No votes yet
عدد القراءات: 6704

المخططون الافتراضيون في صفوف تنظيم الدولة؛ ابتكار إرهابي حاسم

الكاتب الأصلي: 
Daveed Gartenstein – Ross and Madeline Blackman
تاريخ النشر: 
8 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

 

يوم التاسع عشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قاد "أنيس عامري" شاحنة مخطوفة واقتحم بها سوق عيد الميلاد في إحدى الساحات الرئيسية في العاصمة الألمانية برلين، وقتل 12 شخصاً. في اليوم التالي، أصدرت وكالة "أعماق" التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية بياناً أعلنت فيه مسؤوليتها عن الهجوم، ورغم ما طرحهُ  بعض المحققين المشككين بخصوص قدرة  تنظيم الدولة على تَبَني هجوم لا يحمل بصماته الحقيقية، فقد قطعت الجماعة المسلحة الشك باليقين بعد أربعة أيام من الحادثة عندما بثت شريط فيديو يظهر "العامري" يبايع "أبو بكر البغدادي" زعيم التنظيم، وتوصل المحققون إلى أن "العامري" كان على تواصل مع أعضاء سريين في صفوف التنظيم، لمرة واحدة على الأقل وذلك باستخدام تطبيق "تيليغرام" للمراسلة.

ورغم أن الغموض لا يزال يكتنف الكثير عن قضية "العامري"، إلا أنها تحمل بالوقت ذاته الكثير من العلامات المميزة لأسلوب  "مخططي التنظيم الافتراضيين" والخاص بتنفيذ الهجمات الفردية. في هذا الأسلوب، يخطط العملاء السريون الذين هم جزء من قسم العمليات الخارجية في التنظيم، الهجمات على الإنترنت مع أنصارهم في أرجاء المعمورة. ولم يكن معظم هؤلاء قد التقوا شخصياً قط بعملاء التنظيم الذين يتآمرون معهم. ويبدو أن معظم المخططين الافتراضيين يتمركزون في دولة "الخلافة" في سوريا والعراق إلى حد كبير، نظراً لقربهم وسهولة تواصلهم مع القيادة العليا للتنظيم. ولكن بما أن الشيء الرئيسي الذي يحتاجه المخططون هو الاتصال بالإنترنت والتشفير الجيد، فيمكن القول نظرياً إنه باستطاعتهم العمل من مواقع أخرى. إن التشتت الجغرافي لعناصر التنظيم يحمل في طياته مخاطر كبرى في أن يتم تحديد أماكن تواجدهم، ولكن يبقى احتمال ظهور مخططين افتراضيين بارزين ممن يعملون من خارج الساحة السورية والعراقية احتمالاً قائماً، لا سيما وأن تنظيم الدولة ماضٍ في الانحسار ككيان على الأرض.

لقد أحدث أسلوب" المخطط الافتراضي" تغييراً جذرياً في العمليات الخارجية للجهاديين، إذ استغل تنظيم الدولة التقدم الأخير في مسألة التواصل عبر الإنترنت والتشفير، بهدف هندسة عملية يستطيع عبرها كبار عملائه السريين إرشاد منفذي الهجمات الفردية، بالإضافة إلى لعب دور جوهري في الأمور المتعلقة بالمفاهيم الخاصة بالتنظيم، وانتقاء الأهداف ناهيك عن توقيت تنفيذ الهجمات. يستطيع المخططون الافتراضيون  توفير الخدمات ذاتها تلك التي تقدمها الشبكات الواقعية للعملاء السريين. ساعد هذا الأسلوب على نقل "المهاجمين المفردين" والذين يعتمدون على الإنترنت بصورة كبيرة، من أمانيهم الخرقاء في القرن الماضي إلى شيء أكثر خطورة، وأثبت هذا الأسلوب خطورته لا سيما مع الدعوات التي أطلقها مفكرون من أمثال "أبو مصعب السوري" لشن هجمات باستخدام أيَ من الوسائل المتاحة، ولقيت آذاناً صاغية في أوساط تنظيم الدولة: إن قيادة سيارة واقتحام حشد من الناس أو تنفيذ عمليات طعن أسهل -لِنَقُل- من "ضرب البنتاغون باستخدام طائرة محملة بالمتفجرات". وبالإضافة إلى ذلك، فيسمح أسلوب "المخططين الافتراضيين"  لتنظيم الدولة أن يزيد إلى الحد الأقصى من القيمة المؤثرة والدعائية لهجمات تُشَنُ باسمه مع الحرص على أن تندمج بسلاسة  مع الاستراتيجية الـشاملة للتنظيم، لكنه وفي الوقت ذاته، يتحاشى الكثير من المخاطر المرتبطة بالعملاء المُدَرَبين بدنياً.

