عدد القراءات: 9055

الكرد في قلب الثورة - القضية الكردية في سورية -4

 

* يكتبها المحامي والناشط : حسين جلبي

 

في الجزء الرابع من الملف الذي ينشره السوري الجديد، يتابع المحامي والناشط حسين جلبي الحديث في (القضية الكردية في سورية)، في هذا الجزء يستعرض جلبي بداية مشاركة الكرد في فعاليات الثورة السورية 2011

 

مع استمرار التظاهرات السلمية في المدن سورية، و الرد العنيف و المبالغ به عليها من قبل قوات الجيش و الشرطة و الأمن التابعة للنظام في محاولةً لإخمادها، و مع تزايد أعداد الضحايا و الجرحى و المعتقلين بالنتيجة، و من ثم إطلاق بثينة شعبان، مستشارة رئيس الجمهورية تصريحاً في 24 آذار 2015، اتهمت فيه جهات خارجية بالتسبب فيما يحدث في سوريا من خلال القول بأنه:

(لم يتم اختيار درعا لأسباب اقتصادية، إنما لقربها من الحدود ولسهولة وصول الأسلحة والمال)، و ما تبع ذلك من اطلاق النظام الكثير من الوعود و اصداره للعديد من المراسيم، أحدها بزيادة الرواتب فيما يشبه تقديم رشوة إلى الشعب، كان هناك مستويان من الردود الكُردية على مجمل ما يجري:

أولهما: ردٌ صدر عن (مجموع الأحزاب الكُردية في سوريا)، و ذلك بعد عشرة أيام من إنطلاق الثورة السورية، إذ صدر بيان تعرب فيه -تلك الأحزاب- عن إستيائها من قرارات حزب البعث التي أعلنت عنها المستشارة شعبان و شككتب بتطبيقها، كما دعت لإيجاد حلول سياسية بدلاً من الحلول الأمنية للقضايا التي تعاني منها البلاد و منها القضية الكُردية، و أعلنت عن تضامنها مع المتظاهرين في المدن السورية، و دعت إلى محاسبة المسؤولين عن إراقة دماء الأبرياء.

الرد الثاني: و قد جاء من مجموعة من النشطاء الكُرد، الذين أصدروا بدورهم بياناً على صفحة (ثورة الشباب الكُرد) التي تم الإعلان عنها بذلك لأول مرة، دعوا فيه إلى تنفيذ إعتصام في مدينة القامشلي تضامناً مع درعا، معتبرين أن سوريا تمر بمنعطف خطير، و ذكر البيان بأنه: (و لكي يكون الكُرد شركاء في المرحلة القادمة، مرحلة الحرية و الديمقراطية، فإن عليهم بذل دمائهم، مثلما يبذلها أخوتهم في درعا و الصنمين و دوما و التل و حمص و دمشق و حلب و إدلب).

 

الاختبار الأول

لكن إرادة الشباب الكُردي هي التي انتصرت في نهاية المطاف، ففي الأول من نيسان 2011، و هو يوم الجمعة الذي أطلق عليه نشطاء الثورة السورية اسم (جمعة الشهداء)، تجمع الشبان الكُرد أمام مسجدي قاسمو في الحي الغربي بالقامشلي، و المسجد الكبير في مدينة عامودا، في تظاهرتين حاشدتين للتضامن مع أهالي درعا، و للمطالبة بالحرية تحت شعاراتٍ منها: (الشعب السوري واحد، نحن دعاة حرية لا طلاب جنسية، حرية، لا فتنة، لا طائفية، بالروح بالدم نفديك يا درعا).

كانت المظاهرتان منظمتين من حيث التوقيت و طريق السير و الشعارات، و يبدو بأنه كان مخططاً لها على مستوى جيد، و قد إنتهتا بسلام على عكس ما جرى في المدن السورية الأخرى، و هذا ما دفع المزيد من المواطنين إلى التفكير في الإنخراط في التظاهرات المقبلة من جهة، و زاد من حنق الكُرد على النظام من جهةً أُخرى. لقد نجح الإختبار الأول، و هو ما أدى بالمترددين  إلى حسم أمرهم ، إذ بدأت الإستعدادات تكبر للنزول إلى الشارع.

