No votes yet
عدد القراءات: 393

الغوطة من جنة عدن الى كابوس للسوريين

الكاتب الأصلي: 
Agathe Dahyot Véronique Malécot Francesca Fattori
تاريخ النشر: 
21 آذار (مارس), 2018
اللغة الأصلية: 

منذ 2012 أكثر من 23000 مدني كانوا قتلوا في الغوطة، الواحة الزراعية و التي تمثل بمعنى آخر "مخزون احتياطي"  للعاصمة السورية، و المحاصرة منذ ما يقارب الخمس سنوات من قبل النظام . مئات الالاف من المدنيين يعانون من الغارات السورية –الروسية من جهة و من انتهاكات المتمردين المعارضين للأسد من جهة أخرى و الذين يتقاتلون فيما بينهم على الارض

 

من جنة على الارض الى منطقة محاصرة

بستان دمشق

الغوطة عبارة عن سهل زراعي واسع، مروي من نهر بردى، الذي يتغذى بنفسه من الأمطار المتساقطة على سفوح سلسلة جبال لبنان. وقد تم تطويره وتجهيزه بالقنوات منذ العصور القديمة، من أجل تطوير زراعة الحبوب و ري البساتين الزراعية التي تسمح لمدينة دمشق بالتطور والازدهار في بيئة جبلية وجافة. في عام 635، وصفت القوات المسلمة التي تحتل المنطقة بأنها واحدة من جنات الارض، كما تقول آن ماري بيانك، مؤلفة أطروحة الدكتوراه في هذا البلد الزراعي في عام 1980. هذه "المنطقة المفيدة" هي بالتالي استراتيجية بالنسبة لدمشق

 

منطقة متمردة تاريخيا

الغوطة تقليديا منطقة  مقاومة للسلطة المركزية. في عام 1925 و خلال فترة الانتداب الفرنسي بالنظر الى جغرافية الواحة و متاهة مسارتها المحاطة بالجدران و الغطاء النباتي هذا اعطى أفضلية للثوار المتمردين للانسحاب و الاختباء في هذه المنطقة و التي منها انطلقت "الثورة السورية العظيمة" ضد العاصمة

 

تحضر عشوائي

منذ خمسينيات القرن العشرين، أدت الهجرة الجماعية إلى العاصمة إلى تطوير حضري فوضوي، على حساب الأراضي الزراعية. و عندما وصل إلى السلطة في عام 1970، قام حافظ الأسد بتحديث العاصمة بإتباع سياسة من الأعمال الرئيسية لكنه أهمل الأحياء العشوائية في الغوطة

من خلال السماح بانتشار التوسع الفوضوي، يقوم النظام بإنشاء مساحات ضيقة، يصعب السيطرة عليها، تتناقض مع الطرق الكبيرة في دمشق حيث يمكن للدبابات و المدرعات التحرك بسهولة. كما أن عدم الاهتمام بالسلطة في الاطراف بالإضافة الى ممارسات الفساد قد أفضى بين السكان شعور بالتخلي عن عائلة الأسد ورفضه.

 

بؤرة و مركز للثورة المسلحة التي ووجهت بالقمع

في مارس 2011، اندلعت الثورة السورية في درعا، في جنوب البلاد. ويعتبر سكان دوما، البلدة الرئيسية في الغوطة الشرقية، من بين أول من نزلوا في الشارع. منذ بداية شهر أبريل، و قد تسبب إطلاق النار على  المتظاهرين من قبل قوات الامن في العديد من الوفيات و هذا ما أدى الى تحويل المنطقة الى جيب للمتمردين على أبواب العاصمة.  و ليكون هو المكان الذي يطلق فيه الجيش السوري الحر في تموز / يوليو 2012 "معركة دمشق"، وهي أول هجوم كان من المفترض أن يحدث انقلابا على النظام، لكن السلطة تقاوم، والمتمردون يخفقون في اختراق المحاور الرئيسية للعاصمة التي تسيطر عليها دبابات النظام.

 

تم تشكيل جيب ثاني للثوار في الغوطة الغربية جنوب العاصمة، حول مدينة داريا، حيث قامت قوات النظام في أغسطس 2012 بإعدام ما لا يقل عن 330 رجلاً وامرأة وطفلًا.

