عدد القراءات: 8438

القضاء الشرعي في المناطق "المحررة"، فوضى المرجعيات وحتمية العودة للقانون "الوضعي"

لعل التجلي الأشد وضوحا لحالة الفوضى التي تعانيها المناطق "المحررة" بسبب غياب مؤسسات الدولة ما يتعلق منها بالواقع القضائي، واقع يتحدث عن نفسه من خلال غياب المرجعية القانونية المشتركة وتعدد الجهات التي تعطي لنفسها الأحقية في ممارسة الوصاية على دور القضاء، مستندة في معظم الحالات إلى فكرة السيطرة وسطوة السلاح والدعم المالي والأيدلوجية التي تحكمها، تجارب عديدة خاضتها المناطق المحررة في هذا المضمار استندت إلى ما يسمى "بالقضاء الشرعي" مع اختلاف المرجعيات القانونية والسلطوية وتعددها وتناقضها أحيانا، ما أحدث خللا قضائيا واجتماعيا وولّد ردود أفعال عديدة تجاهه، منها من داخل القضاء الشرعي ذاته تنادي بضرورة الاستناد إلى مرجعية قانونية واضحة وعملية لا تبتعد بحال عن القانون الوضعي المتعارف عليه وضرورة إعادة الاعتبار لمختصيه وفك الارتباط الوثيق ما بين السلطة القضائية وسلطة الأمر الواقع…..نماذج  قضائية متعددة ظهرت في مناطق مختلفة، القاسم المشترك بينها الاختلالات والنتائج ذاتها تقريبا.

حلب... قضاء تحت رحمة المسلحين
بتاريخ 18/11/2013 علق مجلس القضاء الموحد في محافظة حلب العمل بشكل كامل في جميع الدوائر القضائية التابعة له في المدينة وريفها بعد عام ونصف على تأسيسه؛ وكان ذلك كما أعلن في بيان له بسبب الفوضى القضائية، وتسلّط العسكرييّن على القضاء وفرض وصايتهم عليه، وآخرها ما قام به تجمع "فاستقم كما أمرت" من هجوم على مباني الدائرة القضائية الأولى في مدينة حلب، متجاهلا الوثيقة التي وقعها مع التجمع، الأمر الذي استحال معه عمل المجلس باستقلالية، وطالب في بيانه بإعادة هيكلة جميع الأجسام القضائية الموجودة في حلب بجسم قضائي واحد، وذلك ردا على ماقام به تجمع "فاستقم كما أمرت" العسكري من مداهمة مبنى مجلس القضاء الموحد، وسرقة الذخيرة والأسلحة الموجودة في مقره لجهة الشرطة التابعة له وتهريب بعض السجناء والاعتداء على القاضي عمرو شميس، وإطلاق الرصاص بشكل مباشر دون إصابات وكانت حجتهم في ذلك أنه قضاء "علماني" يحكم بغير ما أنزل الله.
معضلة تكررت بشكل دراماتيكي في كثير من ما تسمى "المناطق المحررة" التي توقفت فيها جميع مؤسسات الدولة ومنها القضائية، ما ترك مجالاً واسعا لهذه التجاذبات دون وجود جهة قضائية عليا يمكنها تنظيم الحالة القضائية في المناطق غير الخاضعة للنظام السوري.
