عدد القراءات: 2719

العلويون الذين اكتشفوا المقلب... ورحلة نحو المجهول

 

* حسان الصيداوي – السوري الجديد

 

في أحد أرياف اللاذقية القريب من رأس البسيط، ثمة قارب صغير ينتظر هبوط الليل حتى يتحضر للرحلة الجديدة والراكبين الجدد، إلا أن الرحلة في هذه المرة اضطرارية نحو البلد "المشتوم" سابقاً، والمحارب بنيرانه، والعدو كما عرفوه قبل أن يدركوا العدو الحقيقي الأكثر إجراماً في العالم.
لم يكن الهروب من "الوطن" باتجاه أي بلد آخر خياراً يميز كثيراً بين السوريين قبل الثورة الحالية والحرب، وحتى دول الخليج استقبلت علويين كثر، عملوا كمدرسين وأطباء وحتى في الإعلام. يقول فايز، ع، سوري مقيم في الكويت ويعمل كمدرس " بين كل خمسة مدرسين كنت ألاحظ مدرساً علوياً، كان وجودهم كما السوريين الآخرين في الخليج مقبولاً."
ولا يستحي علويون كثر من القول بأن "العيشة في سوريا لا تطاق ولا يستطيع الشباب تأمين أنفسهم في ظل الغلاء الفاحش وخصوصاً في العقارات."
الاعتراضات كانت كثيرة – يوضح شادي ح، 31 عاماً من مدينة طرطوس "الحديث علناً في سوريا كان مكلفاً وبالأخص بالنسبة للطائفة العلوية وهو ما سبب صمت كثيرين وانجرار الأكثر نحو الحرب لضمان المقعد الأقرب إلى جانب النظام".
لم تكن بطاقات المقاعد في مسرحية النظام متاحة للجميع، فمقربون منه – بمن فيهم صهره – تم تصفيتهم  وحجز مقاعد جديدة لهم نحو المقبرة. لأسباب ما زالت مجهولة وقيل أنها بسبب فكرة انقلاب عليه.
يتابع شادي " كنا ندرك تماماً ماذا يعني معارضة النظام ولكننا كنا محصورين في هذه الفكرة مقابل واقع مرير يعيش به سوريون في مئات المناطق الأخرى اختاروا بلحظة بسيطة أن يعارضوه ويدفعوا حتى حياتهم ثمناً لتلك الحرية."
دوافع كثيرة جعلت هرب العلويين إلى الخارج أمراً ضرورياً إلا أن الأغلب كان هروبه مرتبطاً بقصة قد يعتقدها البعض بسيطة. تدوينة على الفيس بوك، الغياب عن اجتماعات حزبية، أو حتى رفض حمل السلاح، فيما كانت قصة نسرين، 35 عاماً، من ريف مصياف معقولة حيث تقول " اعتقل والدي بسبب نشاطاته الشيوعية قبل عشرين عاماً، وخرج من السجن مع بداية الأحداث في سوريا، إلا أنه توفي بعد فترة وجيزة وبقينا نحن منبوذين في المجتمع حتى قررت الرحيل إلى لبنان والعيش هنا."
لم يكن أحد يسمع عن نشاطات العلويين المعارضة للنظام، فأي نشاط كان ليعطل على النظام خطته الطائفية في وصم الطائفة "بمحاربة الجميع" وزجها في صراع سيكرهها حتماً كل الشعب السوري ويتمنى زوالها.
يقول الناشط الإعلامي فاروق محمد " فاجأ جيش الفتح العلويين بخطابه الأخير، عندما صرح بأن جميع المدنيين العلويين في قراهم سيكونون آمنين، ولن تتم محاربة الأشخاص الذين لم يحاربوا ولم يثبت تورطهم بالدليل القاطع."
عندها اختلط الأمر على العلويين الذين كانوا يعتبرون – بفعل الدعاية الأسدية - الجيش الحر هو ذاته الإرهاب الذي سيقطع رؤوسهم جميعاً عندما سيحلّ على مناطقهم.
واختار حينها العديد من الشباب التأخر عن خدمة جيش النظام، و التهرب من ميليشياته، واختيار النجاة بالحياة كبديل عن الموت المحتم في سبيل أبناء الصف الأول للنظام المأمنين في الخارج.
يقول عيسى، ن، 23 عاماً، من اللاذقية " كفانا كذباً بأننا نحمي الوطن في حين أننا نحمي النظام فقط، وميليشياته تخطف أصدقاءنا، أخوتنا، وتقتل السوريين كلهم، بحجة أنها تحمينا من الإرهاب، الآن بات ينبغي رحيل النظام، بات ينبغي أن نكون فاعلين مع باقي أبناء وطننا، وبات ينبغي أن نعوض ولو كان شيئاً بسيطاً مما فاتنا."
يتغير المكان الذي سافر منه عيسى نحو تركيا للاجتماع مع رفاقه النشطاء كل فترة حتى لا يتم كشف الأمر، فيما كوادر تعمل يومياً على تأمين الطريق وتوفير فرصة السفر لمعارضين علويين جدد، يقال فيهم " أن تصل متأخراً جداً خيراً من ألا تصل."

علِّق

المنشورات: 1
القراءات: 2719

مقالات الكاتب