No votes yet
عدد القراءات: 3137

الفورين بوليسي: داريا مدينة حلم الثورة التي يكرهها الأسد - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Hussam El Ahmed
تاريخ النشر: 
20 أيلول (سبتمبر), 2016
اللغة الأصلية: 
 

العنوان الأصلي: الحداد على سوريا التي لم يكتب لها أن تكون

 

في وقت سابق من هذا الأسبوع، ومع دخول آخر اتفاقات وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، انتهز الرئيس السوري بشار الأسد الفرصة للقيام بجولة تعبيراً عن انتصاره في المكان الذي استعصى عليه لمدة طويلة. وذلك عندما قام بزيارة مدينة داريا، وهي  إحدى ضواحي مدينة دمشق التي تمكن فيها الثوار من التصدي لقواته لأربع سنين طوال، إلى أن وافقوا في النهاية على التخلي عن سيطرتهم عليها في الأسبوع الأخير من شهر أغسطس/ آب.

 

ولم تتورع الحكومة خلال هذه الأعوام الأربعة في قصف داريا بأي شيء. فقد حاصرت قوات الأسد المدينة في محاولة لتجويعها رافضين السماح لقوافل المساعدات بإيصال الغذاء للسكان.  كما قصفت المروحيات السورية المدينة بالبراميل المتفجرة وأسلحة إرهاب عشوائية غير صالحة للاستخدام العسكري. وأكثر من ذلك فقد استخدمت القوات الجوية السورية في شهر أغسطس/ آب، الصواريخ وقنابل النابالم لطمس معالم آخر مستشفى متبقية في المدينة. ويعتقد بعض المراقبين بأن ذلك كان جزءاً من جهود مدروسة تهدف إلى جعل هذا المكان غير صالح للسكن على الإطلاق.

كنا قد شهدنا وحشية كهذه في العديد من الأماكن خلال هذه الحرب، لكن هنالك أمر مختلف  يتعلق بداريا، وهو شيء قد يفسر لنا السبب في حرص الأسد على الاحتفاء بسقوط تلك المدينة.

وإن كنت تتبع العناوين فحسب، فربما أنت معذور في نظرتك إلى هذه الحرب على أنها في المقام الأول، معركة بين بديلين سيئين متساويين؛ وهما نظام الأسد المتمثل بحزب البعث الاستبدادي أو النظام الديني الجائر لتنظيم الدولة الإسلامية وجماعات جهادية أخرى. غير أن في ذلك تبسيطاً شديداً للواقع، وهو ما يريد كل من الأسد والإرهابيون لمؤيديهم وللعالم أجمع أن يصدقوه. لكن الأمر اليوم بات واقعاً أكثر مما كان عليه في السابق مع بداية الصراع، فالحروب الأهلية ، بحكم طبيعتها، تميل إلى تشجيع التطرف، فترى أن العنف والقسوة تقابَل بالمكافأة أما الاعتدال والمصلحون التطويريون فيتم اقصاؤهم.

وهذا ما حدث في سوريا بالضبط. فمن السهل اليوم وبعد مضي خمسة أعوام، أن ننسى الثورة السورية التي انطلقت وسط روح التفاؤل التي أحاطت بالربيع العربي، وكانت أولى المظاهرات ضد دكتاتورية الأسد سلمية بالكامل، وعندها طالب المتظاهرون بالديمقراطية لا بتدخل القاعدة.

 

أما داريا فكانت من الأماكن الأولى التي احتضنت الحركة، ففي المراحل الأولى للثورة كانت هذه المدينة موطن الناشط "غياث مطر" المعروف باسم "غاندي الصغير" بسبب اعتناقه المسرف لمبدأ عدم اللجوء إلى العنف. وعندما وصلت قوات الأسد لسحق الاحتجاجات الشعبية، استقبلهم غياث بالماء والزهور فاستجابوا لذلك بتعذيبه حتى الموت. وفي وقت لاحق، أعيدت جثته إلى أهله وكانت حنجرته قد اقتلعت من مكانها لتبدأ من بعدها الدوامة في البلاد.

