لماذا ينضم البعض منهم إلى هذا التنظيم الإرهابي؟ - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Alexander Meleagrou-Hitchens
تاريخ النشر: 
18 آب (اغسطس), 2016

 

 

في حديثه الواثق إلينا، قال أحد المسئولين السابقين في الاستخبارات الكردية أن التنظيمات الجهادية كانت قد تواجدت في المنطقة لعقودٍ من الزمن و أن تنظيم الدولة الإسلامية لن يلقى سوى المصير ذاته الذي لقيته أسلافه من التنظيمات، وسيهزم في نهاية المطاف.  ويبدو أن الأكراد يتمتعون بثقة ذاتية و ذلك عندما يتعلق الأمر بالتهديد الذي  يمثله تنظيم الدولة الإسلامية لحدود إقليم كردستان العراق و التي  كان التنظيم على أبوابها قبل أن تقوم قوات البيشمركة الكردية مدعومة بغطاء جوي من طيران التحالف بإجباره على التراجع في شهر آب من العام 2014.

مكثنا مدة أسبوعين في كردستان العراق أملاً بالحصول على فهمٍ أفضل لتنظيم الدولة والحرب ضده. و تَضمن بَحثنا إجراء لقاءات مع مسئولين أمنيين أكراد، وضباطاً في البيشمركة والاستخبارات، ناهيك عن لقاءات مع سجناء أكراد كانوا قد التحقوا في صفوف تنظيم الدولة.  تَعَرَفنا وعن كثب على الظروف التي تسرق أحدهم من بيته وعائلته وأصدقاءه لا لشيء سوى  ليلتحق بدولة الخلافة المزعومة.

وخلال رحلتنا بصحبة قوات البيشمركة إلى " تازة" وهي قرية صغيرة في محيط مدينة " كركوك" التي تمثل أحد خطوط الجبهة مع  تنظيم الدولة في العراق، بدت آثار الارتياح والاسترخاء واضحة على مُحيا الضباط الأكراد في المنطقة. وأَخبَرَنا قائد القاعدة العسكرية هناك أنه ومنذ انطلاق الحملة الجوية بقيادة الولايات المتحدة ضده عام 2014، أصبح التنظيم عاجزاً عن شنّ أي هجمات خطيرة في المنطقة.  وتابع القائد: " كل ما نراه الآن هو بعض قذائف الهاون، فقط ليذكروننا أنهم ما زالوا موجودين هنا". وكان تنظيم الدولة قد لجأ في بعض الحالات إلى استخدام قذائف تحتوي الكلورين غاز والخردل. قبل أسبوع من زيارتنا، كانت قرية "تازة"  مسرحاً لهجوم مماثل أسفر عن مئات الضحايا. ورغم ما أثاره من مخاوف، إلا أن هذا الهجوم كان دليلاً واضحاً على حالة الإحباط المتنامية التي يمر بها التنظيم، أكثر من أي شيء آخر.

وعلى أية حال، إن تنظيم الدولة ليس مجرد  جماعة إرهابية تهدد حدود إقليم كردستان العراق فحسب، بل هو معضلة محلية، وبدورها عمدت أجهزة الاستخبارات الداخلية التابعة لحكومة الإقليم  إلى التكيف من جهودها لمنع تنظيم الدولة من شن هجمات داخل أراضيها، واعتقلت عناصر عربية وكردية ، "وحتى مقاتلين أجانب كما أُخبِرنا"، ناهيك عن تفكيكها لشبكة التنظيم الخاصة بإعمال التجنيد والأعمال اللوجستية.

 

الإسلاميون والأكراد:

لقد وجدت الجماعات الجهادية تاريخياً أنه من الصعب عليها أن تحظى بشعبية واسعة داخل الثقافة الكردية والتي تُعَرِفُها عقود من النضال القومي العلماني ضد الأنظمة العربية، بيد أن لهذه الجماعات حضورها التاريخي في المنطقة. وظهرت الجماعات الجهادية الكردية كتفرعات عن الحركات الإسلامية الكردية الأكثر اعتدالاً. وكان من بين أولى تلك التفرعات " حركة كردستان الإسلامية" IMK""، حيث أسسها في العام 1987 عدد من المنشقين الإسلاميين العراقيين الذين كانوا يقاتلون نظام صدام حسين الديكتاتوري البعثي، وكان بعضهم قد تدرب وقاتل في أفغانستان إبان الغزو الروسي.