لقد صدر في اليوم ذاته -الأول من نيسان-  بيان عن مجموعة من الناشطين و الحقوقيين في محافظة الحسكة يحمل عنوان (نداء إلى أبناء سوريا الحبيبة)، شخّص ما جرى في درعا و غيرها بأنه ردٌ حاسم على مرحلة طويلة من هدر كرامة الإنسان السوري، و مصادرة لحقه في العيش الكريم و التعبير الحر عن الذات، في إطار دولة تصون الأمن و تحقق الأمان لمواطنيها و تحترم إنسانية البشر، و قد رأى الناشطون من خلال بيانهم أن تعامل النظام مع حراك المواطنين دليلٌ على وصوله إلى طريق مسدود، بسبب بنيته الأمنية المحافظة و مبلغ الفساد في داخله، كما رأوا في إصلاحات النظام العاجلة معالجة موضعية لبعض المواضع و محاولة لذر الرماد في العيون، و بأن خطاب الرئيس أمام مجلس الشعب مخيبٌ للآمال، و قد أعلنوا عن تضامنهم مع أهالي الشهداء و المعتقلين و طالبوا بإجراء تحقيق لمعاقبة مرتكبي جريمة قتل المواطنين، و دعوا السوريين للتمسك بإرادة التغيير الوطني الديمقراطي السلمي.

و هكذا لم يعد الحراك مقتصراً على إبداء التضامن مع الحراك الجماهيري في سوريا بل أخذ معظم الكُرد، أفراداً و منظمات و أحزاباً، يعتبرون أنفسهم جزءاً من ذاك الحراك، و يرون في صورة الشباب الكُردي -و هو إذ يكسر بنزوله للشارع حاجز الخوف- جزءاً من المشهد السوري الثائر.

 

توسع المشاركة

كانت هناك رغبة في توسيع نطاق المظاهرات للمطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الكُردي و إفهام النظام أن القضية الكُردية ليست مجرد قضية أمنية أو خدمية أو قضية منح جنسية، و بالتالي دعوة لإخراجها من القناة الأمنية إلى رحاب المعالجة السياسية، إضافةً إلى الرغبة في المساهمة مع باقي السوريين في إلغاء قانون الطوارئ المفروض على سوريا منذ نصف قرن، و إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي كانت تنص على قيادة حزب البعث للدولة و المجتمع، و حل مجلس الشعب و الدعوة إلى إجراء إنتخابات نزيهة للبرلمان و الإدارات المحلية، و ذلك تحت اشراف القضاء.

في يوم الجمعة، الثامن من نيسان 2011، و تلبية لنداء (حركة الشباب الكُرد) إنطلقت مظاهرات حاشدة في جميع مدن محافظة الحسكة، و منها القامشلي و عامودا و الدرباسية و سري كانيه/رأس العين و ديرك/المالكية، و ذلك بالتزامن مع الإحتجاجات التي اجتاحت عدداً من المدن السورية، و قد تميزت تلك المظاهرات، علاوة على طابعها العام، بشعاراتها المتنوعة ذات الطابع المناطقي الكُردي و كذلك الوطني السوري، فكانت هناك شعارات مثل: (من القامشلي لحوران الشعب السوري ما بينهان، مطلبنا ليس الجنسية مطلبنا الحرية والديمقراطية، لا لقانون الطوارئ نعم لتغيير الدستور، كُرد و عرب أخوة، إطلاق سراح المعتقلين السياسيين)، كما ألقت عدد من الشخصيات الكُردية و العربية و الآثورية كلماتٍ على مسامع المتظاهرين، عكسوا خلالها شعارات الثورة السورية و مطالبها، و بأن ثورة الشباب هي أنقى صورة لسوريا الموحدة بكل أطيافها و ألوانها العرقية و الطائفية و الأثنية، و هي تعبير ناصع عن مطالب كل السوريين في الإصلاح.