وهنا، يطرح السؤال التالي نفسه: لماذا لم يتم الأخذ بأسلوب "التخطيط الافتراضي" إلا مؤخراً؟! ثم، ألم يكن بمقدور تنظيم القاعدة استخدام الأسلوب ذاته سابقاً؟!.  

حاول تنظيم القاعدة ذلك لكنه فشل ويبرز هنا سببان لفشله: أولهما، وكما ذكرنا آنفا، كان تنظيم القاعدة يفضل الهجمات المعقدة والتي كان من السهل اعتراضها وإفشالها، أما ثانيهما، فهو أنه لم يكن "المخطط الافتراضي" فعالاً في ظل غياب التطور الأخير مثل الانتشار الكلي لمواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة ازدهار عمليات التشفير والذي لولاه  لكان سيتم  إفشال المؤامرات التي يخطط لها المخططون في كل مرة، ولكن تبقى هنا أسئلة مهمة من قبيل: ما الذي يعنيه مثال المخطط الافتراضي بالنسبة للمهاجم الفردي؟  وهل من المُرَجَح تَبَني هذا الأسلوب من جانب المجموعات المسلحة الأخرى؟، ثم ما الذي يمكن أن تفعله السلطات لمواجهته وتَبني إجراءات ترحيل الجهاديين؟!.

 

عمليات تنظيم الدولة الإسلامية الخارجية ذات التركيب الدقيق:

إن أسلوب "التخطيط الافتراضي" هو جزء متمم لقسم العمليات الخارجية ذات التركيب الدقيق في صفوف التنظيم. ولذلك فقد كانت البُنية التحتية هذه تعوزها الطموحات الكبيرة  وراء هجماتها الإرهابية خارج أراضي الخلافة، كتلك التي أظهرها "تنظيم القاعدة" من خلال هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر أو مؤامرة شن هجمات جوية عبر الأطلسي عام 2006 . على أية حال، فقد أظهر تنظيم الدولة الإسلامية مقدرة غير مسبوقة على تنسيق الهجمات الناجحة في بقاعٍ مختلفة عبر العالم.

"الأمنيات الخارجية" هو قسم عالي التنظيم، ذو تسلسل هرمي داخل صفوف تنظيم الدولة، ومسؤول عن انتقاء وتدريب العملاء الخارجيين وتنفيذ العمليات الإرهابية خارج الديار. قبل مقتله، كان المدعو " أبو محمد العدناني"  وهو أحد كبار مسؤولي تنظيم الدولة، يرأس جهاز "الأمنيات الخارجية". ومن غير الممكن الجزم من مصادر مفتوحة بمدى مشاركة "العدناني" بتخطيط الهجمات قبل أن يلقى مصرعه بغارة جوية أمريكية. وتصف بعض التقارير إدارة "العدناني" لقسم الأمنيات أنها عملية وفعالة نسبياً، بينما يعتقد بعض المحللين الأمريكيين أن دوره كان أكثر من مجرد شخص يصدر الأوامر من دون التفكير بها ملياً.  

و بغض النظر عن مدى دور "العدناني"  كرئيس لقسم "الأمنيات"، يبدو جلياً أن معظم العمل اليومي أصبح مُناطاً بالمدعو "أبو سليمان الفرنسي"  وهو شاب من أصل مغربي اسمه "عبد الإله حميش"، ويبلغ من العمر 27 عامًا،  يرأس "أبو سليمان" مجموعة من العملاء السريين يمكن وصفهم بالقادة الميدانيين المسؤولين عن الهجمات الممتدة من أوروبا وصولاً إلى جنوب شرق آسيا. يتم توزيع مناطق جغرافية معينة يكونون مسؤولين عنها وفقاً لجنسياتهم وقدراتهم اللغوية، ويوكلُ إليهم تخطيط الهجمات في المناطق تلك.

لقد جرى دمج "المخططين الافتراضيين" مع جسم القيادة الجغرافية هذه، ويعملون غالباً كقادة ميدانيين ولكن في العالم الإلكتروني. ويتم تعيين"مخططي تنظيم الدولة" أيضاً على رأس مواقع مسؤولية وفقاً لجنسياتهم ومهاراتهم اللغوية، ويوكَلُ إليهم مسألة تجنيد المهاجمين من هذه المناطق والتعامل معهم بصورة فعالة.