وكانت "حركة كردستان الإسلامية" وغيرها من الإسلاميين الأكراد قد اتخذت ملاذاً لها في شرق ما يعرف الآن بإقليم كردستان العراق" وأقامت قاعدة لها في "حلبجة" وهي المدينة المُحافِظة دينياً في الإقليم. ومن خلال هذا الموقع، ضمنت الحركة قُربَها من أنصارها داخل النظام الإيراني، الذي كان مشغول آنذاك بحرب الثمانية أعوام مع العراق.

وتأتي شهرة " حلبجة" كونها كانت مسرحاً للهجوم الكيماوي الذي شنه صدام حسين عام 1988 على المدينة وحصد أرواح 5 آلاف كردي.  و مما لا يثير الدهشة أن الهجوم الكيماوي كان له تأثيرات جذرية  على سكان المنطقة  والتي استغلتها "حركة كردستان الإسلامية" بإعلان الجهاد ضد الحكومة العراقية. وفي أوائل تسعينات القرن الماضي، استمرت الحركة بتلقي التدريبات والدعم المادي اللوجستي من أعداء نظام صدام حسين.  هذا وتضافرت جهود كلاً من الإيرانيين والبعثيين السوريين بهدف زعزعة استقرار نظام صدام الديكتاتوري و الحكومة الكردية القومية العلمانية المنتخبة حديثاً، والتي كان يديرها عملاقا السياسة الكردية العراقية ، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني KDB" و "واتحاد كردستان الوطني. PUK"

 

وشعر الإسلاميون في حركة كردستان ببالغ السعادة بفكرة التزامهم بتنظيم عدد من الهجمات ضد  حزبَي الحكومة الكردية في المنطقة. وعلى الرغم من اندلاع قتالٍ متقطع بين العلمانيين الأكراد والحركة الإسلامية الكردية، إلا أن حزبي الحكومة الكردية كانا منشغلين بحربهما الأهلية التي حظيت بجزء وفير من اهتمامهم بين عامي 1994و 1998. ولما وضعت الحرب أوزارها، انضمت الحركة الإسلامية الكردية إلى حكومة الإقليم مما أغضب عناصرها المتشددين وأفضى إلى ولادة أول الجماعة السلفية الجهادية في البلاد، حيث كان أكبرها جماعة "جند الإسلام"، والتي بدأت في أواخر التسعينات بإقامة معسكرات تدريب عسكرية وأيديولوجية في منطقة "حلبجة"  أملاً في تهيئة الظروف الملائمة لقيام ثورة سلفية جهادية في العراق. وفي العام 2001، جرى تغيير اسمها ليصبح "أنصار الإسلام" وبدأت بتلقي الدعم من تنظيم القاعدة.وفي ذات العام، جذبت الجماعة اهتمام "أبو مصعب الزرقاوي" مؤسس تنظيم القاعدة في العراق. كان الزرقاوي يرى في شمال العراق معقلاً فعالاً وآمنا لتماسك جماعة " جند الشام" الذي كان قد أسسها في أفغانستان في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2001. وبع غزو العراق عام 2003، وبمساعدة الزرقاوي، أصبحت الجماعة واحدة من بين التنظيمات الجهادية التي أعلنت الجهاد ضد القوات الكردية والأجنبية. وشهد العام 2004، أكبر هجوم وحشي نفذته الجماعة بسيارة مفخخة في إقليم كردستان أودى بحياة 109 أشخاص كان من بينهم " سامي عبد الرحمن" نائب رئيس وزراء الإقليم.

