عدد القراءات: 1794

المادَّة الخام لمُنتَج "داعش" في كتبنا !

 

حينَ هاجمَ مُسلحان مُسلمان الجريدةَ الفرنسيَّة "شارلي هيبدو" وقتلوا بعضَ العاملين فيها، شعَرَ كثيرٌ من المُسلمين في العالَم بالسُّرور، لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ الهجومَ أعادَ الاعتبارَ والاحترامَ للمُسلمين، حيثُ إنَّ الصَّحيفة الفرنسيَّة نشرتْ رسوماً كاريكاتوريَّةً تُسيءُ لصورة رسول الله في عقول النَّاس.

إنَّ الهجومَ على مقرِّ الصَّحيفة كان خاطئاً لأنَّ المُهاجمين خالفوا أمرَ الله القائل :

" لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ" آل عِمران 3/186

 

إنَّ حمايةَ صورة رسول الله في عقول النَّاس لا يجب أن تكونَ عن طريق مُخالفة أمر الله، بل عن طريق تعريف غير المُسلمين بدين الله، وهذا يقتضي أن يعرفَ المُسلمون أنفسُهم دينَهم، أكثرُ المُسلمين اليوم لا يعرفون شيئاً عن دين الله، لكنَّهم يعرفون أشياء كثيرة عن الدِّين الذي كتبته أيدي الشياطين ليحلَّ محلَّ دين الله.

ألَّفَ ابن تيمية كتاباً من 1000 صفحة يقولُ فيه إنَّ شاتمَ رسول الله لا توبةَ له وأنَّه يجبُ أن يُقتَل. هذا مُخالفٌ تماماً لكتاب الله.

قبل الهجوم على الصحيفة لم يكن أحدٌ يعرفُ عنها شيئاً، لكن بعد الهجوم باعتْ ملايين النسخ وشاهدَ العالَمُ كلُّه تلك الصُّور الكاريكاتورية وأصبحتْ حياةُ المُسلمين في أوربا صعبةً !

يوجدُ اليوم دينان، الأوَّل هو دينُ الله الذي اكتملَ بكمال نزول آيات الله، ويلتزمُ قليلٌ من المُسلمين حول العالَم بهذا الدِّين، و"الدِّين الثَّاني" هو الدِّين الذي كتبتْه أيدي علماءُ السَّلاطين والأغنياء لإرضاء أهوائهم، وقالوا إنَّ هذا الدِّين من عند الله مع أنَّه يُخالفُ كتابَ الله، مع الأسف هذا الدِّين مُنتشرٌ بكثرة بين المُسلمين اليوم ويدرسونه في المدارس والجامعات، وظهرتْ في الفترة الأخيرة داعش لتطبيقه.

نحنُ لا نعرفُ مَن هم قادةُ داعش، ربَّما هم عملاء لأمريكا وإيران وإسرائيل وروسيا، لكنَّ هذا التنظيم يجذبُ كثيراً من المُسلمين الذين لا يعرفون دينَ الله الحقيقي ويظنون أنَّهم على طريق الجهاد.

 

أُريدُ الفصلَ بين دين الله الحقيقي وبين الدِّين المُزيَّف"دين داعش" الذي يُشوِّهُ صورةَ رسول الله في العالَم كما يلي :

 

- أوَّلاً : القاعدة التي قامَ عليها دينُ الله تقومُ على حريَّة الاعتقاد : " وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" الكهف 18/29، واللهَ لا يقبلُ إيماناً بالقوَّة : "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا" البقرة 2/256

لو شاءَ اللهُ لجعلَ النَّاسَ كلَّهم مؤمنين، لكنَّ حريَّة الاختيار هي أساسُ المكافأة والعقاب يوم القيامة، ولا أحد له الحقُّ بإكراه النَّاس على قبول دين الله : "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ" يونُس 10/99

هذه الآياتُ هي دينُ الله الحقيقي، لكنَّ الدِّين الذي كتبتْه أيدي الشياطين قامَ على أساس إكراه الآخرين على قبوله.

