عدد القراءات: 8198

المخيال الطائفي السلفي، والدولة المدنية

 

ما أقصده (بالمخيال الطائفي) تلك التصورات والشحنات الذهنية الثقافية السلبية المتبادلة بين الطوائف الدينية أوالمذهبيه، والتي ليس لها أساس من الواقع الفعلي، ومع ذلك لها من القوه والحضور في المخيال والسلوك الجمعي ما يفوق قوة الصخر في الطبيعة، لأنها ناشئة -تلك التصورات-  عن تراكم صراع  ديني سياسي تاريخي تمتد جذوره إلى مئات السنين، منذ صدر الإسلام الأول، تم خلاله عمليات تشويه وتسويد كل طرف لصورة الطرف الآخر بهدف انجاز أقصى تعبئة ممكنه للقضاء على الآخر، كما يجري في كل صراع وجودي يستهدف فيه كل طرف إلغاء الآخر تماما ً.

 

ولابد أن نشير هنا أن هذه الصراعات الوجودية الطائفية كانت تجري في فضاء ثقافي ديني، وبالتالي تمسي هذه التصورات والأوهام جزءا ً من دين ومذهب كل طرف في هذا الصراع الذي هو في جوهره .. صراع سياسي .. يتوسّل الدين في تحقيق أهداف السياسة، وهنا تكمن صعوبة المشكلة ( المأساة ) التي تواجهنا ونحن نتقدم لبناء دولتنا الحديثة، لأن تغيير المفاهيم والتصورات والخيالات ذات المنشأ الديني / المذهبي / الطائفي / التاريخي الموروث والمكتوب هي من أصعب المهام واعقدها وأطولها زمنا ً، لما لها من جذور نفسيه واجتماعية ضاربه في العمق، وهذا بالنسبة للمتخيل أو الوهمي .. فما بالك بما هو حقيقي وسائد من معتقدات ومفاهيم مذهبيه وطائفيه الدين منها براء..!!

 

أوهام متبادله :

ليست المشكلة في مجتمعنا، ففي كل المجتمعات تكمن الطوائف والمذاهب، وإنما المشكلة تكمن في سيادة التفكير والتصنيف الطائفي لأفراد المجتمع ...وفي تشكيل المواقف والاصطفافات على أساس ديني طائفي ... وفي سيطرة مفهوم نحن على حق والآخرون على باطل، والذي يؤسس لثقافة إقصاء وإلغاء الآخر ونشوء الانقسامات الشاقولية في المجتمع التي تهدد وجوده ووحدة كيانه،  وذلك كبديل عن الانقسامات الأفقية التي تشكل دينامو تطوره ونموه .

إن مجتمعنا العربي مازال في بنيته  وثقافته السائدة يعيش عصوره القديمة أو الوسطى ..  وإن الجهود النهضوية التحديثية التي قام بها رواد النهضة والحداثة لم تحقق من وجهة نظرنا إلا النذر اليسير من تحديث الفكر والثقافة والسياسة حتى على مستوى النخبة .( وهذا الأمر يحتاج إلى حديث آخر ليس هنا مجاله)

إن عملية بناء دولة حديثة وديموقراطية تقوم على سيادة القانون والمواطنة وحقوق الإنسان في إطار مجتمع تسيطر علية هكذا ثقافة،  تبدو من وجهة نظري عملية صعبة وشاقه جدا ً، بل قد تبدو مستحيلة وتشبه إلى حد ما محاولة فرش بيت متهالك - يعشش فيه العنكبوت وتصفر فيه الريح وينخر فيه السوس  بأحدث وأرقى المفروشات والأجهزة الحديثة . أو كما يقول الأدب الماركسي " تركيب بنية فوقية حديثه على بنية تحتية مجتمعيه قديمة ومتهالكة تحكمها الانقسامات الطائفية والقبلية".

إن تجربتنا على مدى عقود علمتنا أن الشعارات الايدلوجية .. والمبادئ الوطنية الحديثة وادعاءات اللاطائفية،  والحديث الذي لاينفك عن المواطنة وحقوق الإنسان، كل ذلك لم يغير شيئا ً حتى على مستوى النخبة، فما بالك بالمجتمع نفس، فحتى الأحزاب  الوطنية والقومية انقسمت على أساس المخيال الطائفي، وايضا الأحزاب اليسارية الطبقاوية، والمؤسسات والوزارات والمدارس ...الخ ..