يعلق "أبو العبد" من الريف الحلبي "القضاء الحالي مهم جدا في حياتنا كونه ينظم العلاقة بين الناس ويتوسط لحل نزاعاتهم"، ولكن يُأخذ عليه أنه لا يطبَّق على العسكرين، كذلك فإن أي فصيل يستطيع أن يحاصر دار القضاء أو القضاء الموحد أو الهيئة الشرعية كما حدث سابقا ولا أحد يمكنه أن يوقفه"، يعطي أمثلة من مشاهداته قصة  "أحمد شما" قائد إحدى الفصائل فقد حاصر لواؤه القضاء الموحد وتم تبادل إطلاق النار معهم وسقط ضحايا دون أن يترتب على هذا الفعل أي محاسبة، مذكرا أيضا بقضية قائد كتيبة آخر يدعى "أبو شمسي" كان قد حاصر مقر الهيئة الشرعية في إحدى قرى الريف الحلبي وبعد فك الحصار عنها بالقوة، استُدعي إلى القضاء الشرعي وتم اعتقاله فجاء فصيله مدعوما بمسلحين من عشيرته "البطوش" وأخرجوه بقوة السلاح  دون أن تتخذ بحقه أية عقوبة، بناء عليه يكرر أبو محمد قوله "إن القضاء يطبق على الضعفاء فقط".
فيما تبرز حالات الإعدام المعلنة التي نفذت من قبل القضاء الشرعي في حلب التركيزعلى جانبين أساسين (إعدام بسبب ممارسة اللواط والآخر بسبب الاغتصاب) ففي تاريخ 26\أغسطس 2014 نفذ القضاء الشرعي حكم الإعدام  بحق شخصين متهمين بممارسة فعل "اللواط"، وفي 9\سبتمبر\2014 نفذ حكم الإعدام بحق رجل أدين بفعل الاغتصاب، وقد نوه المجلس أنه تم تنفيذ حكم الإعدام من قبل القضاء الشرعي وليس من قبل الكتائب، مبررا وجود أحد الكتائب العسكرية في موقع التنفيذ "لحماية الواقعة".
يتساءل أحمد سليمان من حي صلاح الدين عن سبب تجاهل كثير من التجاوزت والجرائم الأخرى بما يتعلق بالجانب العسكري والاقتصادي ومتنفذين فيهما، بينما يتم التركيز على  قضايا أقل أهمية وتأثير على حياة الناس المهددة بشكل دائم، مشيرا إلى عدم علمه بالقانون الذي يستند عليه القضاء الشرعي في منطقته.

قضاء ما فوق الوطني
يشير القاضي حسين حمادة (65) عاما، أحد القضاة المنشقين الكبار في حلب والوحيد المنشق من محكمة النقض، إلى أن غياب منهج العدالة في الثورة كان له آثار كارثية على الوطن برمته لافتا إلى أن ما حدث خلال الثورة ليس مشروعاً قضائياً حقيقياً، بل هو الترويج لمشاريع قضائية "مافوق وطنية"، وهي مشاريع محاكم في الحقيقة استنبطت من التجربة الصومالية بحسب قوله:
"بدأنا نلحظ أن هذه المحاكم لا تقوم بدورها المعلن في فض النزاعات بل تتعداه لتكون جهات حاكمة وليس مؤسسة تخصصية مستقلة".
يلفت "حمادة" إلى قضية تحييد واستثناء الخبرات القضائية التخصيصية، بينما يتم الترويج والإعداد لما يسمى "قضاة ضرورة" ويتم الزج بهم في معترك العمل القضائي بعد إخضاعهم  لدورة تدريبية لا تتجاوزمدتها أربعة أيام فقط، في حين يحتاج القاضي لسنوات من الدراسة والإعداد، يرى القاضي المنشق بأن القضاء الحالي لا يمثل الحد الأدنى لطموح العارفين به، لكنه في إطار التحسن النسبي، مشيرا إلى أن كثيراً من المشاريع القضائية ليست سوى مشاريع ارتزاق مؤكداً في الوقت نفسه على أهمية المؤسسة القضائية ومحورية عملها "العدل أساس الملك وإذا أصاب هذا العمود خلل ما تداعى الملك برمته" داعيا إلى تشكيل هيئة قضائية عليا مستقلة استقلالا كاملا إداريا وماليا وسياسيا عن جميع الأجسام السياسية والعسكرية المتحكمة، تقوم بدور الرقيب والموجه.