هذا وتكمن جذور تنظيم الدولة الإسلامية هنا. وبالنسبة للسلطات الكردية، فإن التنظيم لا يتعدى كونه أحدَثُ تجسيدٍ لحركة أثبتت وفي مناسباتٍ عِدة قدرتها على استعادة حيويتها و تنظيم صفوفها في المنطقة. إن التجربة الكردية طويلة الأمد مع الجهاديين إنما تعني أن الجيش والأجهزة الأمنية متمرسين جداً في قتال وهزيمة مجموعات من هذا القبيل. وقد يفسر هذا جزئياً ثقة جميع المسئولين الذين تحدثنا إليهم.

الجدير بالذكر أن تنظيم الدولة الإسلامية كان قد خسر ما يزيد عن 40% من مناطق نفوذه في العراق وحوالي 20% في سوريا. وخلال الشهور التي أعقبت هجمات باريس شهر نوفمبر الماضي، انسحب التنظيم من ما يزيد عن سبع مدنٍ وبلداتٍ رئيسية. وأخبَرَنا مسئولين عسكريين أمريكيين في كردستان أن مجملَ شبكاتها وقيادتها تتعرض للتهالك جراء ضربات التحالف الدولي الحاضر وبقوة في الأجواء كما على الأرض حيث تعمل قوات التحالف مع عناصر محلية كقوات البيشمركة الكردية.

 

منذ شهر أيار من العام الماضي لم تستطع داعش أن تشن اي عملية ناجحة في كردستان العراق ومع ذلك لا يوجد مجال للتراخي أو التهاون حيث أن شبكة داعش التي تنتشر في المنطقة تعتمد وتستفيد من الجذور التاريخية للجهادية في المنطقة. حسب تصريحات لمسئولين فإن هناك ما يقارب 400 الى 450 مقاتل كردي داعشي إما في إقليم كردستان أو في صفوف داعش نفسها والتي تحافظ على استمرارية الحركة.

تدين هذه الشبكة بوجودها إلى حد كبير كون داعش والتي تنشط بهذه المنطقة التي تتوزع السيطرة عليها المافيا وجماعة من المقاتلين, تعتاش على استغلال الضعيف. " دعني أعطيك مثالاً ", يقول احد مسئولي الأمن الداخلي." تذهب داعش إلى أحد سائقي سيارات الشحن في سوريا او في العراق والذي يعتاش على عمله هذا والذي يتطلب منه عبور مناطق سيطرة داعش ذهاباً وإيابا إلى كردستان. يتم تخيير السائقبين أن يعمل كمخبر وأجير لدى داعش او أن تتعرض عائلته للتصفية, طبعاً سيختار السائق الخيار الأول".هذه عينة فقط من شبكة لوجستية كبيرة نجح التنظيم في تأسيسها. كما قامت داعش باستخدام الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف رامية شباكها على الفيس بوك لتجنيد أكراد محتملين بين قطاعات الشباب الأكثر عُرضة للتأثر.

A Syrian national flag flutters next to the Islamic State's slogan at a roundabout where executions were carried out by ISIS militants in the city of Palmyra, in Homs Governorate, Syria April 1, 2016.

عمر صناديقي/ رويترز - العلم الوطني السوري يرفرف إلى جانب شعار الدولة الإسلامية عند أحد الدوارات التي كانت مسرحاً لعمليات إعدام نفذها مسلّحي داعش في مدينة تدمر محافظة حمص في سوريا.1 ابريل نيسان 2016

 

أكراد داعش.

متنوعة هي الأسباب التي تدفع الأكراد إلى الانخراط في صفوف داعش وليس بالضرورة أن تتوافق مع العوامل التي أثرت على نظرائهم العرب الذين انضم قسم كبير منهم إلى داعش كاحتجاج على حكومة بغداد التي يهمن عليها الشيعة وينظرون إليها كَحُكومة طائفية وبحسب داعش " والقاعدة في العراق قبلها " فهي حكومة مُعادية للسنة. هذه المقاربة هي غير مقنعة لكثير من العراقيين الأكراد الذين ينأون بنفسهم عن هذه الانقسامات الشيعية السنية المنتشرة في بقية البلاد.على الرغم من أن عينة الأكراد في صفوف داعش أقل بكثير مما يمكننا من استخلاص استنتاجات شاملة ولكن أحاديثنا معهم قد ساعدت في تقديم تفهم أفضل عن كيفية عمل هذه المجموعة ومن تُجَند.

