عدد القراءات: 1691

المسلم الحقيقي لا يشتري عداوةَ الآخرين !

يجتمعُ ثلاثةُ مُسلمين في مجموعةٍ صغيرة، يحملون سلاحاً خفيفاً ثمَّ يخرجون ببياناتٍ صحفيَّةٍ تُهدِّدُ بغزو أمريكا وفتح روما وسبي النِّساء الكافرات، وغير ذلك من الغايات الشَّيطانيَّة التي زرعَها بعضُ شيوخ المُسلمين في رؤوسٍ فارغةٍ وعقولٍ مع وقف التفعيل !
شاهدتُ في الأسبوع الماضي تقريراً عن داعش في إحدى القنوات الفرنسية، وشعرتُ كمسلمٍ بالغثيان حين سمعتُ أطفالاً لم يتجاوزوا العاشرة من أعمارهم يُطلقون تهديداتٍ بقتل كفار أمريكا وأوروبا واحتلال بلدانهم.
أنا كمُسلمٍ شعرتُ بالغثيان، فبماذا شعرَ الفرنسيُّون الذين تابعوا تلك الحلقة وسمعوا بآذانهم ما يحلمُ به ويعملُ له أطفالُ المُسلمين ؟

إنَّ اللهجةَ العدوانيَّة التي تُهيمن على خطاب كثيرٍ من المُسلمين في العالَم اليوم ناتجةٌ عن منهجٍ تعليميٍّ خاطئ يُشرفُ عليه رجالٌ لا يهمُّهم تبليغُ رسالة الله كما نزلت إلى خلقه، بل يسعون لملئ جيوبهم واكتساب شهرةٍ مُستثمرين في الدِّين، فأولئك الأطفال من هؤلاء الشيوخ !
يظنُّ كثيرٌ من هؤلاء أنَّهم بخطاباتهم تلك يُبلِّغون رسالةَ الله، فهل يتفق منهجُهم العدوانيُّ مع منهج التبليغ الذي اتبعه رسولُ الله في حياته وأمرَنا به القرآنُ ؟
مُحمَّدٌ هو رسولُ الله، وهو يتلقَّى الوحيَ من الله، وهو الذي يتولَّى تبليغَ ذلك الوحي وتطبيقَه بأحسن شكلٍ، لذلك كان المُسلمون يتخذون رسولَ الله أسوةً حسنةً، فهو كان واحداً منهم يلبسُ كما يلبسون ويأكلُ ممَّا يأكلون.
إنَّ رحمةَ الله التي أودعَها في قلب رسوله الكريم هي التي جعلت أصحابَه الأوائل يلتفَّون حولَه وينصرونه رغمَ كلِّ الأخطار التي كانت تُحيطُ بهم وتُهدِّدُ حياتَهم. فلا يكفي لكَ أن تُبلِّغَ النَّاسَ علماً ما، بل يجبُ أن تختارَ الطريقةَ والمنهجَ الأحسن لتبليغهم ذلك العلم.
" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ" آل عِمران 159
بعضُ علماء المُسلمين لا يعيرون انتباهاً لهذه الآية، فمع أنَّهم ليسوا أنبياءً مُصطَفَين من الله، ولا يتلقَّون وحياً من الله، تراهم يُبلِّغون رسالةَ الله إلى خلقه بطريقةٍ تُبعِدُ النَّاسَ عن دين الله !
فما الفائدةُ من شتم عالمٍ ما بعد موته لأنَّه أخطأَ في فهم آيةٍ قرآنيَّةٍ ؟ أليس البشرُ كلُّهم خطَّائون ؟ ألا نُخطئُ نحنُ أيضاً ؟ يكفي لنا تبيانُ الحقيقة بعيداً عن الشَّتم، أينَ العفوُ الذي أمرَ اللهُ رسولَه به ؟ 
إنَّ تبليغَ رسالة الله لا يُمكنُ أن يُؤتيَ ثمرةً إذا لم يكن أسلوبُ التبليغ متناسقاً مع الآيات القرآنية، فمع أنَّ فرعون كان مجرماً كبيراً وكان يرى نفسَه إلهاً، فقد أوصى اللهُ موسى وهارون عليهما السَّلام باختيار أجمل الكلمات عند تبليغ فرعون رسالة الله.
"اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ" طه 43-44

إنَّ الحكمَ على الآخرين ليس من وظيفة المُسلم، بل إنَّ تبليغَ رسالة الله بأحسن شكلٍ هي وظيفته.
لا تقل لأحدٍ "أنتَ مشرك" ! بل حاول أن تُبعدَه عن الشرك بالله، بلغة آيات الله بأحسن شكلٍ إذا كانت نيَّتُك هي إرضاءُ الله تعالى، أوليسَ اللهُ تعالى هو القائل : "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ" العنكبوت 46
فالقرآنُ الكريمُ لا يُخالفُ الكتبَ الإلهيَّة السَّابقةَ بل يُصدِّقُها ويُهيمنُ عليها، لذلك يجبُ الحوارُ مع الآخرين انطلاقاً من النقاط المشتركة معهم، لذلك يقولُ تعالى في دوام الآية السَّابقة :
"وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" العنكبوت 46
إنَّ تبليغَ رسالة الله بالشَّكل الحسن الذي يأمرنا به الله يجعلُ العدوَّ صديقاً حميماً، وهذا هو واجبُنا كمُسلمين :
"وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" فُصِّلت

علِّق