فوضى تعدد الجهات القضائية… وجهود للإصلاح
القاضي مصباح عبدو الأنصاري (31) عاما حاصل على ماجستير شريعة، يشغل منصب نائب رئيس القضاء الشرعي في حلب، يرى بأن هناك تطورا لافتا اليوم وبعد أكثر من عام على تشكيل القضاء الشرعي في محافظة حلب، مشيرا إلى المحاولات الحثيثة للفصل بين السلطات وإلى تكليف لجنة من قيادة الجبهة الشامية لإعداد رؤية لدمج المحاكم في حلب .
وأشار القاضي في حديث خاص إلى وجود مؤسستي قضاء اليوم في حلب منفصلتين كليا، الأولى هي القضاء الشرعي والثانية هي الهيئة الشرعية، فأما القضاء الشرعي الذي يعمل نائبا لرئيسه فيرأسه خمسة قضاة ويتألف من محكمه جنايات على رأسها ثلاثة قضاة، ومحكمة أحوال شخصية يرأسها قاض واحد وأخرى مدنية، كما يوجد نائب عام، يعتمد القضاء الشرعي كمرجعية قانونية له بحسب الأنصاري على "القانون العربي الموحد" المنبثق عن جامعة الدول العربية مع تجميد عدد من مواده من قبل القضاء الشرعي  (لم يحدد ماهيتها) الذي قام على تشكيله عدد من الشرعيين والحقوقيين، يستمد القضاء شرعيته من خلال أدائه مستندا على تأييد الفصائل العسكرية في الأحياء الغربية لحلب وعلى رأسها جيش المجاهدين .
يتمحور عمل القضاء بحسب الأنصاري في جوانب عدة منها توثيق الزواج والطلاق والبيوع بتنسيق مع دائرة الأحوال المدنية، وفيما يتعلق بصعوبات عمل مؤسستهم القضائية يقول إنهم يعملون في ظروف صعبه كونهم  بدأوا من الصفر بعد حل المجلس القضائي (الآنف الذكر) وتعليق عمله من قبل تجمع "فاستقم كما أمرت"، يمارس  القاضي الأنصاري عمله في هذه المؤسسة منذ ثلاثة أشهر تمثل تجربته مع القضاء.
يؤكد الأنصاري أن عملهم كقضاة ومحققين شبه تطوعي بينما الرواتب تذهب فقط للسجانين وللشرطة القضائيه، وعن معايير قبول القضاة في هذه المؤسسة يؤكد نائب رئيس القضاء بأنهم لايقبلون سوى "خريجين حقوقيين أو شرعيين من ذوي السمعة الطيبه والكفاءة "، وعن معايير الكفاءة يقول "أن يكون القاضي عمل بالقضاء منذ بداية الثوره فاكتسب خبرة".
يفرّق الأنصاري بين القضاء الشرعي الذي يمثله وبين الهيئة الشرعية التي كانت تسمى في بداية تشكيلها بالرباعية، تضم عدة ألوية منها "لواء التوحيد وحركة أحرار الشام وجبهة النصرة"، تعمل أيضا في مناطق حلب "المحررة"، فبينما يعتمد الأول على القانون العربي الموحد كمرجعية قانونية "بتصرف" فإن الحكم في الهيئة "اجتهادي" لا يعتمد على قانون محدد بل يجتهد كل قاضٍ بحسب فهمه للدليل.
الشيخ مضر رئيس المكتب القضائي يؤكد على دور تجمع ألوية "فاستقم كما أمرت" في تأسيس القضاء الشرعي الذي تتبع له مناطق (صلاح الدين، المشهد، الانصاري الشرقي، سيف الدولة، الإذاعة، جسر الحج، الفردوس، الكلاسة، السكري، بستان القصر، المعادي، كرم الطراب، العامرية) القوة التنفيذية له هي جيش المجاهدين وتجمع فاستقم كما أمرت.