 

نهاية شهر العسل مع الأمن

إنتهت المظاهرات بصورة سلمية دون حدوث أي إصطدام مع قوات الأمن التي كانت غائبة عن المسرح، و لكن ظهرت في الأيام التالية و لأول مرة مسألة الإستدعاءات الأمنية لبعض المتظاهرين، و التي كانت تتم فيها استجوبات مهينة، و أخذت تجري عمليات اعتقال بحق البعض الآخر بعد مداهمات لمنازلهم، كما أخذت تظهر تهديدات بالتصفية الجسدية للمشاركين في التظاهر و الحراك الثوري.

و بعد أن إزدادت تلك الإجراءات التعسفية، حذر الناشطون الكُرد السلطات الأمنية من مغبة أعمالها القمعية، و بأنهم سوف يتظاهرون أمام المفارز الأمنية إذا لم تقم باطلاق سراح المعتقلين. إلى جانب ذلك هددت أحزاب الحركة الوطنية الكُردية في بيانٍ لها بالمشاركة في الإحتجاجات من خلال إتخاذ قرار سياسي بذلك، يتضمن دعوة عامة للدفاع عن النفس بكافة الوسائل السلمية و من ضمنها المشاركة الواسعة في الإحتجاجات، إذا لم تتوقف الإجهزة الأمنية عن الأعمال الإستفزازية بحق المجموعات الشبابية.

و لكن الإعتقالات لم تتوقف، إلا أنها أصبحت موضوع شدٍ و جذب، ينفذها النظام كلما وجد الأوضاع في مصلحته، يحتفظ بالمعتقل لأيامٍ قليلة، أو يقوم بإطلاق سراحه كلما شعر بأن الأمور تكاد تخرج عن السيطرة، و تذهب سياسة التهدئة التي ينتهجها أدراج الرياح.

في هذه الأثناء برز دور مواقع الانترنت الكُردية، و هي وسيلة الإعلام الوحيدة التي كان الكُرد السوريون يمتلكونها متابعةً و تفاعلاً، حيث أعلنوا من خلالها تبني الثورة السورية منذ إنطلاقتها و قاموا بنشر أخبارها و أنشطتها، وقد أصبحت تلك المواقع، و على رأسها موقعي (ولاتي مه ـ وطننا) و (كميا كُردا ـ باخرة الكُرد) صوتاً للحراك الثوري، تنشر أخباره، و كذلك نتاجات الكتاب و الناشطين من جهة أُخرى، و وسيلة يلجأ إليها من يرغب في معرفة أخبار الثورة.

أخذ الحراك الثوري يتصاعد في المحصلة يوماً بعد آخر، مع إصراره على المطالبة بتحقيق مطالب الشعب السوري في الحرية و الديمقراطية، و أخذت حشود المتظاهرين تزداد جمعةً بعد أُخرى، حتى أصبحت الأعداد تقدر بعشرات الآلاف، مع حدوث تحولات في بنية التظاهرات التي كانت تقتصر على الكُرد في بداياتها، حيث انضم إلى المتظاهرين الكُرد العشرات من الشبان العرب و المسيحيين و الشيشان.

 

