عدد القراءات: 6533

القرصنة وثقافة الـ (قص-لصق): حرب مفتوحة على الإبداع السوري في زمن الثورة


تُعدّ القرصنة الأدبية والفكرية واحدة من أشكال الجريمة التي عرفها عالم الكتّاب والصحفيين منذ أن عُرفت الكتابة والنشر، لكن الإنترنت وسّع من انتشار هذه الجريمة من جهة، وسهّل في الوقت نفسه كشف هذه السرقات من جهة أخرى!.
وفتح الإعلام الجديد عالمَ القرصنة، ليدخل إليه الأشخاص العاديون، بعد أن كانت الكتابة والنشر حكراً للصحفيين المحترفين، أو من يملك موقعاً إلكترونياً على الأقل حتى لو لم يكن محترفاً، فأصبحت السرقات واقعاً يومياً، حتى لا يعود من الممكن أحياناً معرفة صاحب الفكرة الأصيلة من صاحب الفكرة المسروقة!.
ولا تقلّ القرصنة الفكرية في جرميتها عن جريمة السرقة العادية، لا من الناحية الأخلاقية ولا من الناحية القانونية، فهي اعتداء على أملاك الآخرين دون رضاهم!.
ويستغل القراصنة، وخاصة في الإعلام الجديد، ضعفَ إدراك القارئ العادي لأهمية المصدر، وعدم وجود الرغبة لديهم لتتبّع المادة الإعلامية في مصدرها الأصلي المحتمل، ومقارنة وقت نشرها، إلى آخر هذه التفاصيل التي لا يهتم بها عادة إلاّ المختصون، كما يستغلّون غياب سلطةٍ قضائية تحكم النشر على الإنترنت، وتفصل بين المتنازعين، خاصة إن كانوا في دول متعددة، وإن كان بعضهم ينشر أصلاً بأسماء مجهولة، كحال كل الصفحات السورية على فيسبوك مثلاً!.
ومع انطلاق الثورة السورية في آذار 2011 دخل مئات الآلاف أو ملايين من السوريين إلى عالم الشأن العام على الإعلام الجديد، واختار بعضهم دوراً إيجابياً في إدارة الصفحات أو النشر على صفحته الخاصة، فيما اختار آخرون دور المراقبة، ووضع الإعجابات أو مشاركة المواد أحياناً.
وأتاحت الحرية التي منّت بها الثورة على السوريين ظهور إبداعات مذهلة، داخل سورية وفي المهجر، فظهرت المقطوعات الموسيقية والبرامج الحوارية المسجلة، والمقاطع الكوميدية والتمثيلية.. بالإضافة إلى الإبداع الأدبي، والنص السياسي، بالإضافة إلى المصمّمين الذين ملأوا الشبكة العنكبوتية بآلاف مؤلفة من التصاميم المبدعة.
وفي غالب الأحيان، كان هؤلاء يعملون مدفوعين بحبّهم للقضية التي يحملون، دون أن أجر أو حتى تمويل للنفقات من أحد، وفي أحيان كثيرة تظهر النصوص أو الأعمال دون اسم كاتبها، لأنه اختار أن يحوّل الملكية الفكرية للموقع أو الصفحة التي يكتب لها!.
وكأي عمل مبدع، فإنّ هذه المنتجات المختلفة استغرقت أوقاتاً طويلة من أصحابها، وشارك في بعض الأعمال عشرات من الأشخاص، واختار هؤلاء أن يصلوا الليل بالنهار أحياناً، وأن يعملوا أحياناً عبر عدّة دول، وأن لا يأخذوا إجازة في نهاية الأسبوع لعام أو عامين!.
ولا يتوقع المبدع بطبيعة الحال أن يخرج الناس متظاهرين رافعين يافطة لشكره، ولا ينتظر تقديراً من أحد لدوافعه في العمل، سواء أكانت فكرية أو حتى مادية، فهو أمر يعود له، لكن ما ينتظره هو أن يرى هذا الوليد حاملاً الاسم الذي منحه أياه، سواء أكان اسمه الشخصي أو قناته على اليوتيوب أو موقعه الإلكتروني أو صفحته على الفيسبوك، ولا شيء يؤذيه أكثر من أن يراه وقد تم اختطافه بدقائق من شخص آخر، ونسبه إلى نفسه!.