القاضي الطائفي لن يطبق القانون بشكل متساو...؟

والمدرس الطائفي لن يقدم الدين بمفهومة الإنساني...؟

والوزير الطائفي لن يعين الموظفين على أساس الكفاءة... ؟

وقس على ذلك حتى نصل إلى أبسط وحدات المجتمع .. والإناء ينضح بما فيه .. وليس بما يجب أن يكون؟

 

وعلى صعيد المجتمع،  مازال أغلب أهل السنة ينظرون للشيعة أنهم أخطر على الإسلام من إسرائيل.. وأن لديهم ( أي الشيعة ) قرآن آخر غير القرآن المعروف (مصحف فاطمة)، وأنهم أهل تقية يبطنون الشر للسنة .. وأن الذي أسس التشيع هو عبالله بن سبأ ( اليهودي ) . وأن المسيحيين في مصر كفرة ويخططون لإخراج المسلمين من مصر إلى حيث جاؤوا ( الجزيرة العربية ) .

 

بالمقابل الخيالات نفسها لدى الطوائف الأخرى فالسنة عند الشيعة نواصب، ويخططون لتدمير الشيعة، وهم امتداد للمؤامرة على أهل البيت،  وهم  حرفوا الإسلام ودمروه من الداخل، وزيفوا الأحاديث عن رسول الله ووضعوها .....سلسلة من الخيالات والأوهام التي ليس لها أساس من الواقع .

وإذا أضفنا لتلك الأوهام والخيالات الخلافات المذهبية الحقيقية والقائمة فعلا ً في وعي وإدراك و سلوك نخب وأتباع الطوائف جميعا ً... والتي ترتقي إلى مستوى الدين رغم منشئها السياسي التاريخي، فإننا نكون أمام مشكله وعبىء ثقافي ديني تاريخي هائل يمكن أن يخرب ويفشل كل مشاريعنا في التحديث وبناء الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على أساس المواطنة وسيادة القانون، وحتى لو افترضنا أحسن النوايا .

إن عملية الانتقال من التفكير والنظرة والتصنيف الطائفي المحمل بشحنات سلبية عدائية اقصائية إلى التفكير والتصنيف الإنساني القائم على المواطنة والجدارة والكفاءة تحتاج إلى جهود وبرامج وخطط

ثقافية نقدية وتنويرية بل ثورية تحرر الإنسان العربي عموما ً من هذا العبىء الثقافي التاريخي المتخلف والموهوم، وان دبج الدساتير والأنظمة والقوانين والصراخ بالشعارات والمبادئ التي تلعن الطائفية وأوهامها وخيالاتها وتدعو للحداثة والحرية والإنسانية لن تجدينا نفعا ً وقد أنفقنا قرابة المائتي عام في ذلك بدون طائل منذ أيام الطهطاوي وعبده وحتى الآن ؟!!!

إن الاعتراف بهذه المشكلة وفحصها ونقدها تحت الشمس هو المدخل الأول لحلها لا الالتفاف عليها ولعنها وشتمها لأهداف سياسية مؤقتة وطارئة كما كان ويجري عبر عقود من السنين ولذلك انفجر التطرف والإرهاب الطائفي الديني في وجهنا وكلفنا أنها رمن الدماء .( لبنان، الجزائر، العراق، السودان، سوريا) كما انفجرت في وجهنا مفاجأة الانتشار الواسع للسلفية المتطرفة في كل أرجاء الوطن العربي ( كما نرى في مصر حاليا ً وغيرها ) .

 

إن هذه  الظواهر ليست من صنع الخارج بل هي تعبير طبيعي لثقافة تاريخية قديمة مازالت تعشش في كهوف ووهاد تخلفنا وانحطاطنا .