مقابلتنا الأولى كانت مع أراذ " تم تغيير جميع أسماء المساجين ", أراذ في أواخر سن المراهقة وقد مضى على استخدامه الفيس

بوك أسبوعين عندما تواصل معه مُجَنِدين من طرف داعش وهكذا بدأ يقحم نفسه داخل عالمهم الافتراضي. شاب مُتَحَمس وقابل للتأثر هو ما يبحثون عنه تماماً.

عِندما سألناه عن كيف استطاعت داعش الوصول إليه أخبرنا بأنه ونتيجة لاهتمامه بالإسلام فقد نشر صور لنصوص ورموز إسلامية كما أن صورة حسابه كانت للمسجد الأقصى في القدس. هذا كان كافٍ لجذب انتباه مُجَنِدي داعش الذين تقربوا إليه وبدأوا معه حواراً لتبين مدى جديته في الانضمام إلى المجموعة.

وفقاً لاراذ فإنه وخلال فترة ثلاثة أشهر استطاع عناصر داعش إقناعه بمشروعهم الفاضل وعقد العزم على حزم حقائبه والتوجه إلى مدينة الموصل الواقعة تحت سيطرة داعش. على الرغم من تمتعه بحياة مريحة نسبياً وبعلاقات طيبة مع عائلته فقد كان اراذ مقتنعاً بأن يهجرهم جميعاً بحثاً عن مغامرة وبسبب تأثره بدعاية داعش بأنه سيلعب دوراً في أكثر لحظات التاريخ الإسلامي أهمية.

" لقد أخبروني أن باستطاعتهم أن يقدموا لي حيزاً ومكانةً في مجتمعهم والفرصة أيضاً للقتال في هذه المَهمّة الإلهية." لقد أصبح متأكداً من أن كردستان فاسدة ومقيدة بسياسات قومية ضيقة كل هذا بينما تستمر الولايات المتحدة في إذلال المسلمين من خلال احتلال أراضيهم ومهاجمتهم. تتلاشى في بلاد الخلافة الفروقات القائمة على خلفية المُنتَسب او عمله " لقد قالوا بأننا جميعاً متساوون ويجمعنا الالتزام لقضية واحدة.

سألناه عما إذا كان قد صدّق هؤلاء الأشخاص فعلاً وهو لم يقابلهم من قبل وحسب ما أخبرنا به لم يكن لديه أيّةَ تجارِبَ سابقة مع منظمات جهادية ويبدو أن هذا سبباً وجيه جعله يجده تنظيماً جذاباً.

 

كمستخدم جديد للفيس بوك لم يكن لدى آراذ أصدقاء آخرين للتحدث إليهم فقد أخبرنا انه وعن طريق شبكة علاقاتِه الاجتماعية استخدام المسينجر للتحدث مع ثلاثة أفراد قبل أن ينشأ حسابه الخاص. بدأت العلاقة بالتشكل ووصف لنا بانفعال كيف بدأوا يخاطبون بعضهم ك" إخوة ". ومع ذلك فهو لم يقتنع مباشرةً بما دار في محادثاتهم الأولية حول طرق القتال والتفجيرات الانتحارية " لم اقبل ما كانوا يخبروني به, لم أكن مقتنعاً ".

ومع ذلك فقد استمر التواصل و بدأ يشعر بأنه أقرب إليهم مع مرور الوقت. أخبروه قصصاً عن البطولة والشهادة وعن حياة مجيدة في انتظاره في دولة الخلافة كما حذروه من شرور الشيعة ومن أقرانه من المسلمين السنة الذين لم يتّبعوا منهج داعش ولكن النقاشات الدينية لم تكن هي الطاغية.