إن قرار تعيين هؤلاء المخططين في المناطق الجغرافية التي يعرفونها جيداً، يسمح لهم بالتواصل مع عناصر لا تزال تشارك في العمل المحلي المسلح، فمثلاً، في شهر نيسان/ أبريل من العام الماضي، فككت الشرطة الأسترالية خلية كانت تخطط لشن هجوم بالتزامن مع "يوم الأنزاك" وهو مناسبة تذكارية للقوات المسلحة الأسترالية والنيوزيلندية. كان قادة تلك الخلية على تواصل منتظم مع  الأسترالي " نيل براكاش" "المخطط الافتراضي" لتنظيم الدولة في البلاد والذي تقول التقارير إنه ساعد في حبك المؤامرة. وتقول الشرطة الاسترالية إن أولئك المتآمرين و "براكاش" كانوا على صلة بمركز "الفرقان" وهو مركز إسلامي محافظ في مدينة " ملبورن" لأنه يُعتبر محوراً وحاضناً للقتال. بعد مغادرته أستراليا قاصداً أرض الخلافة ، شجع "براكاش" بعض المسلحين الشباب على أن يحذوا حذوه ويهاجروا إلى هناك أيضاً، في الوقت الذي كان يوجه فيه آخرين للبقاء و تنفيذ الهجمات داخلياً.

في بعض الأحيان ، كان قادة تنظيم الدولة الميدانيين يعملون كمخططين افتراضيين بصورة قابلة للتبادل، تماماً مثلما حدث مع "بهرون نعيم" وهو أحد كبار مقاتلي التنظيم من الإندونيسيين. في شهر أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، فككت الشرطة الإندونيسية خلية في منطقة "باتام" كانت تنسق مع "نعيم" لشن هجوم صاروخي في خليج "مارينا"، -آنذاك-  قالت السلطات إن أعضاء خلية "باتام"  كانوا يقيسون نقاط الارتفاع  والمسافة التي تفصل الهضبة عن هدفهم في "سنغافورة"، أما "نعيم" فقد خطط لنشر تقنيين بعد ذلك لصناعة المتفجرات والتحضير للهجوم.  

 

الإلهام والتنظيم:

في وقت سبق ظهور "تنظيم الدولة الإسلامية"، غالباً ما كان "تنظيم القاعدة" يستخدم أجنداته الدعائية وبياناته العامة، في محاولته إلهام الأفراد لتنفيذ الهجمات، حيث برز اسم " أنور العولقي" وهو مسؤول في تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وأحد المروجين له، في استخدام الإنترنت للدعوة لشن هجمات "الذئب المفرد". كان " العولقي" يأمل في أن يتمم "المهاجمون الفرديون" الخطط التي توجهها مركزية تنظيم القاعدة، بدلاً من استبدالها، ونذكر منها مؤامرة لتفجير حزام ناسف نفذها "عمر الفاروق عبد المطلب" عشية عيد الميلاد من العام 2009، حيث ساعد "العولقي" في التخطيط لها بنفسه.

استطاع "العولقي" عبر بياناته العامة لا سيما خُطَبِهُ المغمورة على "يوتيوب" تحريك عدد كبير من الناس: وفقاً لمشروع مواجهة التطرف، فقد كان لفيديوهات" العولقي" وكتاباته بالغ التأثير على حوالي 90 متطرفاً معروفاً في الولايات المتحدة وأوروبا، وبعضهم كان حتى بعد مقتل "العولقي" بغارة أمريكية عام 2011. وشملت المؤامرات الأخيرة والتي تأثرت "بالعولقي" جزئياً على الأقل، تفجيرات " ماراتون بوستون عام 2013" و"هجوم سان بيرناردينو عام 2015" بالإضافة إلى حادثة إطلاق النار في نادي "بلس" الليلي في مدينة أورلاندو العام الماضي. وتفجيرات شهر أيلول/ سبتمبر من العام ذاته في "نيويورك و نيو جيرسي". ومع ذلك، ورغم مهارته كشخصية مُلهِمة، كان كل ما استطاع "العولقي" فعله هو بث الدعوة أملاً في أن يحمل أحدهم السلاح استجابةَ لها.