كتبُ الفقه الإسلامي لا تقبلُ هذه الآيات وتقولُ بأنَّها منسوخةٌ، لأنَّ روايةً مكذوبةً في كتب الحديث تقول : "مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلوه". وفقَ هذه الرواية المكذوبة فإنَّ المسيحي الذي يُصبحُ مُسلماً يجب أن يُقتَلَ لأنَّه بدَّل دينَه !

الله يقول " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، وأكثرُ المسلمين يُصدِّقون أنَّ رسولَ الله قال : " مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلوه". في هذه الحالة مَنْ يُسيءُ إلى صورة رسول الله ؟ !

أيُّ رواية لا تتفق مع كتاب الله يجبُ أن تُرمى إلى القمامة ولو كانت مذكورةً في كلِّ كتب الحديث.

الله يقول : " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" الأنبياء 21/107 الله يقولُ عن رسوله : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ" آل عِمران 3/159

اليوم كتبُ الفقه تقول إنَّ رسولَ الله بُعِثَ بالسَّيف رحمةً للعالَمين. لماذا نلومُ غيرَ المُسلمين إذاً ؟ هم يقولون شيئاً موجوداً في كُتب المُسلمين، وداعش أكثرُ صدقاً من علماء المُسلمين لأنَّها تُطبِّقُ ما تؤمنُ به، فهي تقتلُ المرتدَّ والمُخالفَ لها لأصغر الأسباب، لكنَّ علماء المُسلمين يؤمنون بما تؤمن به داعش ويُعلمونه للناس لكنَّهم لا يُحبِّون أفعالَ داعش.

 

- ثانياً :  الحربُ الوحيدة المشروعة في الإسلام هي الحربُ الدفاعية : " وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ" البقرة 2/190

اليوم يذهبُ مُسلمٌ ليُفجِّرَ نفسَه بين الأبرياء في بلجيكا ويفرحُ بعضُ المُسلمين بذلك ! مالفرقُ بين قتل الأبرياء في اسطنبول وبين قتلهم في بلجيكا ؟ لماذا تفرحُ بقتل الأبرياء أيُّها المعتوه ؟ ألم يقل الله ؟ " مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" المائدة 5/32

ألم يقُل الله : " وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا" النساء 4/29 ؟؟

ألمْ يقل الله : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" الممتحنة 60/8

كتبُ الفقه سرقت جزءاً من آية " فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ " التوبة 9/5 ونسخوا  بهذا الجزء من الآية مثات الآيات، كتبُ الفقه تُعلِّمُ المُسلمين أنَّ قتلَ المُشركين واجبٌ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ إلى قيام السَّاعة، مع أنَّ الآية السَّابقة لا تتحدَّثُ إلَّا عن طائفةٍ من المُشركين الذين نقضوا العهدَ مع المُسلمين.

لماذا نضعُ كتابَ الله دائماً في المرتبة الأخيرة ؟ ! الشَّخصُ الذي لا يقبلُ آياتِ الله لا يُمكنُ أن يكونَ مُسلماً، والشَّخصُ الذي ينسخُ آيات الله بروايةٍ لا يمكن أن يكونَ مُسلماً. المُسلمُ يقبل دون شبهةٍ ودون تردد كلَّ آيات الله.

مَنْ يُسيئ إلى صورة الإسلام والمُسلمين ؟ المُسلمون اليوم هم أكثر مَن أساءَ إلى دين الله لأنَّهم هجروا كتابَ الله. المُسلمون اليوم يعيشون بلا إلهٍ وبلا قانونٍ، إلى متى ؟

 

- ثالثاً : دينُ الله يُحرِّمُ قطعاً استرقاقَ النَّاس: فلا إله إلَّا الله، ومصيرُ الأسرى في الحرب المشروعة يجب أن يكون المنَّ أو الفداء لأنَّ اللهَ يقول : " فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا" مُحمَّد 47/4

تحريرُ الأسرى يُساهمُ في إنهاء الحرب ويُقرِّبُ قلوبَهم إلى دين الله " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" فُصِّلت 41/34

لكنَّ كتبَ الفقه الإسلامي لها رأيٌ أخر، فهي تقولُ إنَّ الخيارات هي القتل أو الاسترقاق أو المن أو الفداء، أي أنَّ بعضَ فقهاء المُسلمين يريدون القولَ إنَّهم يعرفون أكثرَ من الله فهم يُريدون تعليمَ الله الدِّين !

