عدد القراءات: 7559

المتدين العشوائي حتى نمنع تكرار ما حصل في بروكسل ...

 

لماذا يخفت صوت العقل المتدين، بينما يعلو ضجيج ومفرقعات المتدين المجنون؟

لماذا تراجع وانحسر الفكر الذي نادى به الائمة جمال الدين الافغاني ومحمد عبده والطاهر بن عاشور، وعلال الفاسي والطاهر حداد وعبد الله النديم؟ ...

لماذا لم يتابَع ما نادى به طه حسين وأحمد أمين وعباس العقاد، وشبلي شميل، وسلامة موسى وغيرهم؟

لماذا يتقدم غيرنا إلى الأمام ونحن إلى الخلف؟

لماذ يفجر البعض في بروكسل وفي بغداد وفي دمشق ؟

تتطلب الإجابة منا على هذه الإشكاليات الحاضرة أن نخطو خارج الإجابات المتداولة، والفهوم الضيقة، إلى عالم أكثر وعياً...

 

يحلو للكثيرين نعت الدين بالرجعية، وتوصيف الإسلام بانه سبب البلاء وإيهام الناس أن الإسلام فاقد لأي خطاب إنساني وحقوقي ...

لقد جعلوا من الإسلام سبباً لكل بلاء ولم يقدموا الدواء وعابوا على المسلم ماضويته ونسوا انهم أيضا في غربة عن حاضرهم واغتراب عن تاريخهم وقسمات هويتهم...

وأن المسلم التقليدي لا يختلف عن العلماني فهما في غربة واغتراب عن الواقع...

ولم يتعلموا من الأخطاء ولم يعرفوا او لم يبحثوا عن حقيقة دعواهم.

وإذا افترضنا حسن النية في هؤلاء، فإننا نطالبهم بالبحث والتعمق أكثر...

إن نكوصنا على أعقابنا كان ومازال بسبب فقدان السياسة الشرعية...

 

لا يتحمل الإسلام أي تبعة أو رهق معاصر ... وسبب كل الرزايا هو الانحراف الدستوري وليس الدين الإسلامي ...

إن الازمة الدستورية وفقدان السلطة المنتخبة خلقت ما أسميه (المتدين العشوائي)...

تبدأ الحكاية بعد انهيار الخلافة الراشدة 41 هـ  وتحول الحكم من بواكير مشروع حكم سياسي  يؤسس لحكومة منتخبة  بهوية خاصة وبطعم مغاير لما هو سائد آنذاك إلى حكم الفرد وأسرته...

فـ (الحكام عندنا يظهرون فجأة كالنبات الشيطاني لا تعرف كيف ظهر ولا من تعهده) 77 الإسلام والاستبداد السياسي الطبعة العاشرة 2014م دار نهضة مصر.

وبفعل هذا التحول صارت عوالم السياسة، تعين الأوغاد وتحميهم وتحول الأخيار إلى أشرار...

ليس مستهجناً ولا غريباً القول بأن كل الحكومات التي تعاقبت بعد تنازل الحسن بن علي عن الخلافة كانت وراثية، وهي تتنافى مع مفهوم السلطة الشرعية التي تعني إمامة الشعب على الحاكم وتحديد صلاحياته...

إن تحسين صورة فترة ما بعد الخلافة الراشدة تولاها رجال السلطة الذين سموا كل فترة خلافة باسم عائلتهم، بدء بالأمويين وانتهاء بالعثمانيين ...

 

2

إن دفاعنا عن الإسلام لا يعني تبرير وجود قصور في المسائل الثقافية التي تم ادراجها لاحقا في شروح الدين واقحام ما ليس من الدين في صلب الدين ...

كما أن إدانتنا للفترات المتلاحقة من التاريخ لا تعني نفي بعض اللمع الهادية في جنباته لكنها غير كافية مع أهميتها فهي لم تؤسس لحياة دستورية سلمية يعلو فيها صوت المواطن بدل الكرباج وصوت العقل بدل الشعراء وصوت المعارضة بدل فقهاء السلطة ...

التاريخ كتب بيد السلطة فساد تاريخ السلطة على العقل العربي والمسلم ولأن للتاريخ سلطة على الطبع الإنساني فقد وقعنا بين فكين قاتلين تاريخ السلطة وسلطة التاريخ ...

تاريح السلطة يمجد لنا كل ما حصل، ومادام كل شيء حلو وجميل

فلماذا نحن في كل هذا العكر؟! ...

حتى نفهم لماذا ظهر المتدين العشوائي علينا أن نقوم بإيجاد التفسير السليم للتاريخ وتفسير المنطق البائس لسلوك الحكام الذي اسموا توسعاتهم ونزواتهم السياسية فتوحات إسلامية بعد سقوط الخلافة الراشدة...

لن تكون الصورة التي نرسمها جميلة لكنها واقعية وتنصف الانسان والإسلام أيضاً...

علينا أولا تعليق ثقتنا في الحكم التقليدي المتوارث لكثير من الاحداث والشخصيات...

فماذا يعني مثلاً أن نقر بأن خلافة العباسيين كانت إسلامية وفيها تم اقصاء كل ما هو إسلامي ويعبر عن نبض الشعب في غالب المراحل ...

يقول الامام محمد الغزالي عن حالة المجتمع في عهد حكم العائلة العباسية:

أما جمهرة الأمة والسواد الأعظم من المسلمين فقد كانوا وراء الائمة والعلماء والعباد يملؤون صفوف الصلاة ودروس العلم وأسواق التجارة واكناف البادية والحضر وكأنهم يرون أن السلطان من لا يعرف السلطان...