إن التخطيط الافتراضي لتنظيم الدولة هو ثمرة وتطوير يضاف على منهج "العولقي". ويتمتع مخططو التنظيم بالقوة التي تمكنهم من نشر شبكة تجنيد أكبر من شبكة "العولقي". وبالطبع كان "العولقي" نتاج عصر الاتصالات الشامل والترابط العالمي، بيد أنه حتى مهاراته الخطابية الشعبية لم ترقَ لمستوى مشاعر "المودة عن بُعد" مع أناس يعيشون في النصف الآخر من الكرة الأرضية، تلك المشاعر التي يمكن تقويتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو حجم وطبيعة التواصل ذات الوجهين والتي يسمح بها هذا الوسط. ويعتقد مسؤولو المخابرات الهندية أن المخطط الافتراضي لتنظيم الدولة في جنوب شرق آسيا ، المدعو "يوسف الهندي" كان على تواصل مع أكثر من 800 هنديٍ  عبر "فيسبوك" والواتس اب" . ولا يبدو أن أحداً من المُروجين للتنظيم أو مخططيه الافتراضيين يمتلك النوع ذاته من الجاذبية الخام التي حَظي بها "العولقي"  تجاه متحدثي الإنكليزية، إلا أن لديهم ميزة استغلال وسط اجتماعي يجذب الاهتمام أكثر، ببساطة نظراً للتواصل الدائم الذي يتيحه.

قد يسمح هذا النوع من التواصل المستمر، بمعدل تجنيد أعلى من التواصل باتجاه واحد كأفلام الفيديو. من خلال بناء علاقة  "قوية" مع مهاجم محتمل، يوفر المُخطِط الافتراضي التشجيع والمُصادقة أثناء معالجته شكوك المهاجم وتردده. يستطيع المخططون تكرار الضغوط الاجتماعية نفسها التي توجد في خلايا الأشخاص. وكما قال "بيتر واينبيرغر" جامعة اتحاد "ميريلاند" الوطني لدراسة الإرهاب والردود عليه: "يدخل الناس إلى غرف الدردشة هذه وهم يشعرون كما لو أن علاقة تجمعهم مع شخص ما وإلى هذه الغرف يجذبهم التواصل الفردي". وليس القصد من هذا، التقليل من أهمية شبكات التجنيد الشخصي حيث من المُرجح أن تكون الضغوطات الاجتماعية هنا حادة أكثر من كونها في الوسط الافتراضي، غير أنه لا تتوفر دائماً شبكات شخصية يمكنها التفاعل مع عملاء محتملين. يدخل الناس ببساطة إلى الشبكات التي يمكن البحث عنها على الإنترنت  بدلاً من الاضطرار إلى توضيح هوياتهم من قبل شبكات التجنيد الشخصي التي يجب أن تعمل سرياً. وعلى عكس الشبكات الواقعية، لا يجازف أسلوب التخطيط الافتراضي بأسر أو حتى موت عملاء الشبكة المهمين.

 

قد يتواصل الأفراد الذين يلهمهم تنظيم الدولة، مباشرة مع المخططين الافتراضيين طلباً للإرشاد والمساعدة في تنفيذ الهجمات. ويُظهِر "جنيد حسين"  "الهاكر" البريطاني السابق والذي أصبح إرهابياً، كيف يستطيع المخططون تدريب المقاتلين المحليين. كان "العميل" "جنيد خان" تحت أعين أجهزة مكافحة الإرهاب البريطانية منذ العام 2014. في البداية، خطط "خان" للسفر إلى أرض الخلافة ولكنه عَدلَ عن هذه الفكرة مطلع العام 2015، وراح يركز على تنفيذ هجوم محلي مستغلاً مهنته كعامل توصيل، راقب "خان" ورصد القواعد العسكرية الأمريكية في بريطانيا. وفي تموز من العام 2015، تبادل "خان" عدة رسائل مع "جنيد حسين" باستخدام خدمة "شوربوت" وناقشا الأمور اللوجستية لخطط الهجوم الممكنة. أرسل "حسين" لـ "خان" كُتَيباً عن كيفية صناعة قنبلة وأخبره أن يصنع المتفجرات ويستخدمها ضد قوات الشرطة التي وصلت إلى مسرح الهجوم الذي نفذه.

ورغم أنه جرى اعتقال "خان" قبل تمكنه من تنفيذ الهجوم، إلا أن هذه القضية توضح كيف يوفر المخططون جميع الخدمات التي اعتادت أن تكون صفة مميزة للخلايا المادية فقط.

ويستطيع المخططون من وراء التجنيد والإرشاد العملياتي، الجمع بين مختلف الأفراد والخلايا لتشكيل شبكات هجومية أكبر. في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، اعتقلت الشرطة الفرنسية مجموعة من النسوة الإرهابيات اللواتي نفذن مؤامرة فاشلة لركن سيارة مفخخة قرب كاتدرائية "نوتردام" في باريس. طعنت إحدى تلك النسوة ضابط شرطة خارج  محطة "سان أنتوني" للسكك الحديدية، وسرعان ما اعتقلتها الشرطة قبل محاولة الهجوم، لم تكن تجمع بين النسوة أي علاقة تذكر، إلا أن المخطط التابع للتنظيم في أوروبا "راشد قاسم" نجح في جمعهن سوية.