الرواياتُ الكاذبة تقولُ إنَّ رسولَ الله قد أعدم 900 أسيراً من بني قريظة في يومٍ واحد، وأكثرُ المسلمين يُصدِّقون هذه الروايات، ويدافعون عنها، أي أنَّهم يقولون إنَّ رسولَ الله كان مُخالفاً لكتاب الله.

لذلك داعش اليوم تقتل الأسرى وتحرقهم وترميهم من الأبنية العالية، وتسترقُّ النساء وتبيعهم في الأسواق وتستغلُّهم جنسيَّاً.

 

- رابعاً : اللهُ تعالى يقولُ إنَّ للزواج شروطاً منها الرُّشدُ: "أي القدرة على التمييز بين الخير والشر" والبلوغ الجسديُّ "أي القدرة على القيام بالوظائف الزوجيَّة" : " وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ" النساء 4/6

لكنَّ كتبَ الفقه تُجيزُ الزواجَ من الفتاة الصغيرة ولو كانت في المهد، كما يقولُ ابن بطَّال في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، يقولُ ابنُ بطَّال : "يجوز تزويجُ الصَّغيرة بالكبير إجماعاً ولو كانت في المهد ، لكن لا يُمكَّنُ منها حتى تصلح للوطء".

أي أنَّ المرأةَ كالسلعة، لا حقوقَ ولا مهرَ ولا رأيَ لها مع أنَّ موافقةَ الفتاة شرطٌ من شروط الزَّواج الصَّحيح والمهرُ يجب أن يُسلَّمَ للفتاة، لذلك يجب أن تكون بالغةً وراشدة.

كتبُ الحديث تقول إنَّ رسول الله قد تزوَّج طفلةً عمرها 6 سنوات، وأكثرُ المسلمين يقبلون هذا دون اعتراض مع أنَّهم لا يقبلونه لأولادهم، فلماذا لا يجرؤون على الاعتراض ؟ هل الصَّحيفة الفرنسيَّة هي الوحيدة التي أساءت لصورة رسول الله ؟ !

اليوم المُسلمون يُسيئون لصورة رسول الله حين يقبلون روايةً كاذبة ويرفضون آيات القرآن. لماذا يجرؤُ بعضُ المُسلمين على مُهاجمة غير المُسلمين الذين يُسيؤون لصورة رسول الله ويتجاهلون النظرَ في كتبهم التي تُصوِّرُ رسولَ الله على أنَّه شخصٌّ يُحبُّ دماء الأبرياء ويتزوَّجُ مع الأطفال ؟

 

- خامساً : القرآنُ الكريمُ لم يُحدِّدْ عقوبةً دنيويَّةً لشارب الخمر ولا لتارك الصَّلاة ولا للمرأة التي لا تُغطي رأسَها ولا للمسلم الذي لا يصوم رمضان: لكنَّ داعش تُعاقبُ كلَّ مَن يفعل ذلك ولها أدلَّتُها من كتب الفقه الإسلامي.

إنَّ أفعالَ داعش اليوم تُمثِّلُ الدِّينَ الذي يُعلِّمه علماءُ المُسلمين للنَّاس، وهذا الدِّين لا علاقةَ له بدين الله لا من قريبٍ ولا من بعيد، لأنَّ دينَ الله الذي نتعلَّمُه من كتاب الله لا يقبل أفعالَ داعش.

لذلك أُريدُ القولَ : بمقدارِ ما يبتعدُ المُسلمون عن دين الله بمقدار ما تُصبحُ داعش قويَّةً، والحلُّ الوحيد لإنهاء داعش هو قتلُ الأفكار الدَّاعشيَّة التي تملأ كتبَ الفقه وتسكنُ في رأس كلِّ واحدٍ منَّا، وهذا يحتاجُ فقط إلى تفكيرٍ وجرأة وشجاعة.

أليسَ كذلك أيُّها المُسلمون ؟ !

علِّق