No votes yet
عدد القراءات: 1899

الغارديان: العقل المدبر الذي جهز 15 انتحارياً غير نادم

الكاتب الأصلي: 
Martin Chulov
تاريخ النشر: 
31 آب (اغسطس), 2015

 

خلال مقابلة في سجنه، بدا والي بغداد متحدياً وهو يسرد تفاصيل حملته القاتلة التي خلفت أكثر من 100 قتيل بعضهم من الأطفال

كان أبو عبد الله أخطر رجل مطلوب للعدالة في بغداد لمدة عام تقريباً، وكان رؤساؤه يلقبونه بـ "المخطط" نظراً لدوره في إرسال الانتحاريين لمهاجمة المساجد والجامعات ونقاط التفتيش وأماكن التسوق عبر العاصمة العراقية. واليوم يسكن أبو عبد الله في زنزانة صغيرة في سجن تحت حراسة مشددة على أطراف المدينة، حيث أمضى الأشهر الأحد عشر منذ إلقاء القبض عليه. ومن هناك شرح أبو عبد الله لصحيفة الغارديان دوره في إرسال أكبر عدد من الانتحاريين في بغداد خلال سنوات التنظيم العشر فيها.
يعد أبا عبد الله أحد أخطر المساجين في سجون الأمن العراقية، استغرق الوصول إليه ثلاثة أشهر من المفاوضات مع ضباط المخابرات. وحال حصولنا على الإذن بمقابلته، صرح بأنه لم يختر المقابلة، إلا أنه زعم بأنه يتحدث بحرية. وخلال النقاش الذي دام 90 دقيقة شرح بالتفصيل دوره كالعقل المدبر لإحدى أكثر الحملات وحشيةً وإرهاباً في العراق.
قال أبو عبد الله أنه قام بتحضير 15 انتحاري قبل اعتقاله في تموز (يوليو) من العام الماضي، وأنه صلى معهم في ساعاتهم الأخيرة قبل أن يوصلهم إلى أهدافهم، ليراقبهم من مكان قريب وهم يفجرون أنفسهم. وبحسب تقديراته قضى أكثر من 100 شخص نحبهم في الهجمات التي نسقها، أغلبهم عناصر من قوى الأمن وبعض المدنيين أحياناً، بما في ذلك نساء وأطفال. وتحدث عن ورشة عمله، تلك الغرفة  المزرية المهجورة التي تقع خلف بابين فولاذيين في ضاحية من ضواحي بغداد الجنوبية حيث كان مركز قيادة داعش في العاصمة العراقية لأكثر من عام، وقال "كانوا يأتوني في ورشة عملي، وكنت أستقبلهم عند الباب، أرحب بهم أولاً وأتفحصهم لأقيّم استعدادهم. ثم نقيم الصلاة ونقرأ القرآن".
وبحسب ما قاله أبو عبد الله، لم يُبدِ أي انتحاري الخوف قبيل إتمام مهمته، بل نجح جميعهم فيها، وأضاف "كنت أساعدهم في لبس أحزمتهم الناسفة وكنت أخفيها بحيث لا يمكن لنقاط التفتيش اكتشافها. أحياناً كنا نقوم بذلك في اللحظات الأخيرة."
وخلال المقابلة بقي أبو عبد الله مقيد الأيدي وجالساً على الكرسي، وتراوحت إجاباته ما بين الصراحة في معظم الأحيان وبين تردد وجيز قبل أن يأمره الحارس الموجود معنا بأن يتحدث بما في نفسه.


وقد نالت السجون العراقية على مدى العقد الاخير نصيبها من الاستهجان من قبل مجموعات حقوق الإنسان بسبب ممارسات التعذيب التي تتبعها مع سجناء الأمن. مع ذلك لاحظت جفول أبا عبد الله عندما اقترب منه حراس السجن، ولكن لم يظهر عليه أي أثر لجروح جسدية وبدا أنه ينال تغذية جيدة، وهو ما قال عنه ضابط رفيع أنه بموجب أمر من الحكومة يقضي بأن تتم تغذية السجناء جيداً وأن تتوفر الكهرباء والمكيفات لزنزاناتهم. ثم قال الضابط ساخراً "هل لك أن تتخيل ذلك؟ إنهم يعيشون بحال أفضل من معظم سكان بغداد".
بدا أبو عبد الله مرتاحاً أكثر عندما ترك الحراس الغرفة، وتغير أسلوبه بسرعة من الاستسلام إلى التحدي. وعندما سألته "ما هي الرسالة التي تود إيصالها للغرب؟"، فكر قليلاً ثم تفحص الباب ليتأكد أننا وحدنا، ولمعت عيناه وهو يقول: "الإسلام قادم. وما حققته الدولة الإسلامية في السنة الماضية لا يمكن إلغاؤه. الخلافة حقيقة واقعة."
وقد زعم أبو عبد الله، واسمه الحقيقي ابراهيم عمار علي الخزعلي، بأنه عضو في داعش وكل هيئاتها السابقة منذ عام 2004. وكان طريقه إلى الجهاد العنفي غير معتاد، فهو شيعي المولد، ومارس المذهب الشيعي حتى أواخر التسعينات من القرن الماضي، تحول بعدها إلى الإسلام السني وتخلى عن تعاليم المذهب الشيعي المعادي له. وقال أنه كان فاعلاً في السنوات الأولى للتنظيم حتى عام 2007 عندما تلقى رصاصة في رأسه خلال قتاله ضد القوات العراقية. وكانت ندبات دخول الرصاصة وخروجها واضحة قرب أذنه اليسرى، كما كانت حركته أبطأ مما توجبه أغلاله، مما قد يدل على خسارته بعضاً من قدراته الحركية.
مهما كانت إصابته، بدا تصميمه صلباً في السنوات الأخيرة حيث قال "أصبحت فاعلاً مجدداً بعد عام 2011، فقد أردت أن أعيش في دولة إسلامية تحكمها الشريعة. أريد كل ما يريده داعش، أهدافه هي أهدافي ولا فرق بينها."