وقد جنى العباسيون عواقب هذا التخبط فكانت القرون الأخيرة من حكمهم بلاء هدم اشخاصهم بقدر ما هدم من قيم الإسلام !!! ص 41 الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر

لابد أن نقر كبداية للخلاص من ظاهرة المتدين العشوائي أن نبين أن ظهور المتدين العشوائي بدأ منذ انهيار الحكم الراشد وتحول الحكم من الشرع الجماعي الى حكم الاسرة ...

وبذلك تحول الدين من قانون يعني انه لا مواطن صغير أمام شرع الجماعة بل الكل سواسية إلى أن المواطن مغيب بلا أي حول ولا قوة..

وتحول الدين من فعل ينهى عن المنكر وراس المنكرات انحراف السياسي إلى مجرد مكبرات صوتية تتباكى على ما كان وكنا ولا تعرف ما نحن فيه...

واستمر ينمو المتدين العشوائي ويظهر تارة بوضوح ويختفي حسب مزاج السلطة ورأس الحكم...

 

من هو المتدين العشوائي ...؟

إنه مسلم انتسب الى الإسلام ويعيش مفارقة بين ما يتمناه وبين ما هو واقع...

بين تاريخ يفرض سلطانه عليه وبين واقع يذهب أي سلطان له ...

وتمعن السلطة في تزوير مطالب هذا المتدين  فتشتد في اذلاله والامعان في نفيه...

كل اقصاء يتبعه توحش...

وكل توحش ليس من الدين...

ولكن وبحكم جذور ذلك الشخص المتدين تصبح ردة فعله تتستر بالدين ولكنها تخفي حقيقة عقد التسلط والالغاء الرسمي له !!!

فيعمد المتدين العشوائي  الى الدين ليبرر زهق نفسه وزهق خصومه أيضاً ولن يعدم شواهد له من التاريخ لنصرة انحرافه!!!!

ويستفيد المتسلط من هذا كله فيضرب بيد من حديد كل فكر تحرر من التسلط !!! وهو ما حصل في سوريا وفي مصر وفي كثير من البلاد العربية...

ويقوم المتسلط  بتحوير الدين واحتوائه أيضاً...

ونقل الدين من الإصلاح الجماعي الى الصلاح الشخصي.

ومن التوبة عن المقابح السياسية الجماعية الى الاعتناء بالصغائر الفردية...

وينتقل الدين من الانتماء له الى الالتحاق بالطائفة...

ومن إعلاء فكرة حرمانية الدم الى استباحة الجميع ووصفهم بالجاهليين  ...

وكردة فعل وتعميقاُ للعشوائية المتقصدة من قبل السلطات تظهر الدراسات المتباينة هنا وهناك...

فتارة يتم وصف الإسلام بأنه دين الجهاد وتارة يوصف الإسلام بأنه فم يقبل يد الطغاة...

وتارة يظهر الإسلام بلا أظافر وتارة يكون الإسلام دين السكين!!!

وتارة يتم افتعال الخصومة مع الأديان الأخرى باسم الإسلام وتارة يقدم الإسلام بوصفه ديناً متسامحاً!!!

وتارة تحدث الصدامات بين الإسلام والمكونات العرقية والقومية وان الإسلام خصم لدود لكل الأعراق والقوميات وتارة يظهر الإسلام بانه وطني !!!

وتتعمق أزمة المتدين نتيجة تلك التشوهات والمفارقات وينمو الفكر العشوائي فيظن صاحبه خلاصه في تفجير ذاته وفي سعيه لوهم الخلافة التي ما كانت بعد تنازل الحسن رضي الله عنه إلا خلافاً للحق ولو بنسب متباينة ...

وتتكرر المآسي في بروكسل وفي بغداد وصنعاء واليمن وفي مصر ودمشق والمتهم دوماً الإسلام ويتناسى الكل أن ما حصل إنما هو نتيجة فقدان العدالة والإرادة الشعبية الحرة في إدارة الحكم ...

وأن الإرهاب لا يحل بتوصيف إسلامياً أو مسيحياً أو يهودياً بل بقراءة أسباب نموه وأن المتدين العشوائي هو وليد الانكسار السياسي، كما أن النقد للمسألة الثقافية الإسلامية وصب الغضب على ابن تيمية وسيد قطب وغيرهم من الرموز لا يحل المشكلة ولا يقدم الدواء الناجع ...

الحل في استعادة شرعية الحكم وفي تصحيح الانحرف السياسي الذي حرف كل شيء فحول الناس الى شعراء أو منتحرين

الحقيقة المرة التي لابد من ذكرها أنه عبر العصور لم يستلم إسلامي الحكم...

عبر العصور لم يحكم الإسلام إلا في زوايا شخصية لا تتجازر الطهارة واحكام الطلاق والزواج والبيوع ...

عبر العصور لم يحمل الإسلام أي حاكم...

عبر العصور حمل الإسلام وزر الحكام ...

عبر العصور كان الإسلام هو الضحية ...حتى في تفجيرات بروكسل ...

إن الإقرار بهذه الحقائق يعني الكف عن التخويف من الإسلاميين ومنحهم فرصة عادلة والبدء بعلاقة جيدة بين مكونات المجتمع بكل اطيافها تتجازر فكرة الاتهامات المتبادلة وتعتمد على المحاسبة الواضحة على برامج السياسة وعلى تأييد كل من يدعم فكرة الدولة المدنية واحترام القانون...

مدنية الحياة ودستورية الحكم تنقذ الانسان والحياة والأوطان والأديان وتمنع تكرار ماسي القتل العشوائي باسم المتدين العشوائي من دمشق وحتى بروكسل.

  


 

علِّق