يشير القاضي مضر (تخصص شريعة) إلى أن حملة الشهادات الجامعية قلة في المعترك القضائي الحالي مبررا السبب بأن "أغلب الكفاءات القانونية التخصصية إما أنها لاتزال مع النظام وإما خارج القطر".

القضاء في الغوطة الشرقية بين الواقع والمأمول
لعل تجربة القضاء في الغوطة الشرقية هي  الأكثر وضوحاً ودلالة على العلاقة المضطربة ما بين القانون وسطوة السلاح، تجلت بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة التي ترافقت بإعلان جيش الإسلام عن حملة أطلق عليها "القضاء على المفسدين" وقام على إثرها  باعتقال "المتورطين" بالانتساب أو الدعم أو حتى المؤازرة لــ"جيش الأمة" بعد امتناع الأخير عن تسليم بعض المطلوبين من قياداته للقضاء، فتمت مهاجمة جميع مقراته ومصادرة أسلحته وجميع ممتلكاته، لم يسلم من تلك الاعتقالات أعضاء في المجلس المحلي ومحامين مستقلين وأعضاء منظمات مدنية وإعلاميين ومشايخ وعسكرين وقادة فصائل غير منضوية تحت القيادة العسكرية الموحدة في الغوطة الشرقية، وفيما ادعى الأخير بأن الحملة والاعتقالات تتم بناء على موافقة المجلس القضائي في الغوطة الشرقية وباسمه، نفى خالد طفور القاضي العام الأول في الغوطة الشرقية في حديث خاص أية مسؤولية أو مشاركة  للقضاء في الحملة أو الاعتقالات، مشيرا إلى أن عددا من قيادات جيش الأمة متورطة فعليا في قضايا جنائية وقد صدرت بحقها سابقا مذكرات اعتقال ولكن لم يكن العدد يتجاوز أصابع اليد.
وفيما لايزال أكثر من (700)  شخص من أهالي دوما والغوطة الشرقية محتجزين في سجن "التوبة" الخاص بجيش الإسلام دون أن يستطيع ذوو كثير منهم معرفة مكان احتجازهم أو زيارتهم أو التهم المنسوبة لهم أو مدة التوقيف، وكذلك أصول التقاضي وحق المتهم بالدفاع عن نفسه، وكيفية صيانة حقوقه، وهل يتم  انتزع الاعتراف تحت التعذيب أو القهر، وما الاثباتات العلمية والمهنية في تجريمهم أو تحديد نوعية المحاكمة التي سيخضعون لها، لايزال القضاء يمارس دوره دون أن يقول كلمته الفصل وبشكل رسمي فيما يجري.
يقول رئيس مجلس القضاء في الغوطة الشرقية خالد طفور (خريج شريعة) إنه حاول إعادة هيكلة المجلس القضائي منذ تسلمه، ورغب بـ"تخصيص" القضاء بالاستفادة القصوى من الخبرات الحقوقية والقانونية المتاحة في الغوطة، وكان طفور قد تسلم منصبه في 14\8\ 2014 بعد استقالة القاضي العام السابق أبو أحمد عيون (خريج شريعة) الذي أقر في بيان له بأن سبب استقالته يتركز في عدم استقلالية القضاء وعدم منحه المساحة اللازمة للعمل، وهو ما دعا طفور منذ توليه لدعوة قاضيين حقيقين (أبو هشام محام وأبو محمد وهوقاض منشق)، وجرى اتفاق بينهم على بناء مؤسسة قضائية تم تقسيمها إلى خمس محاكم (جزائية، مدنية، شرعية، جنائية، وقضية السجون)، وعلى رأس كل محكمة حقوقي وليس شيخ كما كان الوضع منذ بدأ تأسيس القضاء الشرعي عقب التحرير.
