عدد القراءات: 5074

المرأة… كضحية لأصحاب الذقون الطليقة، والذقون الحليقة..!!

 

* نور سلام

 

لن أنطلق في كتابتي بداية من أن اللغة اختارت التأنيث لكل ما هو جميل و مشرق فمن ( الجنة و الشمس و الكلمة ) تبدو زهوة التأنيث، و رغم إيماني بأن الألفاظ لا تُطلق جُزافاَ و بأنها لم تكن مصادفة لغوية بقدر ما هي الطبيعة الإنسانية التي ترى الجمال و الأمل في كل ما يخص الأنثى .

لكني سأنطلق من تاريخ الحياة الحضارية و البشرية عوداً على بداية الأديان السماوية و انطلاقتها نقابل ثبات مريم البتول و صبر خديجة و علم عائشة نرى المرأة حاضرة فاعلة قائدة قادرة على توجيه حركة التغيير و نهضة المجتمعات نراها فاعلة مؤثرة في كل مفاصل الحياة قادرة على صنع تحولات جذرية في أسوأ الظروف فكما استطاعت المرأة في الغرب الأوروبي في بدايات النهضة أن تنشئ جيلاً محباً للعلم مهتماً بالنظافة و تفاصيل الحياة و جماليتها حين كان الرجال يرزحون تحت ظلال عبودية الإقطاع و وطأة الطين و الخمر و تمكنت نساء ألمانيا من بناء دولة حديدة بعد أن فني معظم الرجال ، أؤمن بأن الدموع و الدماء التي تسيل بفعل الثورات و الحروب التي يخوضها الرجال لن تُمسح إلا بيد النساء .

و مع الواقع الأليم الذي نعيشه و الأزمات الحضارية و ضغط ثورات الربيع العربي و التغيرات الإقليمية الدقيقة الحاصلة، نجد الخطاب الديني الموجه إلى المرأة خطاباً يتسم بالدونية و أنها تابع لا فاعل بحاجة إلى التوجيه باستمرار كطفل صغير لا يكاد يعرف مصلحته أو قطعة حلوى مغلقة تنتظر من يشتريها و في أفضل الحالات درة مصونة داخل قوقعة في ظلمات المحيطات لا تكاد ترى من نور الحياة شيئاً .

 

هذا الخطاب الذي يركز على فضيلتي الاحتشام و عدم الاختلاط ( و لا أنكر دورهما في الحفاظ على خصوصية المجتمع العربي و تأجيل انهيار الأسرة العربية  ) و لكن جعل هاتين الصفتين هما الأساس و محط الاهتمام دون تركيز على قدرة المرأة و مهارتها في جوانب الحياة المختلفة دفع بالمرأة إلى حالة اللامبالاة التي غالباً ما نراها في المجتمع النسائي و الاهتمام بتوافه الأمور و إضاعة الأوقات  .

فالعمل التطوعي والمجتمعي يكاد يكون مغيباً عن الثقافة النسوية  فبينما تشير الإحصائيات على أن المرأة الأمريكية أكثر النساء في العالم تطوعاً في مجال رعاية الأيتام و مع أننا نعيش تبعات حروب و أهوال و يعج مجتمعنا بأيتام و لقطاء يكتفي خطيب الجمعة بتذكير الرجال أن المرأة لا فرض عليها سوى الصلاة و طاعة الزوج و أنها بذلك تحصل الجنة ! مُتغافلاً عن القوة العاطفية التي تملكها المرأة و التي تُؤهلها لدور محوري في التخفيف من الآثار النفسية و المجتمعية للحروب و انتشال الأطفال من حالة الضياع و احتوائهم لتجاوز الأزمات النفسية  .

أما الفتاوي التي تتحدث عن عمل المرأة ففيها نجد حالة اغتراب حقيقية عن الواقع، بل و انفصال تام عنه و كأنها تتحدث عن عصر غير عصرنا و لا يوجد أي تجديد في الفتاوي و الأحكام بناءً على المتغيرات الاقتصادية التي تعيشها الأسر العربية  و كيف يمكن تجاوزها و التخفيف من أضرارها الاجتماعية حتى الطرح الواقعي للمشكلات و فقه الأولويات يكاد يكون غائباً .

هيمنة الخطاب السلفي المهمش لدور المرأة المجتمعي على العالم العربي مدعوماً بالمال النفطي عمق من قلة فاعلية المرأة في وضع أُسس التطوير و التغيير التي يرنو إليها بصر كل مسلم و عربي .

 

و لا يمكن إغفال دور الخطاب الثقافي العربي المتمدن و الذي  نجده غالباً يشترط على المرأة أن تتخلى عن هويتها الدينية و إنتمائها المجتمعي من خلال لباسها للولوج فيه عن  حالة الرفض المجتمعي جملة و تفصيلاً لكل ما يطرحه المفكرون العرب مهما احتوى من أفكار مهمة للتطوير و التحديث .

إصرار المفكرين العرب على أن تكون المرأة العربية نسخة عن المرأة الغربية في لباسها و تصرفاتها  أدى إلى انعزال الفئة المثقفة عن المجتمع و حصرها في طبقات معينة مما أفقدها القدرة على التأثير الحقيقي في طبقات المجتمع المختلفة التي انحازت بطبيعة الحال إلى ما هو مألوف لديها و اكتفت برأي المؤسسة الدينية في شؤون الحياة اليومية و بذلك أضاعوا فرصة هائلة لإعادة دور المرأة إلى مكانه المطلوب .

و بين خطاب ديني ساذج تجاه أهم عنصر في المجتمع، و خطاب ثقافي اغترابي، تجد المرأة نفسها مكبلة الإرادة عن فعل بناء حقيقي و لكن يبقى السؤال قائماً هل هذا كله يُعفي المرأة من المسؤولية تجاه نفسها و واقعها و مجتمعها و نهضتها ؟

كإمرأة أؤمن بأن مفاتيح النهضة موجودة بين يدي، و بأن الحضارة تصنعها أنثى قادرة على تحمل المشاق الجسام أقولها لا و ألف لا ، تبقى المرأة هي التي تتحمل المسؤولية الكبرى تجاه حالة الكسل و غياب العمل الناجز الحقيقي التي تعيشها .


 

* نور سلام : مدرّسة

 

 

علِّق

المنشورات: 3
القراءات: 37778

مقالات الكاتب