محاصرة منذ عام 2012، ستكون داريا الهدف، مثل الغوطة الشرقية، قصف مكثف، حتى استسلامها في نهاية أغسطس 2016. في أوائل عام 2013، تستقر الجبهة في جوبر ( حي دمشقي على اتصال مع الغوطة)، قصف شديد. في نيسان / أبريل 2013 يسفر عن استيلاء النظام على منطقة عتيبة  إلى الشرق و بالتالي احكام القبضة على محيط الغوطة و على الطريق الذي كان يستخدم لاستيراد الأسلحة من تركيا. و في نهاية المطاف حصار كامل للمنطقة

 

المدنيون، أهداف للنظام، رهائن لتناحر المتمردين

ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، حوصر حوالي 393.000 شخص في الغوطة الشرقية في بداية الهجوم البري. الغالبية العظمى من المدنيين - بما في ذلك ثلث السوريين النازحين من مناطق أخرى - محاصرون تحت وقع الغارات الجوية والقتال

 

السلطة

الغوطة، معقل المقاومة الكبير، آخر المناطق القريبة من دمشق، تهدد العاصمة مباشرة بنيران مدفعية المتمردين، و المسؤولة عن مقتل سبعة عشر شخصًا بين 18 شباط، بداية القصف الروسي-السوري، و 25 شباط 2018، بداية الهجوم البري.

بدعم من القوات الجوية الروسية، اعتمد النظام نفس الاستراتيجية كما في شرق حلب، حيث جمع بين الحصار والقصف الشامل كمقدمة للهجوم البري. في ربيع وصيف عام 2016، أثمرت هذه الاستراتيجية  استعادة ما يقرب من نصف الغوطة الشرقية. التقدم جاء كنتيجة التشتت الشديد لجبهة الثوار والتناحر بين المجموعات الرئيسية الموجودة في المنطقة المحاصرة

اليوم، تخترق قوات النظام عبر المناطق الريفية في الغوطة الشرقية، ذات الكثافة السكانية المنخفضة، ومرة أخرى عبر اتباع نفس الاستراتيجية بالجمع بين الحصار والغارات الجوية والهجوم البري. في غضون أسبوعين، تمكنوا من تقسيم المنطقة المحاصرة الى ثلاث كل منطقة خاضعة لسيطرة فصيل مسلح، و معزولة على وجه الخصوص عن مدينة دوما

 

أربع فصائل مسلحة من المتمردين

حوالي 20000 مقاتل متمرد يقاومون هجوم الجيش السوري، الذي يتجمع في تحالفين كبيرين.

جيش الاسلام و هو الفصيل الاكثر القوة، من مرجعية سلفية، كان يسيطر قبل الهجوم البري في نهاية شباط على 65% من أراضي المنطقة المحاصرة و خاصة نقطة التفتيش عند الوافدين بالقرب من دوما و التي تربط الغوطة بالضواحي الشمالية من دمشق، مدعوم من فترة طويلة من قبل المملكة العربية السعودية، واجه هذا الفصيل العديد من الانتقادات و الشكوك بسبب ممارساته السلطوية، و لكن أيضا لديه مفاوضات متقدمة مع النظام، و شارك مستشارهم السياسي محمد علوش في الجولة الاخيرة من المفاوضات التي جمعت النظام وقوى المعارضة والألوية المسلحة والرعاة الدوليين في جنيف في نهاية عام 2017.

فيلق الرحمن ثاني أكبر فصيل في المنطقة و هو عبارة عن تجمع خليط يدعي أنه من الجيش السوري الحر  بدون ايدلوجية قوية، فإنها تشمل عناصر قريبة من الاخوان المسلمين . هذا الفصيل كان يسيطر على حوالي ربع المنطقة المحاصرة و خاصة المناطق الواقعة  على أطراف دمشق و الاكثر تحضرا . في ربيع 2017 واجه فيلق الرحمن معارك عنيفة مع جيش الاسلام مما أسفر عن مقتل أكثر من 300 شخص في غضون أيام قليلة، منذ ذلك الحين و هم يتعاونون مع السلطة.

هناك ايضا مجموعتان من المتمردين، بعض المئات من المقاتلين لكل منهما، لهما حضور في الغوطة

جبهة تحرير الشام و هو ائتلاف جهادي يضم جبهة النصرة السابقة و الذي كان انبثاق للقاعدة، و قد سيطر على حوالي 5% من الغوطة المتمردة، و قد انتشر في عدة جيوب صغيرة ضمن المنطقة الواقعة تحت سيطرة فيلق الرحمن و الذي تعاون معه سابقا . ان وجود هذه الجماعة الجهادية و التي تصنفها الامم المتحدة على انها ارهابية تقدم للنظام و حليفه الروسي المبرر للقيام بعمليات تفجير و قصف شديد على الغوطة الشرقية.