وكان القاضي الأول تحدث قبيل الأحداث الأخيرة عما أسماها إنجازات القضاء الجديد:
"استلمنا السجون من عدة تشكيلات استجابت لنا بعد الضغوط التي مورست، ومما فعلناه أننا فتحنا ملفات - لرؤوس كبيرة متحكمة - ورفعنا الحصانة عن الجميع"، لافتا إلى كشف تورط رؤوس كبيرة من المسلحين في تجارة المخدرات والاحتكار.

مظاهرات
ومع الانتقادات الواسعة التي يواجهها القضاء في الغوطة بما يتعلق من غياب دور فاعل له يتوازى مع تردي الأوضاع المعيشية وانتشار الفساد والاحتكار والتغاضي عن ممارسات  كثيرة من قبل العسكريين و"تجار الأزمة" كما يوصفون، وماجره ذلك عليهم من مواقف رافضة وغضب شعبي، أدى لخروج مظاهرات محلية عديدة توجهت للقضاء وطالبته باتخاذ ما يلزم ضدهم، وما رافق تلك الفترة والتي تمتد لأربعة أشهر سابقة من إعدامات نفذت في الساحات العامة وصفها البعض بأنها تتماهى مع أساليب داعش والقاعدة من حيث شكل التنفيذ وغياب المحاكمات الأصولية، وهو مايرسم صورة قاتمة للقضاء كما يقولون (إعدام ماهر محمد قشوع  أحد أبناء دوما بعد صلبه أمام العامة وقطع رأسه ومن ثم إطلاق الرصاص عليه وركله بعد موته من قبل المنفذين)، وحول تلك الحادثة علق القاضي بوجود خلاف بين القضاة والعسكرين، ما جرى رغم تأكيده على صحة الاتهامات المنسوبة للمتهم المحكوم - قشوع -، إلا أنه حمل مسؤولية ما تم إلى تشكيل عسكري بعينه باعتبار قرار الإعدام صادراً عنه والتنفيذ تم بيد عناصره، في إشارة إلى "جيش الإسلام"، مبررا ذلك بغضب تلك العناصر من جرائم المتهم "يبدو أن انفعالهم  كان شديدا ومتهورا دون ضوابط وقد أساء ذلك للحكم وطريقة التنفيذ".
وفي 27/ نوفمبر 2014 أعدمت “جبهة النصرة” شخصا في مدينة عربين بريف دمشق بتهمة شتم النبي (ص) وكانت جبهة النصرة أصدرت قبل أسبوعين من تنفيذ حكم الإعدام قانونا ضمن بيان رسمي نشر باسمها دون أن تشير فيه إلى القضاء الموحد في الغوطة الشرقية رغم وجوده، ينص "القانون"على قتل من يتلفظ "بالكفر أو شتم الله والدين والنبي (ص)"، سواء كان مدنياً أو عسكرياً".

قضاء ومن خلفه مرجعية
يحاول مجلس القضاء الشرعي سدّ الثغرة التي خلفها إغلاق المؤسسات الحكومية ومنها القضائية كما يشير- أبو هشام ـ محام سابق (35) عاما، وهو نائب القاضي العام في الغوطة الشرقية، لافتا إلى أن المرجعية القانونية التي يعتمدها القضاء الحالي الذي يمثله المجلس القضائي في الغوطة الشرقية في إجراءاته هو القانون السوري "بشكل انتقائي" حسب قوله، وهناك توجه لاعتماد "القانون العربي الموحد" المستند إلى الشريعة الإسلامية لتنظيم فوضى المرجعيات القانونية، موضحا أن من يقوم حاليا على القضاء هم من "الحقوقيين والمشايخ"، وحول التقيد بأصول المحكمات وقيام المحامين بأدوارهم، يؤكد النائب عدم القدرة على القيام بذلك مرجعا السبب لعدم توفر المعطيات الكافية عمليا ولعدم وجود محامين ضمن القضاء الحالي بالأصل.

قضاء الأمر الواقع ..