لم يشعر آزرا بأنّه كان يُرغم على قبول رسالتهم له ويبدو أنّ أسلوبهم الأملس هذا قد فعل فِعله، "لم يطلبوا مني أن أقبل بـ ]أبي عمر [ البغدادي ]الزعيم الحاليّ لتنظيم داعش[، لكنّهم ما الذي يعنيه أن تكون أحد أتباعه....لم تكُن التعاليم الدينية جزءا هاماً من أحاديثنا تلك، أوضحوا لي بأنّ القرآن يُقدِّمُ إرشاداته لكافة مناحي حياتنا وأنّ قوانين خِلافتهم مستقاة من القرآن نفسه وليس من العقائد الفاسدة، وأنّ تلك القوانين إلهية وسامية". وعلى الرّغم من أنّ المناقشات التي اشترك فيها حول الإسلام كانت بسيطة للغاية، إلاّ أنّ أراز اقتنع في نهاية الأمر بفضائل "الهجرة" للقتال في سبيل الإسلام، لكنّ السلطات الكردية اعتقلته أثناء تحضيره لمغادرة بيته إلى مناطق سيطرة التنظيم حيث كانت تراقب أنشطته على شبكة الانترنت مسبقاً.

لقد جَرَت هذه العملية بشكل كامل في الفضاء الالكتروني، وفي حين تؤكّد معظم الأبحاث التي تتعلق بما يُعرَف بالتطرّف الالكتروني على أهمية درجة من التواصل الفعليّ بين المتطرفين مع شبكاتٍ على الأرض (خارج الانترنت)، إلاّ أنّها تُقِرُّ بوجود عدد من الاستثناءات الهامة لتلك القاعدة.  فقد أثبتت بعض الحالات قوّة الشبكات الافتراضية بما يكفي لدفع أولئك الراغبين بأن يصبحوا مقاتلين إلى التحرّك. لقد تمّ تجنيد المقاتلين الآخرين الذين قابلناهم بواسطة الفيسبوك وكذلك بواسطة الواتساب والتيلغرام "تطبيق محادثة مشفّر-وهذا ما يجعله مفضّلاً جداً لدى مؤيّدي داعش حول العالم" وذلك في التواصل مع مسئولي التجنيد والمعنيين لدى التنظيم.

بالنسبة للقائمين على التجنيد في تنظيم داعش فإنّ التجنيد الالكتروني يكاد يكون من دون أيّ تكلفةٍ تماما، إذ بإمكانهم تحديد المقاتلين الواعدين الذين يقطنون في أماكن قريبة من مناطق سيطرة التنظيم وذلك بناءا على منشوراتهم في وسائل التواصل الاجتماعي حيثُ يلقون بشباكهم أبعد ما يستطيعون. وكونهم يعملون من داخل مناطق سيطرتهم، لا توجد في الغالب أية مخاطر لاعتقالهم جرّاء أنشطتهم. وفيما لو جرى اعتقال المُلتَحِقين الجدد من قبل السلطات وهم في طريقهم إلى مناطق التنظيم فلن يكون لدى السلطات الكثير من المعلومات الاستخبارية التي يمكن الاستناد إليها في تحديد موقع أو هوية أعضاء التنظيم الذين كانوا على تواصل مع المعتقلين.

خلافاً لأراز فإنّ للسجين الآخر الذي تحدّثنا إليه -اسمه علي- روابط تمتد لزمن بعيد مع الشبكات الجهادية، كما أنّ عدداً من أصدقائه أصبحوا أعضاء في تنظيم داعش، وقد هَبَّ للتحرّك بعد أن لقي أحد أصدقائه مصرعه في القتال الدائر في العراق عام 2015، وبعدها بوقت قصير نشر علي صورة لصديقه على الفيسبوك مع رسالة تفيد بأنّه "استشهد دفاعاً عن الخلافة" وبأنّه نال بركة الموت خلال شهر رمضان الكريم، كان مقتل صديقه بمثابة "المرة الأولى التي بدأت أفكّر فيها بالالتحاق بداعش".