كما حاول الفصيلان الرئيسيان من المتمردين جيش الاسلام و فيلق الرحمن التفاوض مع السلطة و موسكو، بإرسال رسالة للأمم المتحدة متعهدين بطرد المقاتلين الجهاديين من جبهة تحرير الشام مقابل الحصول على حكم ذاتي .

أخيرًا، أحرار الشام ("الرجال الأحرار في المشرق") هو ائتلاف سلفي يتخذ من حرستا مقرا له، والذي يسيطر على 3٪ فقط من الأراضي.

في أبريل 2016، صراعات داخلية بين الجماعات المتمردة، استفاد منها النظام لاستعادة الأرض استعدادًا للهجوم النهائي

 

حصار من القرون الوسطى

على مدى خمس سنوات تقريبًا، تم فصل جيب الثوار الشرقي عن بقية سوريا بسبب الحصار الذي يفرضه النظام.

لا يوجد سوى نقطة عبور رسمية واحدة، نقطة تفتيش الوافدين، التي يحتفظ بها الجيش وتكاد تكون مغلقة منذ بداية عام 2017. وكان هذا هو المعبر الذي يمكن أن يعبر منه الموظفين المدنيين المخولين بالخروج للعمل في دمشق. كما أن  المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية كانت تدخل بشكل نادر. وقد أكد رجل أعمال مقرب من السلطة أنه المورد الرئيسي بالإضافة الى أن الضرائب المفروضة على السلع التي تدخل إلى المنطقة المحاصرة، بالإضافة إلى ندرته، قد أدى إلى ارتفاع الأسعار،

داخل المنطقة المحاصرة، و في أعقاب النزاع الذي وقع بينهما في عام 2017، أنشأت مجموعتا التمرد الرئيسيتان نقاط تفتيش بدورهما، مما أدى إلى تفاقم صعوبات إمدادات السكان المدنيين.

بالتآمر و التواطؤ بين جماعات المتمردين و افراد من الجيش و النظام تم اغلاق أنفاق التهريب التي تربط الغوطة المحاصرة و الاحياء الدمشقية في القابون و برزة في فبراير 2017 وفقا لتقرير صادر عن منظمات انسانية غير حكومية.

المناطق الزراعية و التي كانت فخر الغوطة الشرقية أصبحت مجرد ذكرى، وفقا لبرنامج التغذية العالمي "بام" القصف يعيق الوصول للحقول و نقص المياه من أجل الري أدى الى شح الانتاج.

تأثر المدنيون في عام 2015 بنقص الغذاء والدواء والوقود، وشهدت أوضاعهم تدهوراً على مدى سنوات الحصار، والذي وصفه السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة، فرانسوا ديلات، في شباط 2018 بـ يعود للقرون الوسطى "..

 

أمطار من القصف، تمهيدا للاقتحام البري

في 18 شباط بدأ هجوم النظام بهدف استعادة المنطقة المحاصرة بدءا بحملة قصف جوي أسفر عن مقتل أكثر من 600 شخص في حوالي 10 أيام، وفقا للمصدر  السوري لحقوق الانسان، أتبع ذلك الهجوم البري.

فقط في يوم 20 شباط أحصت منظمة  و هي منظمة سلمية غير حكومية 110 قتلى على مدار 131 قصف جوي . تم اسقاط 44 برميل متفجر و 5 ذخائر عنقودية و اطلاق 28 صاروخ ارض- ارض و العديد من القذائف المدفعية

هذا الطوفان من النيران لم يتوقف في هدنة االشهر المنتزعة من دمشق و موسكو من قبل مجلس الامن للأمم المتحدة في 24 شباط،  وقد كان التمهيد للهجوم البري الذي أعلن من قبل النظام في اليوم التالي

 

الاسلحة الكيماوية

خلال قصف النظام أدان شهود عيان استخدام الأسلحة غير التقليدية (براميل متفجرة، قنابل بالذخائر الصغيرة ...)، وبشكل خاص العوامل الكيميائية. في نهاية شهر فبراير، لاحظ الأطباء الموجودون في الموقع أعراض هجوم الكلور، مع تأثيرات خانقة

في وقت سابق، كانت الغوطة الشرقية بمثابة "مختبر" واسع النطاق لاستخدام المواد الخانقة أو السامة و العصبية، وبعضها محظور بموجب الاتفاقية الدولية التي تحظر تخزين وإنتاج واستخدام الأسلحة

منذ نيسان2013، أثناء معركة دمشق تكررت الهجمات بالغاز السام على جبهتي جوبر و عتيبة

في 21 أغسطس من نفس العام، وقع أول هجوم كيميائي واسع النطاق في المنطقة. قتل مئات الأشخاص (ما لا يقل عن 280، وربما 1500)، ثلثيهم من النساء والأطفال، في المنطقة المتمردة بعد قصف بالقنابل المملوءة بغاز السارين وهو مادة سامة عصبية قاتلة أكد محققو الأمم المتحدة وجودها فيما بعد.