يعرف القاضي ابراهيم الحسين القضاء في المناطق المحررة بقضاء الأمر الواقع الذي فرض نفسه في المناطق التي خرجت من سيطرة النظام إذ كان لابد من ملء الفراغ، فسعت العديد من الجهات المتحكمة بالأرض إلى إنشاء هذه المحاكم هادفة إلى تحقيق أمرين أولهما الحصول على الشرعية، إذ لا يخفى على أحد بحسب القاضي الحسين أن وجود سلطة قضائية هو مدخل للظهور بمظهر القوة الشرعية، يحق لها أن تمارس صلاحيات السلطات الثلاث في المنطقة التي تقع تحت سيطرتها، أما الهدف الثاني فهو قضاء حاجات الناس وفض النزاعات بينهم بواسطة محاكم تختلف كليا عن محاكم النظام في الشكل والآليات والقوانين التي تستند إليها، مشيرا إلى ظن المسيطرين على الأرض أن اجتثاث محاكم النظام وإحلال محاكم جديدة محلها أمر طبيعي يتماشى مع روح الثورة الهادفة إلى اقتلاع جذور النظام.
لا توجد مرجعية قانونية واحدة لتلك المحاكم، فبعضها يعتمد كليا على الشريعة الإسلامية دون محددات واضحة تضع حدا للخلاف الفقهي في الكثير من المسائل مما يعني أنك تجد الأحكام المتناقضة في المسائل المتشابهة، وكل حكم يستند بدوره إلى ما تفهمه هيئة المحكمة من النص، بعض المحاكم اعتمد القانون العربي الموحد وبعضها اعتمد قانون العدالة الاجتماعية وهو قانون غير مكتوب، يؤدي بطبيعة الحال إلى اختلاف الأحكام في ظل عدم وجود محددات واضحة، القلة من هذه المحاكم استعانت بنصوص من القانون السوري بعد تهذيبه وتعطيل المواد التي تتعارض بشكل صريح مع الشريعة الإسلامية، يشير القاضي أيضا إلى الفارق الكبير بين هذا القضاء والقضاء الذي نعرفه، لافتا إلى أنه طالما أصبح هذا القضاء الجديد أمرا واقعا فلا بد من العمل على إصلاحه من خلال اعتماد قانون واحد مكتوب يضع حدا للاجتهادات المتناقضة، ولا يرى القاضي حسين بداً من ضرورة اعتماد القانون السوري لأنه القانون الذي خبره الناس واعتادوه ولا مانع من إزالة بعض المواد التي تتعارض مع الحالة الثورية وهي قليلة بكل الاحوال.
و يؤكد- القاضي إبراهيم - على ضرورة استعادة المحاكم  بشكل كامل من قبل قضاة متمرسيين ذوي خبرة، وفي حال الاضطرار إلى الاستعانة بغير هؤلاء لا بد من اللجوء لتعيين محامين متمرسين قانونيا من ذوي النزاهة والكفاءة، لافتا إلى ضرورة إخراج القضاء من دائرة التجاذبات العسكرية والسياسية وتأمين وحدات من الشرطة  تأتمر فقط بتوجهات القضاء وتعمل على تنفيذ أحكامه.