أثار منشورُ علي على الانترنت اهتمام مُجَنِّدي داعش على الشبكة وسرعان ما بدأ التواصل معه عبر فيسبوك وتيلغرام، ومع أنّه لم يتلقَّ تدريباً إسلامياً رسميّاً خلال سنيّ حياته إلاّ أنّ علي اعتبر نفسه مسلما ملتزما بشعائر الدين، ومع ذلك فإنّ داعش لم تصبح في مرمى طموحه قبل أن يلتحق بها بعض أولئك الذين عرفهم. وقد أخبرنا بأنّ المحادثات مع الأصدقاء ومع المسئولين عن التجنيد عبر الانترنت لدى التنظيم دفعَتْه لاستنتاج أنّ الجماعة كانت تمارس وتطبّق الإسلام في هيئته الأصلية الأنقى.  

وعند سؤالنا إيّاه كيف كان له أن ينضمّ إلى جماعة تمثّل أحد ألدّ أعداء الشعب الكرديّ، شرح لنا كيف "جرى تضليله من قبل معارِفه الكرد الذين انضموا إلى التنظيم وتواصلوا معه من هناك، الأصدقاء الذين بقيت على تواصل معهم، ساهمت صداقتي السابقة و ]الآيات القرآنية[ و]الأحاديث النبوية[ في تعبئتي وإقناعي بالالتحاق بالتنظيم.  

رتّب أصدقاءُ عليّ الذين انضمّوا للتنظيم من قبل لقاءً له مع أحد ممثّليهم في كردستان، حيث تمّ حضّه في الاجتماع على السفر إلى الموصل مع منتسبين آخرين، غير أنّه تردّد لكونه لم يرغب بترك أسرته، وانطلاقاً من إدراكهم لفرصة نموّ شبكتهم داخل أراضي إقليم كردستان؛ طلب منه أعضاء التنظيم البقاء بانتظار التعليمات لاحقاً. كان عليّ ملتزماً تجاه عائلته الصغيرة  على عكس الشاب الغرّ والحديث العهد أزار الذي كان جاهزاً للسفر إلى الموصل.

لدى سؤالنا له لماذا آثرَ أسرته على "الهجرة" أجاب قائلاً: "لأنهم قدّموا لي عرضَ أن أكون جزءا من الخلافة من حيثُ أنا؛ لم يكن ضروريّاً لي أن أذهب للموصل، كما لم أرغب بترك عائلتي". وقد زوّده المسئول في التنظيم بالنقود "لكنها لم تكن حافزي الأول" أضاف علي. أمّا الآن وبعد أن تخلّى عن آرائه المتطرفة اكتشف أنه "لقد اعتدت على الإيمان بالإسلام الذي أخبروني عنه وبالخلافة وبالبغدادي، لكن ليس بعد الآن، حتى في ذلك الحين كانت لديّ شكوكي".

وكما أوضح لنا أحد مسئولي الاستخبارات الأكراد، فإنّ تنظيم داعش يعمل على زرع مراسلين وناقلين داخل كردستان وذلك كجزء من شبكته اللوجستية، وكما أخبرنا علي فقد "لقد أرادوا مني استلام بعض الأشياء كالحقائب ومساعدة السائقين القادمين إلى كردستان من الموصل والمدن الأخرى". كما التقى في ثلاث مرات منفصلة على الأقل بسائقين يعملون مراسلين لدى داعش سلّموه حقائب مليئة بالأسلحة والذخائر، كان عليه تسليمها لمواقع محددة بطريقة مبهمة بحيث يستلمها أشخاص آخرون وبحيث يراقب عن بعد فقط ليتأكد بأن أحدهم قد استلم الشحنة.