آزادي

في التاسع و العشرين من نيسان 2011 طاف الكُرد في جهات الأرض الأربع على أجنحة الثورة السورية، إذ لم يبق مواطنٌ سوري أو متابع لأخبار سوريا في الوطن العربي و العالم إلا و سمع بكلمة (آزادي) التي تعني الحرية باللغة العربية، و التي أصبحت هويةً للشعب الكُردي، شعب الآزادي، و جزءاً من الهوية السورية وتاريخ ثورته، كان ذلك اليوم يوم السوريين بإمتياز، فقد توج التناغم و التنسيق بين العرب و الكُرد في سوريا خلال الأسابيع السابقة بعد أن بلغ أعلى الدرجات، ما حدا بشباب الثورة من الجانبين إلى تسمية جمعة التظاهر في  20 أيار باسم (آزادي) لتبادل رسالة ذات مضمون واحد في الإتجاهين، كان عنوانها الشراكة في الوطن و المصير، و بداية إكتشاف الآخر و التعرف عليه و الإعتراف به، و بأن سوريا الجديدة ستكون هوية معبرة عن كل أبنائها، دولة تعددية مؤمنة بأن التعدد غنى، و بأن السوريين مهما كانت إنتماءاتهم هم مواطنون متساوون في الحقوق و الواجبات، و قد خرجوا جميعاً يهتفون بلغة سورية وطنية هي اللغة الكُردية، التي لطالما كانت محلاً للتغييب و الإنكار و الإقصاء.

لقد كانت لهذه التسمية دلالات كبرى، فهي عبرت عن نضوج الوعي لدى السوريين، رغم محاولات النظام عزلهم عن بعضهم البعض لا بل إستعداءهم على بعض من خلال زرع الشكوك بين مكونات الشعب السوري، من خلال تسويق رواية تقول بأن الكُرد هم مجرد غرباء إنفصاليون ينتظرون الفرصة المناسبة لتحقيق مشروعهم، لتأتي جمعة آزادي و تثبت أن المسألة الكُردية هي جزء من المشروع الوطني الديمقراطي السوري.

لكن كان هناك من يتربص بالمشروع الوطني، الذي بدأت تتوضح ملامحه و يسعى إلى اجهاضه، فقد تأكد النظام السوري، و من خلال تجربة الأسابيع القليلة الماضية بأن الانحناء للحراك الكُردي، أو بالمقدار ذاته مواجهته لن تكون في صالحه، لا بل ستؤدي إلى هزيمته في المنطقة و خارجها، لذلك بدأ (بتأليب الكُرد على بعضهم البعض) كما تقول توصية محمد طلب هلال في دراسته الشهيرة عن محافظة الجزيرة 

التعليقات

أؤيد الأخ علي على ماذكره بتعليقه على الأخ حسين جلبي وتجربة كورد عفرين كانت أقوى من ناحية المشاركة الفعلية وعمليات القتل من قبل أزلام النظام وهم الوحيدين الذين شاركو عسكريا بلواء صلاح الدين الأيوبي

أؤيد الأخ علي على ماذكره بتعليقه على الأخ حسين جلبي وتجربة كورد عفرين كانت أقوى من ناحية المشاركة الفعلية وعمليات القتل من قبل أزلام النظام وهم الوحيدين الذين شاركو عسكريا بلواء صلاح الدين الأيوبي

يعتبر هذا الجزء هو الأكثر مصداقية من الأجزاء السابقة ، حيث يوصّف انطلاق المظاهرات بشكل مقارب للحقيقة ، إلا أنه يحاول التعتيم على نقطةٍ هامة جداً ، تتمثل في أن من أطلق المظاهرات الكردية هم الشباب المستقلون وليست الأحزاب الكردية ، التي امتنعت عن تبني الحراك الثوري ، تاركةً المجال لأعضائها للمشاركة كل من منطلقٍ شخصي ، لاحزبي ، ولذلك فالفضل يعود للمستقلين لاللأحزاب ، التي لم تكتف بالوقوف على الحياد ، بل حاربتهم واتهمتهم بشتى التهم ، ثم تآمرت مع الأبوجية للقضاء على الثورة هناك ، على أمل أن تحصد ثمرة جهود الشباب الكرد إلا أن الأبوجية بعد أن انتهوا من الثورة عادوا للقضاء على الأحزاب التي يعتبرونها منافستهم هناك. نأمل من الأستاذ حسين تسليط الضوء على هذا الجانب حتى تكون الرؤية واضحة ، وأن يضع يده على ضميره لأن التاريخ لن يرحم أحداً.

علِّق