من خلال إيجاد صلة تواصل بين هؤلاء النسوة، دمج "قاسم" نوعين مختلفين من الجهود الإرهابية في منطقتين مختلفتين في فرنسا، مرتكزاً على عدم رغبة أحد العملاء بتنفيذ نوع معين من العمليات.  كانت الشابة  الفرنسية "سارة هيرفويت" ذات الـ23 عاما والتي اعتنقت الإسلام، وخططت لهجوم في بلدية "كوجولا" جنوب شرقي فرنسا، على تواصل مع "قاسم" على تطبيق "تيليغرام"  وبناءً على أوامره كتبت "هيرفويت" وصيتها ورسائل وداع لأقاربها وبثت تسجيلاً مصوراً أعلنت فيه انتماءها لتنظيم الدولة، لكنها فقدت الدافع لتنفيذ العملية التي وضعها "قاسم" لها وهي "عملية انتحارية ضد قوات الشرطة" ولهذا فقد جعلها تتواصل مع امرأتين للتجهيز لتنفيذ هجوم في باريس بدل ذلك.

ورغم أن النسوة فشلن بتنفيذ الهجوم الدراماتيكي الذي كان "قاسم" يأمل وقوعه، إلا أن هذه الحالة تظهر السرعة والرشاقة التي يعمل بها المخططون الافتراضيون. لم يكتفِ "قاسم" بإقناع 4 نساء بتنفيذ هجمات عنيفة تحمل اسم تنظيم الدولة فحسب، بل جعل وعلى جناح السرعة خططه تتأقلم مع أفضليات العملاء الذين تواصل معهم ودمج هجومين مميتين لزيادة فرص نجاحهما.

 

التفكير في المستقبل:

يتيح المخططون الافتراضيون في صفوف تنظيم الدولة، للجماعة الاستيلاء الفعال على ملكية  الهجمات التي كانت توصف مسبقاً أنها هجمات "الذئب الوحيد". من خلال إيجاد جسر للتواصل بين مسلحين مفترضين والتنظيم، يُمَكِنُ مخططو الأخير الجهات الفاعلة والوحيدة من تحقيق أهداف الجماعة باستخدام الحد الأدنى من مواردها الخاصة. يحول المخططون هؤلاء الأفراد إلى سفراء لشعار تنظيم الدولة، وجنود يحققون أهدافه الاستراتيجية، يظهر كل هجوم يشنه تنظيم الدولة قدرته على الوصول إلى أي مكان في العالم. بهذه الطريقة يساعد المخططون على رفع مستوى التأثير السيكولوجي وسمعة عمليات العنف التي يتم ارتكابها تحت اسم تنظيم الدولة، إلى أقصى حد ممكن.

يشدد نجاح أسلوب التخطيط الافتراضي على العملية التي تنتهجها الجماعات الجهادية للتعلم التنظيمي، مثلما رأينا تماماً تطوراً من دعوات تنظيم القاعدة الأصلية لشن هجمات "الذئب الوحيد" إلى الطرق التي وظفها "أنور العولقي"، وهنا يشير منهج تنظيم الدولة إلى تحول أساسي آخر.

ولا يخلو هذا الأسلوب من القيود بالطبع، إن النقص في التدريب الشخصي يمثل خسارة على اعتبار أن العملاء غالباً ما تعوزهم الخبرة في التنفيذ الاحترافي لما يمليه عليهم قاداتهم. وتتعرض الخلايا التي يديرها المخططون الافتراضيون إلى مخاطر أكبر في أن يتم اكتشافها من قبل أجهزة الاستخبارات رغم التقدم على صعيد التشفير.

ومع ذلك، يبقى نهج التخطيط الافتراضي منخفض التكلفة واستراتيجية مربحة جداً مع قدرة تدميرية هائلة، خصوصاً في ظل استمرار تنظيم الدولة وغيره من الجماعات الإرهابية في تطوير وصقل هذا النهج. وإلى الآن، تفوق جهود التكيف في عمليات الجهاديين الخارجية، نظيراتها التي تبذلها الدولة لإيجاد طرق فعالة للتصدي لهم.

علِّق

المنشورات: 90
القراءات: 599855

مقالات المترجم