هذا الإيذاء، أو الاغتصاب الفكري، يتم يومياً في ساحة الإبداع السورية، للأسف، في أشكال عديدة، فأحياناً: 
• يقوم موقعٌ بنشر مادة أصلية، فيأتي موقع أو صفحة أخرى، فينسخ المادة ويعيد نشرها، دون أن يُكلّف نفسه عناء الإشارة إلى أنها منسوخة. وقد يتذاكى بتعديلات لغوية هنا وهناك كي يمسح بصمات الجريمة!. وكم من مواقع إلكترونية أو صفحات على الفيسبوك أو حسابات على تويتر لا تقوم إلا بنسخ ما تكتبه صفحات أخرى، بالحرف، وتُعيد النشرَ مغفلة مصدرها!.
• أو يفتح أحدهم قناة على يوتيوب، تتخصّص في إعادة رفع الأفلام التي يضعها الآخرون على قنواتهم، ولا يكلّف نفسه أحياناً عناء تغيير عنوان الفيديو!.
• أو يقوم فردٌ أو مؤسسة بإنتاج فيديو، ويتم رفعه على قناة اليوتيوب الخاصة بهم، فيأتي من يقوم بتنزيله، وتحميله على صفحته، فيحرم صاحب العمل من التقدير الذي ينتظره، فتفاعل الجمهور مع المادة هو مؤشر النجاح في الإعلام الجديد (عدد الزيارات للمواقع الإلكترونية، الإعجابات والمشاركات للفيسبوك، إعادة التغريد للتويتر، عدد المشاهدات لليوتيوب)!.
• تنشر مؤسسة سورية أو إقليمية تقريراً، وتضمّنه (اقتباسات) طويلة من تقارير المنظمات السورية الأخرى، وتغفل الإشارة إلى الجهات التي (اقتبست) منها هذه النصوص!.

وقد شهدت ساحة الإعلام السوري المعارض هذه الظواهر بدرجة عالية منذ أيامها الأولى، فلم تمض شهور محدودة حتى أصبح كل من يريد رفع فيديو أو نشر صورة يصرّ على وضع شعاره بشكل لا يقبل الحذف، لكثرة ما شاع (النقل) غير المشروع!.
وتعود أسباب هذا ارتفاع حدّة هذه الظاهرة غير السوية في الإعلام السوري المعارض مقارنة مع ساحات عربية أخرى إلى أسباب عديدة، منها أن معظم الإعلام الجديد يقوم عليه أشخاص غير محترفين بأسماء مستعارة من جهة، ووجود منافسة عالية للحصول على اهتمام وسائل الإعلام المهتمّة بالشأن السوري بشكل كبير، بالإضافة إلى تأثير "المرض العالمي" الذي جلبته السنوات الأخيرة: "الرغبة المحمومة بالشهرة السريعة والحصول على الليكات، ولو باستخدام الغش أو التدليس أو حتى الكذب!".

وسيأتي من يقول: إن كان صاحب العمل مخلصاً، يرجو خدمة القضية التي يحملها فينبغي أن لا يهتم كيف انتشر العمل ولا من حمل اسمه!. وفي هذا الطرح استخفاف بالإبداع من جهة، وبالقضية نفسها من جهة أخرى، فمن أراد خدمة قضية ينبغي أن يُكافِئ أولئك الذين كرّسوا أوقاتهم ومواهبهم وإبداعهم لخدمتها، ويُقدّم لهم ما يستطيع من الدعم، وأقله أن يُعاد نشر إنتاجهم منسوباً إليهم، يحمل اسمهم بوضوح، ومستخدماً المصدر الأصلي في الإعلام الجديد!.


إن قضية حماية الإبداع السوري، وحماية ملكية أعمالهم الفكرية، قضية لا تقل أهمية عن حماية أية ممتلكات وطنية أخرى، كالنفط أو الآثار، فالإنسان السوري كان دائماً مصدر الثروة الأساسي، وحماية إنتاجه ينبغي أن يكون شأناً وطنياً أيضاً!

علِّق