 

إلاّ أنّ آخر شحنة استلمها علي احتوت شيئا مختلفا، لقد كانت عبوة ناسفة كبيرة كان عليه زرعها في مسجد لمواطنيه من الشيعة في منطقة السليمانية أثناء إحيائهم لذكرى عاشوراء التي يقدّسونها، وكما أخبرنا علي فقد كان الهدف غاية في الوضوح هذه المرة "فمسجد الشيعة كان مزدحما دوماً كما أنّ هؤلاء المرتدين يُعتَبَرون أهدافا مشروعة"، وقد حرص عليّ على إظهار ندمه قائلا "ً لم أكن أفكّر جيّداً آنذاك، لقد تمّ التلاعب بي"، ومع ذلك فقد كان من المستحيل لنا معرفة ما إن كان شعوره ذلك حقيقياً أم مختلقاً بالنظر إلى ظروف لقائنا به، إلاّ أنّ تراجعه عن تنفيذ التفجير يدل على درجة من الندم.وبعد أن وضع الجهاز في منزله قام علي بزيارة موقع التفجير المفتَرَض ومعه الحقيبة نفسها التي أُعطِيَت له من قبلهم وذلك خشية أن يكون عناصر داعش يراقبون تحرّكاته وعلى أمل أن يخبرهم أنَّ التشديد الأمني دفعه للتراجع عن زرع العبوة، وفي هذه الأثناء كان علي قد لفت انتباه الاستخبارات الكردستانية التي عمدت إلى اعتقاله لدى اقترابه من المسجد.

ترتبط حكاية علي ارتباطاً وثيقاً بالقناعة الراسخة حاليا حول كيفية انخراط البشر في صفوف الجماعات الإرهابية، لقد تأثّر علي بجملة عوامل كالتزامه الديني وعلاقاته مع أصدقاء على تواصل مع شبكات داعش ساعدت جميعها في حثّه على الالتحاق بالتنظيم، ومع أنّ أنشطته على شبكة الانترنت تحديدا لعبت دورها الهام في هذا الصدد؛ إلاّ أنّه ما لم يكن له من صديق داخل التنظيم، وما لم يُقتَل صديقه هذا، فإنّ علي ربما لم يكن لينضمّ إلى صفوف داعش.

أمّا آخر السجناء الذين التقيناهم، فكان الأصعب لناحية فهمه أو الحصول على قصة واضحة منه. لقد بدا مهتماً أكثر بتقديم نسخة من الأحداث التي تدعم براءته، فيما قاطعه المسئولون الأمنيون الأكراد بشكل منتظم متسائلين عن الحقائق التي كان يسردها. وخلافاً للآخرين فقد أظهر جمعة القليل من المعرفة أو الاهتمام بداعش وبأيديولوجيتها مدّعيّاً بأنه تصرّف انطلاقاً من دوافع مختلطة كالجهل والوعود بالحصول على حوافز مالية.

في ذلك الوقت كان جمعة عاطلاً عن العمل وقام صهره بوصلِهِ مع رجل اتّضح أنه يريد مساعدته في الحصول على عمل، وادّعى جمعة أنّه لم يكتشف حتى وقت متأخر أنّ ذلك الرجل كان أحد نشطاء داعش. أُعطِيَ عمر سيارة جديدة يمكن له استخدامها كسيارة أجرةوهو عرضٌ لا يمكن رفضه كما قال. بالمقابل طُلبَ منه تقديم المعلومات لداعش إذْ يمكن لسائقي التاكسي تقديم فوائد متنوعة للتنظيم بما في ذلك قدرتهم على استكشاف مواقع لعمليات خطف وهجمات ممكنة دون إثارة الشكوك، وعلى الرغم من إنكاره القيام بأي من تلك الأعمال، إلاّ أنّ المسئولين الأكراد أخبرونا أنّه زوّد مسئولي داعش بمعلومات حول مواقع سجون رئيسية ومواقع حساسة أخرى في المدن الكردية.  