إن هذه الثقافة وقواها مازالت تتحدث عن دار كفر وإيمان وعن الفتح والغزو بقوة السلاح .. وتطبيق الشريعة حتى على أهل الأديان الآخرين .. وعن الجزية .. وعن ما ملكت أيمانهم .. وعن تصفية الشيعه (الرافضة ) ... وعن حرمة الموسيقى والغناء .. وعن حرمة النحت والتمثيل .. وعن حل مشكلة الفقر بالصبر والزكاة ... وعن فرض النقاب ... إلخ .

إن التحديث والحداثة ليس استيرادا  ًلمنظومات فكرية وتقنيات.. بل هو نقد للذات وإعادة بناء.. فحكامنا مازالوا سلاطين باسم رؤساء.. والتنظيمات السياسية ( ا لحديثة)  عائلات أو طوائف باسم أحزاب.. أو أقليات باسم اليسار ..  سواء كانوا في  السلطة أو في المعارضات .؟؟؟

إن الحداثة والدولة المدنية الحديثة في منشئها الأصلي ارتبطت ارتباطا وثيقا ً بمسارالتنوير الثوره العلمية أولا ً.. والثورة الصناعية ثانيا ً .. والحراك الاجتماعي الطبقي الناشئ عنهما ثالثا ً.. بحيث قوضت هذه المسارات مجتمعة منظومة الثقافة القديمة وقواها وطوائفها وطبقاتها الاجتماعية السائدة باتجاه منظومة جديدة وحديثة أكثر عقلانية وأكثر تنظيم وأكثر إنسانية .. ومن ثم أكثر حرية وديمقراطية .. إن الحداثة والديمقراطية والمواطنة ليست مجرد رغبة فكريه أو إرادة سياسية بل هي بنى وقوى وثقافة ارتبطت بالمنهجيه العلميه والتنويروالصناعة والتنظيم الاجتماعي اللصيق بهما . ان مجتمعاتنا لم تنجز بعد مقتضيات الثورة الصناعية والزراعية الذي أنجزته المجتمعات المتقدمة منذ مائتي عام ( القرن الثامن عشر والتاسع عشر ) .

إن الحداثة في الدولة وفي السياسة لن تكون إلا انعكاساً وتعبيراً لدرجة تحققها في المجتمع وقواه وثقافته ونخبه .. وبتعبير أدق فهي انعكاس ومحصلة للصراع الجاري الآن على ارض الواقع العربي بين قوى الماضي / الموروثة / السلفية / الطائفية / القبلية... وقوى المستقبل الجديدة / الحديثة / العقلانية / الديمقراطية ...وهذا الصراع محتدما الآن ... وفي أعلى أشكاله وتعبيراته على مستوى الفرد نفسه .. والأسرة .. والعائلة.. والمؤسسة. .. والطائفة .. والطبقه .. والحزب..والسلطه..إلخ .

ومن واقع النتائج الفعليه على الأرض فما زالت برأي قوى الماضي / القديمة أقوى وأكثر حضورا وفعالية .. ومازالت تقاوم بشراسة.. ففي مصر انتصر المجتمع للتقليد والسلفية ( الإخوان والسلفيين ) وفي تونس أيضا ً وكذلك الأمر سيكون في ليبيا واليمن و سوريا...

الثورة اطلقتها قوى شبابية عقلانية حديثة اكثر تحررا من موروثها القديم ولكن المجتمع عبر صناديق الاقتراع انتصر للنخب التقليدية الطائفيه السلفية القديمة .

 

إن سقوط نظم الاستبداد والشمولية ليس نهاية المشوار بل بدايته.. لأن الاستبداد كان معطلا ً لفعالية الصراع الاجتماعي بين القديم والحديث.. بين التقليدي والجديد ..بين قوى الماضي وقوى المستقبل

أما الآن فإن سقوط الاستبداد  هو مجرد فتح للباب على مصراعيه لإطلاق صراع جديد وطويل مع قوى الماضي  من أجل المستقبل الجديد ..من أجل الدولة المدنية الحديثة ... دولة الإنسان الحر المواطن .   

لقد آن ألآوان لجهد نقدي جريء خلاق يحرر انساننا من ثقافة الاوهام

لقد آن ألأوان لجهد نقدي ثوري خلاق يحرر انساننا من طائفيه.. الدين منها براء

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون

علِّق

المنشورات: 5
القراءات: 58614

مقالات الكاتب