تكمن معضلة القضاء الأساسية بعدم وجود الكوادر الكافية أوغيابها في كثير من الأوقات، ففيما يبلغ عدد القضاة المنشقين عن النظام قرابة (70) قاضيا في عموم سوريا بحسب أرقام صادرة عن مجلس القضاء الحر المستقل من إجمالي القضاة البالغ عددهم حوالي (2000) قاضٍ، فتكون نسبة المنشقين منهم عن النظام 3% فقط بحسب مصدر قضائي، بينما تبلغ نسبة المحامين المعارضين أكبر،  يبرر القاضي إبراهيم محمد حسين عضو مجلس القضاء الحر المستقل غياب الكوادر القانونية المختصة لمعرفتهم المسبقة بأن هذه المحاكم لا تملك مقومات النجاح، و ما منعهم من الحضور في المشهد ومحاولة تصحيح الخلل هو النظرة التي يواجههم بها المسيطرون على الأرض، فغالبية المتصدين للسيطرة على القضاء يقومون بتكفير القضاة والمحامين السابقين بحجة أنهم يطبقون القوانين الوضعية التي تتعارض مع "الشريعة الاسلامية"، لافتا إلى أنه "في كثير من الحالات شهدنا تصدي أشخاص (نجار، حداد، عامل بناء) لمهمة القاضي في الفصل بين المواطنين في منازعاتهم أو الحكم على المتهمين بجرائم مختلفة "، ويرى ـ حسين - بأن التخبط في اختيار القانون الواجب التطبيق وغياب المرجعية الواضحة أحدث هوة واسعة بين المواطنين والمحاكم، لأن المواطن لا يعرف مسبقا ما هو القانون الذي سيحكم في قضيته، يضاف له التجاذبات بين الفصائل العسكرية الموجودة في المناطق المحررة وعدم رغبتها في إبقاء القضاء بعيدا عن هذه الصراعات.
يتجاوز المحامي والباحث محمد الهادي من الرقة ما يسميه قضاء داعش المسيطرة على منطقته، كونه كما يقول لا يمت للقضاء بصلة ويقوم عليه شرعيون مبايعون للتنظيم لا معلومات عن تأهيلهم العلمي، وهم في معظم الحالات ليسوا سوريين فيما مهنة المحاماة محرمة مطلقا في قواميسهم.
ويتابع أن لكل منطقة اليوم قانونها الخاص ومرجعيتها المنتقاة بحسب السيطرة العسكرية فيها، مشيرا إلى نشأة المحاكم الشرعية التي يقول إنها في الأساس وجدت لفض النزاع بين الكتائب وليس لها أي قوانين أو مرجعية قانونية محددة  يقوم بها - شرعيٌ - يستند إلى عرف الكتيبة العسكرية التي ينتمي لها، تطورت تلك الحالة فيما بعد مع ازدياد رقعة المناطق المحررة وازدياد الحاجة لضبط الأمور فيها لتعطى تلك "الحالة" تسمية "محاكم شرعية" يصفها بالحالة "البدائية" والتي باتت مهمتها الجديدة حل الخلافات ما بين المواطنين وكذلك الكتائب فيما بينها بحسب التوجه العقائدي لكل منها، يتهم المحامي هذه المحاكم بأنها وجدت من أجل بسط نفوذ الكتائب المسلحة وليس لها هدف آخر.
يرى القاضي حسين أنه من الطبيعي أن يصل القائمون على المشاريع القضائية الحالية إلى قناعة أكيدة بأن مرجعهم في النهاية هم رجال القانون المختصون الذين يمكن لهم تحقيق الحد الأدنى من العدالة في المناطق التي يعملون بها، وهو ما دفع  بعض الفصائل المسيطرة على الأرض لطلب التعاون مع مجلس القضاء الحر الذي يعتبر الحسين أحد أعضائه. 
يعلق المحامي جهاد عزو الرحيباني من مدينة دوما على قضية تعدد المرجعيات وتمييع نصوص القانون "القانون السوري ليس من تأليف آل الأسد ولا من بنات أفكارهم هو خلاصة خبرة وتجربة قضائية وحقوقية عمرها مئات السنين لعباقرة الحقوق والقانون في فرنسا وسوريا يمكن تطويره أو تغيير بعض مواده إذا وجدنا نصوص تخالف شرع الله، ولكن أن ننسف القانون ككل ونعتمد على مزاجية وفهم الشيخ "القاضي" ونظرته الشخصية لكل قضية لا يمكن أن يحقق ذلك استقرارا في الأحكام".

علِّق

مقالات الكاتب