في مدونتها " The Morning They Came for Us"، وهي عبارة عن قصص مريعة تحكي عن المراحل الأولى للحرب، توضح لنا الصحفية جانين دي جيوفاني ما حدث بعد ذلك. فعند زيارتها لمدينة داريا عام 2012، روى لها السكان حكايات مفصلة عن المجزرة التي ارتكبتها القوات النظامية التي تمكنت لمدة وجيزة من انتزاع المدينة من أيدي الثوار. فقالت لي: "عوقبت المدينة لأنها كانت رمزاً للمقاومة السلمية".

وعلى الرغم من اشتداد الظلام حول الوضع في المدينة، التزم سكانها بالتمسك بمبادئهم. وعندما أدرك ضباط الأسد أنه لا مجال من استرداد المدينة، وضعوها تحت الحصار ليصبح التجويع أقوى سلاح بيد الحكومة. وتستذكر دي جيوفاني: "لقد سألتهم ماذا أكلتم اليوم؟ أجابوني: "ورق العنب والقليل من الملح". اقتلعوا بعض أوراق الأشجار وصنعوا منها الحساء".

 

بعد المجزرة غادر معظم سكان البلدة، لكن الآلاف ظلوا فيها ومن بينهم العديد من الناشطين. وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2012 أنشؤوا مجلساً ليتولى أمورهم، واستمروا في إجراء انتخابات نظامية في الأعوام التي تلت ذلك، على الرغم من أن الحياة بدت شبه مستحيلة. ويقول في ذلك حسام عياش المتحدث باسم المجلس المحلي: "انتخابات كل ستة أشهر وداخل كل مكتب وقسم تابع للحكومة المحلية".

وأخبرني عياش بأن الأهم من ذلك كله هو أن المجلس استمر في الحفاظ على استقلاليته بعيداً عن أيدي المسلحين المتواجدين في المدينة، وهم مجموعة ليست بجهادية تابعة لثوار الجيش السوري الحر. وأوضح عياش أنه في بعض المناطق الأخرى من سوريا الواقعة تحت سيطرة الثوار، تخضع المجالس المحلية في كثير من الأحيان للمقاتلين الذين يعدّ الكثير منهم متطرفون إسلاميون. لكن على النقيض من ذلك، لم تتمكن القاعدة وأمثالها من الحصول على موطئ قدم في داريا أبداً. يقول عياش: "لم يكن لدينا أية خدمات، لم يكن لدينا وسائل اتصال ولا حتى ماء. غير أنه وفي الوقت ذاته لم يتمكن أحد من الدخول أو الخروج، أما المقاتلون في داريا فكانوا من أبناء المدينة لذا لم يكن عندنا جهاديون".

تحدث إلي عياش عبر سكايب من الشمال السوري حيث يعيش الآن بعد أن "أخليت" من مدينة داريا من قبل القوات الحكومية في الأيام التي تلت استسلام المدينة في 25 أغسطس/ آب. وذلك عندما تمكن الجيش السوري من السيطرة على موقع رئيسي على مشارف المدينة، فقبلت المدينة بعدها بعرض الحكومة الذي يشمل ضمان عبوراً آمناً إلى الشمال، مقابل تسليمها زمام أمور السيطرة على المدينة. وكانت تلك الإشارة المتساهلة على نحو غير معهود من الأسد خطوة ذكية، تمكنه في نهاية الأمر من إحكام السيطرة على معقل رئيس للثوار مقابل خسارة منخفضة الكلفة نسبياً في صفوف قواته. وكان الأمر قد دُرس أيضاً لتقويض عزيمة الثوار الموجودين في المناطق التي تتعرض لضغط شديد، فيرى أولئك أن التوصل إلى اتفاق مع الحكومة سيكون خياراً أكثر قبولاً من الاستمرار في المقاومة.