وبحسب ما رواه جمعة فإنّ لم يكتشف بأنّه شخصياً يتعامل مع داعش سوى بعد شهرين من بدء تعامله مع ذلك الرجل، وذلك عندما طلب منه أن يستلم سيارة جديدة "ذهبنا إلى مكان ما مع ثلاثة رجال آخرين لاستلام السيارة، وعندما وصلنا هناك أخبروني بأنهم من داعش وأنّ هذه السيارة سوف تُستَخدَم لعملية تفجير" وعندها -كما قال جمعة- "نفضت يديّ منهم وطلبت منهم الانصراف وبأنني لا أرغب بالتعامل معهم، لقد خشيت على حياتي وحياة أسرتي وأخبرتهم بأنني لن أخبر أحداً بالأمر فيما لو تركوني أمضي وشأني"، لقد قدّم نفسه لنا كضحيّة هشّة لخداع داعش وأصرّ قائلا: "أناأمّيّ أردت كسبَ عيشي من السيارة وتمّ التلاعب بي عن طريق المال، وحالما اكتشفت أنهم من داعش طلبت منهم أن يتركوني أمضي في سبيلي، لقد تركتهم لكنّني اعتُقِلْت". إلاّ أنّ السلطات التركية فنّدت ذلك مرة أخرى بدليل أن أخواته وعدد من أفراد أسرته كانوا أعضاء في تنظيم داعش في العراق وهذا ما يُفَسّر تمَكُّن صهره من وصله بشبكة تنظيم داعش في كردستان.

تحفَلُ كِلا الروايتان بالثّغرات وكان من المستحيل الحصول على شيء يطابق الصورة الحقيقية لما دفع بجمعة للانضمام إلى داعش، ومع ذلك فإنّ قصّة جمعة (وعلى الرغم من الغموض الذي يعتريها) إلى جانب أولئك الذين تحدّثنا إليهم، جميعها ساعدت في بدء فهمنا للطريقة التي تتحرّك بها داعش في المنطقة وللدوافع التي تقف وراء انضمام الأكراد إلى التنظيم.

 

النضال من أجل كيان الدولة

تصلُحُ قصص دواعش كردستان لأن تكون بمثابة تذكير بالتعقيد الذي يطبع مشاكل المنطقة. ليس هنالك من كأس مقدّسة سحريّة، كما على المرء أن يحترس من أولئك الذين يعِدون بها. ليس ثمّة من سبب واحد أو نظرية بعينها لتفسير آلية حدوث عملية التطرّف، والمسار الذي يتّخذه كل شخص هو مسار فريد بذاته تؤثّر فيه عوامل شخصية وخارجية كذلك الأمر.

في الواقع يمكن القول بأنّ الكثير من الوقت قد أُهدِرَ في محاولة التوصل لمعرفة السبب الذي يجعل الناس يتحولون لإرهابيين في الوقت الذي ربما يجدر بنا كذلك طرح سؤال واضح للغاية ألا وهو: لمَ لا؟  وفي حال أمكننا أن نفهم على نحو أفضل الأسباب التي تقف وراء ممانعة البعض في الاستجابة للعنف الجهادي، فإنّ ذلك سيوسّع من معرفتنا حول ظاهرة داعش.

يُعتَبَرُ عدد الأكراد الذين التحقوا بتنظيم داعش منخفض بشكل لافت إذا ما أخذنا بعين الاعتبار قُربَ كردستان لمناطق سيطرة داعش ولحقيقة أنّ غالبية الأكراد العراقيين هم من المسلمين السنّة. ومن الصّعب القول بأيّ درجة من الدّقة لماذا أثبت الأكراد وخلافاً لجيرانهم العرب بأنّهم أكثر مناعة تجاه جاذبية الجهاد العالمي. وقد يكون من بين الأسباب التي تفسّر ذلك، أنّ نضالات الأكراد للبقاء ولأجل إقامة كيان دولتهم ربّما يكون قد ضمن هيمنة ثقافة تُعرّفُها القومية لا الدّين. ومع ذلك فقد أظهر بحثنا بأنّ داعش قد نجحت في أن تشكّل جاذبيةً لعدد لا يُستَهانُ به من الأشخاص، غيرَ أنّ إيجاد أجوبةٍ لهذه المسألة سوف يتطلّب بعض الوقت.  

 

 

علِّق

المنشورات: 111
القراءات: 732534

مقالات المترجم