عدد القراءات: 5553

الغرب يثبت قيمة العلم، والمسلمون يصرون على اثبات فضائل الجهل

يقوم معهد Boston Dynamic الأمريكي منذ سنوات بتطوير مشروع روبوتات آلية ديناميكية الحركة سيغير مفهوم الآلة في عالم المستقبل، وسيحدث ثورة حقيقية في محاكاة الآلات الميكانيكية للكائنات الحية؛ ليس في الحركة الديناميكية فحسب، بل حتى في طريقة المحاكمة والتفكير واتخاذ القرارات، وقد أظهرت مجموعة فيديوهات نشرها المعهد المذكور المرحلة المتقدمة الذي توصل إليها المشروع، وكيف يمكن لهذه الآلات أن تنوب عن الإنسان في كثير من الأعمال، وأن تتواجد في الأماكن الخطرة سيما تلك التي تكون فيها حياة الإنسان مهددة، وعلى هذا الأساس تعاقد الجيش الأمريكي مع المعهد لتطوير نسخ عسكرية من هذه الروبوات، وربما ليستغني عن المقاتل الإنسان ويصبح جندي المستقبل آلة قادرة على التصرف كما سبق وتنبأت هوليوود منذ مطلع الثمانينات بفيلم أرنولد شوارزينجر الشهير Terminator
بالمقابل؛ و قبل أيام فقط وبعد أن تمكن أحد علمائها (وللمرة الثانية بعد بن باز) من نقض نظرية دوران الأرض، نجحت السعودية (بمنّة من الله وفضله كما صرّح مسؤول الحملة) بتسجيل أكبر طبق تمر في كتاب غينس للأرقام القياسية، وكانت سبقتها مصر بتسجيل أكبر طبق كشري ولبنان بأكبر صحن حمص والنظام السوري بأطول علم...!!!


لنقفز إلى الأمام قليلاً (ربما بضعة سنوات فقط)، ولنتخيل ماذا سيحصل عندما نبدأ برؤية هذه الروبوتات تتجول في الشوارع أو تعمل في المصانع أو تحارب في الجيوش، أعتقد أن حوارات كثير من المسلمين (وليس كلهم بطبيعة الحال) إذا ما أصرينا على التفكير بالدين بذات الطريقة التي نعتقد بها اليوم ستكون كالتالي:

- المشايخ و رجال الدين التقليديون: سيتحدّون الغرب -وبأغلظ الأيمان- أن يخلق جناح بعوضة (ولن يستطيعوا بحسب رأيهم) لأن ذلك مثبت في القرآن، تماماً كما تحدّوا في الثمانينات أن يفشل طفل الانبوب (لأنه لا يعلم علم الأرحام إلا الله) وإذ بالكفار ينجحون حتى باستنساخ كائنات حيوانية مكتملة من خلية مخبرية واحدة مأخوذة من شحمة أذن الكائن الأصلي، وبالتالي توليد كائنات جديدة بطريقة مخالفة حتى لسنّة الله عز وجل الذي قضى أن ينتج ذلك عن عملية جنسية طبيعية تندمج فيها النطاف بالبويضة، ثم لينتهي الأمر قبل سنوات بفك شيفرة الخريطة الجينية للانسان، ما يتيح للعلماء حتى إمكانية تغيير صفات المواليد وخصائصهم العضوية.، وكحل لنهائي لأزمة الوقائع -وبدل أن يعترفوا بخطئهم- لم يكن أمام العلماء إلا اللجوء للحل الجذري المعتاد، إما تحريمها بالمطلق، أو وضع ضوابط شرعية قاسية لها كنوع من اثبات الذات ووجود الدين في كل تفصيل حتى بالمثال ونقيضه..!!
- علماء الدين من ذوي الخلفية العلمية التطبيقية: أمثال د.زغلول نجّار و المهندس عبد الدائم الخليل صاحب نظرية (العشق يقتل خلايا الدماغ) و د.منصور كيالي (صاحب نظرية الدفع النفاث الشهيرة): سيدؤون بالحديث عن الاعجاز العلمي في القرآن، وسيدّعون أن هذا الاختراع قد سرقه الغرب من المسلمين إذ تم استخلاصه من خلال تفسير الآية الكريمة (كهيعص) في مطلع سورة مريم.
أما كثير من الشباب المسلم الذين يظنون بأنفسهم انهم أكثر واقعية وانفتاحاً: فسينشرون فيديوهات الروبوتات المشار إليها ويقولون (انظر كيف تتحرك هذه الآلة كالحيوانات..سبحان الله) وسيضعونها كمنشور على الفيسبوك والتويتر، وستقوم الأمة بوضع عشرات ألوف اللايكات، وسنقرأ على المنشور تعليقات من قبيل (مهما تطوروا وفعلوا في النهاية هم يقلدون ما خلقه الله.... الحمد لله على نعمة الاسلام) ....(قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى)
ظاهر هذا الكلام ساخر ومستفز، نعم، هو كذلك لأن أحداً لا يقدم أجوبة وتفسيرات لكثير من الوقائع العلمية المثبتة التي يخالفها الفهم الديني التقليدي، و يفضلون بدل ذلك  مطالبتنا بالتسليم التام والاستغفار وعدم التعمّق في الأسئلة خشية الوصول إلى مطارح تشككنا بالدين...لكن جوهر هذا الكلام منزّه عن السخرية بالدين نفسه الذي فهمه وعمل به عمر بن الخطاب بما وضعه الله من مقاصد ومرامٍ لم يفهمها جمهور المسلمين الذين تقع عليهم العاقبة فيما وصلت إليه الأمور، ثم إنه مهما بلغت السخرية فجاجة فهي أقل بكثير من سخرية ما تعيشه أمة أقنعت نفسها أنها (خير أمة أخرجت للناس) وأنه ستعود في نهاية الزمان لتتسيّد وتنتصر على الكفار بالسيوف وأسنّة الرماح وعلى صهوات الجياد.

​وبالعودة للمشروع الذي دلفت منه إلى هذا الحديث، فإن من يملك ويمول معهد بوسطن للديناميك  هي شركة غوغل Google التي أوجدها طالبان جامعيان عشرينيان، والذين لو كانا خلقا في بلادنا وتفتقا بفكرة (محرك البحث) لكانا مجالاً للتندّر والسخرية من الناس من جهة، ولهاجمت السلطات الدينية مشروعهما من جانب آخر بحجة أنه يشجع على الغيبة والنميمة والتدخل في أعراض الناس، والتشجيع على الاختلاط، وهو ما يعدونه كفراً وافتئاتاً على الله، ومحاربة له ولرسوله...  لا تستغربوا، فالمدوّن رائف البدوي اعتقل لأقل من ذلك بكثير و اتّهم بذات الاتهامات.

 

 

مشروع معهد بوسطن للصناعات الدايناميكية والذي تمتلكه شركة غوغل

علِّق