 

من الصعب لنا أن نبالغ في تقدير الأثر النفسي الناجم عن سقوط المدينة. وقد أخبرني فادي محمد وهو ناشط آخر من داريا بأن المدينة جسدت آمال العديد من السوريين الذين يرفضون التطرف بجميع انتماءاته، ويذكر لي حادثة في وقت مبكر من الثورة عندما شكل المتظاهرون سلسلة بشرية أمام مبنى الحكومة المحلية لحمايته من اعتداء القوات النظامية. كما يستذكر أيضاً حرص المدينة على مبدأ الرقابة المدنية. يقول فادي: "لو أن التجربة في داريا تلقت الدعم والحماية من المجتمع الدولي، لكانت مثالاً يُحتذى به، فالكثير من السوريين ينظرون إلى داريا على أن لها وضعاً مميزاً. لكن "لو" تلك مطلب كبير بالطبع، غير أنه من الصعب أن نتخلى عن طريقة التفكير تلك"

وقد كتب سام هيلر، المحلل في "The Century Foundation" في مدونة نشرها مؤخراً : "تعد داريا بالنسبة للعديد من السوريين أفضل مثال للثورة السورية، إذ كانت معقلاً للنشاط المدني والقومي. فضلاً عن أنها كانت موطناً "للجيش السوري الحر" الذي تعاضد جنوده للصمود في وجه الصعوبات الجمة، في الوقت الذي انزلقت فيه الأماكن الأخرى الخاضعة لسيطرة الثوار وتحولوا إلى الجهاد والاقتتال الداخلي بين الفصائل".

والآن، نجحت الحكومة في إخلاء المدينة تماماً من أهلها الذين عاشوا فيها، وهنالك شائعات تدور حول نية الأسد في استبدال أهلها السنة الثائرين بجماعات من طوائف أخرى مؤيدة لنظامه.

تقول دي جيوفاني التي أشارت إلى أن الممارسة المتمثلة بطرد السكان واستبدالهم بآخرين هي انتهاك مباشر وصريح للقانون الدولي، تقول: " ما حدث في داريا إنما هو تطهير عرقي، وسيشكل هذا سابقة خطيرة". إن الوضع خطر للغاية إلى درجة أن الأمم المتحدة المتملقة وجدت أنه من الأفضل أن تنطق ببضع كلمات ناقدة حول طرد قاطني المدينة.

 

ويتحدث مؤيدو مدينة داريا عنها باعتبارها "تجربة" للحكم الذاتي والممارسة الديمقراطية. والسؤال الآن يدور حول ما إذا كانت تلك تجربة فاشلة، أو أن الناجين منها قادرون على الحفاظ عليها في الوقت الذي تبدو فيه روح الاعتدال والبراغماتية نكوصاً وتراجعاً.

وتبقى داريا مثالاً محيراً، فهنا تجد السوريين متمسكين بعناد بمبادئ الحكومة المدنية حتى في ظل أكثر الظروف قساوة. وذلك يعدّ على نحو جلي، بمنزلة تحد قوي، بصورة خاصة لحزب الأسد البعثي الحاكم. ووضح عياش ذلك: "إنها مسألة اختيار بأن لديك إما الأسد أو داعش ليس صحيحاً. فحقيقة الأمر، أن لديك خياراً آخر وهو نحن. نحن نبحث عن مستقبل ونؤمن بأن هنالك مستقبلاً كريما بانتظارنا إن كنا أحراراً وعشنا بكرامة".

لكن الحقيقة المرة، مع ذلك، هي أن سقوط داريا كان ضربة قاسية لهذا الحلم، والسوريون ديمقراطيو التفكير في كل مكان حزينون لهذا الأمر. وهذا هو بالتحديد السبب في شروع الأسد بجولة تعلن انتصاره هناك.

تقول دي جيوفاني: "إنها ضربة محكمة حقيقية للأسد. لقد كان يكره داريا، كانت أبغض شيء إليه".

تبين الصورة مظاهرة قامت بها النساء والأطفال من سكان داريا في ٩ مارس/ آذار عام 2016، يطالبون الحكومة بالسماح لإيصال الطعام إلى المدينة المحاصرة.

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2511811

مقالات المترجم