بعد  "مذبحة الغوطة"، و تحت ضغط حليفها الروسي والمجتمع الدولي، وافقت دمشق على التصديق على اتفاقية نزع الاسلحة الكيماوية CIAC.

ومع ذلك، في عدة مناسبات، وعلى جبهات أخرى من الغوطة، تم ادانة استخدام العوامل الكيميائية، دون أن يتسبب "الخط الأحمر" الذي اتخذه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في اي رد فعل غربي.

 

كارثة انسانية

في حين أن المنطقة المتمردة مقطوعة عن بقية العالم  و يقصفها نظام دمشق وحليفه الروسي، فإن سكان الغوطة يواجهون وضعا إنسانيا كارثيا يستمر في التدهور.

ارتفاع باهظ في الاسعار، و السلع الاساسية أصبحت تدخل بشكل عشوائي بعد اغلاق معبر الوافدين بشكل شبه كلي في شباط 2017، أما بالنسبة للمساعدات الانسانية فإن دخولها مقيد بالسلطة، و الكميات المصرح بها غير كافية، بين تشرين الثاني 2017 و بداية هجوم شباط 2018 سمح لواحدة من قوافل الامم المتحدة بدخول المناطقة المحاصرة لتوفير الغذاء لمدة شهر الى 1.8% فقط من السكان وفقا لبرنامج الاغذية العالمي . طوال عام 2017 لم يتمكن سوى واحد من كل أربعة من سكان الغوطة من الحصول على معونة غذائية كافية.

النقص الذي يصيب أشد الفئات ضعفا: الأطفال، و الذين حسب تقديرات يونيسيف، يشكلون نصف السكان المحاصرين في المنطقة، يتأثرون بشكل خاص "بحرمان الغذاء المتعمد للمدنيين الذي نددت به الأمم المتحدة. . في نهاية عام 2017، كان 11.9٪ من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد (مقارنة بـ 2.1٪ في بداية العام)، وبين أكتوبر وديسمبر كان هناك العديد من حالات موت جوعا.

يحظر القانون الإنساني الدولي استخدام المجاعة كوسيلة للحرب ضد المدنيين، لكن النظام يبدو عازمًا، كما هو الحال في شرق حلب في عام 2016، على المضي قدما في الحصار الى أقصى الحدود من أجل كسر معنويات السكان ودفعها لقبول شروطها

الوضع الطبي هو أيضا "يائس"، وفقا لدعوة من مجموعة من المهنيين الصحيين نشرت في 23 فبراير من قبل مجلة طبية لانسيت. منذ عام 2016، كانت الادوية الوحيدة التي تمكنت من اختراق الغوطة هي تلك العائدة للقوافل الإنسانية القليلة، وقد تعرضت العشرين أو نحو ذلك من المنشآت الطبية التي ما زالت موجودة في المنطقة المحاصرة إلى القصف الشديد خلال الهجوم الأخير، ثلاثة عشر منهم، بحسب الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سام) تضررت أو دمرت خلال اليومين الأولين من القصف. إن أكثر الجرحى والمرضى خطورة، الذين لا يمكن علاجهم في هذه البنى التالفة والمكتظة، يموتون أثناء انتظارهم للإخلاء خارج الحصار

يوم الاثنين، 5 مارس، سُمح لدخول أول قافلة إنسانية إلى الغوطة منذ بداية هجوم النظام. تم تقديم المساعدة الطبية والغذاء لحوالي 27500 شخص (أقل من 10٪ من سكان المنطقة المحاصرة)، اضطرت القافلة إلى الانسحاب قبل انتهاء مهمتها بسبب القصف

ووفقاً لإحصاء المنظمة العالمية للصحة والسلامة المهنية، قُتل قرابة 1200 مدني منذ بداية الهجوم، في 18 كانون الثاني و حتى 14 آذار، بما في ذلك 245 طفلاً.

 

علِّق