قبل اعتقاله كان أبو عبد الله والياً لبغداد، تولى المنصب بعد اعتقال رئيسه السابق أبو شاكر الذي يقبع مثله في سجن مشدد الحراسة. وقد كشفت التحقيقات معهما الغطاء عن قسم كبير من شبكة داعش التي أحكمت قبضتها على المدينة مع تصاعد العنف بين عامي 2011 و 2013، ومنذ ذلك الحين أبدى عناصر داعش قدرة على إعادة تنظيم أنفسهم. لكن خلال زيارة صحيفة الغارديان للسجن، تم اكتشاف كمية هائلة من الأسلحة مدفونة في مزرعة في جنوب بغداد، أحضرتها شرطة مكافحة الإرهاب وفردتها أمام مقرها في مجمع السجن نفسه.
وفي بهو يؤدي إلى غرف الضباط كان هناك صور على الحيطان تبين إرهابيين متهمين لحظة اعتقالهم، وكان هناك أيضاً سترة انتحارية منزوعة الفتيل مرمية في زاوية خلف الباب، أما في خزانة الضابط الرفيع كان هناك أحزمة تحمل المتفجرات مغلفة بأكياس بلاستيكية، تمت مصادرتها من قادة داعش الذين اعتقلوا. وعلى مسافة غير كبيرة كان هناك رجل حافٍ متكئ على الحائط بصمت والأصفاد تقيد يديه أمامه.

وحتى الآن ومع حكم قريب بالإعدام كان أبو عبد الله ينظر للناس الذين ساهم بقتلهم على أنهم أهداف مشروعة يمكنه بسهولة أن يبرر موتهم. فقد قال أن "معظم الناس الذين ماتوا هم أهداف مشروعة، والذين ماتوا بالخطأ سيتقبلهم الله. لم أشعر بالندم سوى مرة واحدة، عندما قام شهيد كنت قد أوصلته إلى سوق القضمية بتفجير نفسه على مقربة من نساء وأطفال، أزعجني ذلك، لكن نفسي سكنت مع حلول اليوم التالي. وأدركت أنني يجب أن أبقى على عقيدتي ومضيت في يومي."
وأضاف أن مهمته انتهت مع اعتقاله وأنه سيستغل الوقت المتبقي له قبل حكم محتوم بالإعدام في التحدث بصراحة عن معتقداته. وعندما ألححت بسؤالي عما يشعر بالندم عليه تهرب مجدداً. وبعد إيعاز آخر من الحارس قال "عملت بما أملته علي عقيدتي. ولا أود التحدث عما أندم عليه، ولا عن عائلتي."
ثم قال الضابط المسؤول عنه وعن ستة آخرين ممن يُعتقد أنهم زعماء في داعش: "إنه عقائدي، ولكن هناك آخرون هنا ممن هم عقائديون أكثر منه بكثير. كان يغني كالعصفور في اليوم الأول (لاعتقاله). وبعد ذلك حاول إقناع الآخرين بأن يقوموا بالغناء أيضاً، وراح يتحدث إلى شخص يدعى أبو تحسين وهو أصغر منه، لكن أبو تحسين تعدى عليه. هكذا هم الناس هنا."
وفي ورشة العمل، حيث تم تخطيط معظم الدمار الذي لحق ببغداد، قال رجل جاور أبا عبد الله لأكثر من عام أنه لم يشتبه أبداً بالرجل المحترم الهادئ الذي كان يلقي عليه التحية عدة مرات في الأسبوع. وأضاف "ولكن لم يعد يفاجئني شيء في هذه المدينة، لا شيء. ولا يمكن أن يصدمني شيء بعد اليوم لبقية حياتي، هذا هو تأثير العيش في هذه المدينة."

علِّق

مقالات المترجم