No votes yet
عدد القراءات: 2412

العلم المذهل في دراسة وقف إطلاق النار: قد تسهم الإخفاقات في إحلال السلام - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Max Fisher
تاريخ النشر: 
17 أيلول (سبتمبر), 2016
اللغة الأصلية: 

 

من الممكن لاتفاقية أسبوع وقف إطلاق النار في سوريا أن تحدث أثراً مستمراً على الصراع، حتى وإن انهارت بسرعة كما يتوقع معظم المحللين.

 

تُظهر البحوث السياسية أن الهدنة تحدث تغييرات أكثر من تلك التي تحدثها الأوضاع على الأرض، فهي تغير الطريقة التي يقارن من خلالها المشاركون في الحرب فوائد القتال مقابل المحادثات.

إذ من الممكن لوقف إطلاق النار أن يخلق ما يشبه حلقة حميدة -كما وجدت الدراسات- حيث تزيد هذه الحلقة من احتمال تحقيق توقف عن القتال في المستقبل،  فتتيح لكل طرف الفرصة في البقاء لوقت أطول وتثنيه عن ارتكاب الانتهاكات والقيام بعزل العناصر السيئة فضلاً عن بناء الثقة بين الخصوم.

وهذه الحلقة ليست مرئية على الدوام كما أنها ليست حاجة ملحة من الناحية السياسية كالاستفسار عن الطرف الذي يقصف في يوم ما، لكنها مع مرور الوقت قد تغير حسابات الأطراف المشاركة في الحرب من حيث تحديد شروط السلام.

 

وتقول بيج فرونتا وهي أستاذة في جامعة كولومبيا وباحثة رائدة في مفاوضات السلام، بأن هذه الاتفاقيات "الجزئية"، على الرغم من بساطتها وندرة نجاحها، إلا أنها تستطيع في نهاية المطاف أن توازي الحوافز بين المجموعات التي لا يمكن التوفيق بين مطالبها في الوقت الحالي.

لكن لدينا وجهة النظر الأخرى، ففي بعض الأحيان من الممكن لاتفاقات وقف إطلاق النار أن تُنشئ حلقة مفرغة بدلاً من تلك الحميدة،  فقد تعمّق من الشعور بعدم الثقة وتزيد من المسافة بين الأطراف المتنازعة كما يمكن للحوافز أن تجعل السلام أقل جاذبية.

وسواءً كان الدبلوماسيون الذين نظموا وقف القتال الحالي الممتد لأسبوع في سوريا، سواءً علموا أم لم يعلموا، فهم بذلك أقدموا غلى مغامرة بالغة الخطورة وبالغة النفع أيضاَ.

 

الحلقة الحميدة

قام عالمان في الشؤون السياسية من نوتردام وهما مادهاف جوشي وجيه مايكل كوين، العام الماضي بنشر بحث يدرس ١٩٦ اتفاقية وقف لإطلاق النار واتفاقية سلام منذ عام ١٩٧٥ وحتى عام 2011.

ومن خلال ذلك وجدا شيئاً مذهلاً: وهو أن إحدى أفضل الطرق للتنبؤ بنجاح اتفاقات السلام هي، وبكل بساطة، معرفة ما إذا كان الطرفان قد عقدا اتفاقاً من قبل، حتى وإن باءت تلك المحاولات بالفشل.

كما أنه لا يمكن لمدة الحرب أو شدتها أن تكون مصدراً موثوقاً للتنبؤ بنتائج اتفاقات السلام كذلك الأمر بالنسبة للفقر و الاختلافات العرقية للمقاتلين إذ لا يمكن أن يحددا تلك النتائج.

يقول البروفسور كوين: "تلك الإخفاقات تمهد الطريق أمام حدوث اتفاقات أفضل في المستقبل، فمع مضي الوقت يجد المشاركون في القتال بأن الهدنة أقل خطورة. فعندما يجد الجميع أنهم قد خرجوا من الأمر متعادلين على الأقل، ستتولد لديهم الرغبة في عقد اتفاق آخر. ومع هذا الوضع الراهن المتدهور في سوريا، فالتعادل لا يتطلب الكثير".

وكتب كلاً من البروفيسور جوشي والبروفيسور كوين في مقالهما عن الشؤون الخارجية كتلخيص لبحثهما: "قد تكون تلك الطلبات بسيطة كأن نطالب الأسد بالامتناع عن تسمية أطراف المعارضة بالإرهابيين في الصحافة. وحالما يتجاوب أحد الطرفين، تبدأ عملية السلام. ومع كل جولة ناجحة، يتولد ما يكفي من الثقة وحسن النية للانتقال إلى البند الثاني".

وليس المقصود بهذه الثقة المعنى العامي من ناحية اثبات السلامة الشخصية  وإنما نقصد بها المعنى المعروف في العلوم السياسية: إذ يعتقد المتفاوضون بأنهم يدركون دوافع الطرف الآخر وأن بإمكانهم التنبؤ بتصرفاتهم، فيصبح كل طرف أكثر رغبة في تقديم التنازلات مفترضاً أن الطرف الآخر سيقوم بالمثل.

 

فلنأخذ يوغسلافيا مثالاً على ذلك، حيث جرت ٩1 هدنة بالوساطة واتفاقية وقف إطلاق النار منذ ١٩٨٩ وحتى عام 2000. وقد استمر من تلك الاتفاقات ما نسبته 35% لأقل من أسبوع و13% منها استمرت لمدة أسبوع بالضبط.

وعلى الرغم من أن كل واحدة منها بدت وكأنها فشلاً ذريعاً، لكنها بلغت ذروتها في اتفاق ديتون عام ١٩٥٩ والذي وضع حداً للحرب في البوسنة التي كانت جزءاً من صراع أكبر. وكذلك فعلت الاتفاقات في وقت لاحق.

ونحن الآن نرى إشارات محتملة لذلك في سوريا، فوتيرة عمليات وقف إطلاق النار آخذة في الازدياد نتيجة التوسع في الشروط واستثمار الأطراف الخارجية للمزيد من رأس المال السياسي. لكن تلك المكاسب طفيفة وعملية بناء الثقة ما تزال هشة، وبالتلي يبقى من غير الواضح ما إذا كانت تلك الحلقة ستلتئم أم لا.

وقد وجد ستيفن بي لونغ، وهو أستاذ في جامعة ريتشموند، في وثيقة عام 2014 التي تبحث مئات الحالات منذ عام ١٩٤٨ وحتى عام ١٩٩٨، أنه في حال تمت معاقبة انتهاكات وقف إطلاق النار بصورة مستمرة مع وجود شكل من أشكال الردود الانتقامية_ القوية بما يكفي لإحداث ضرر لا التصعيد من حدة النزاع_ سيتعلم كل طرف أنه من الأفضل له الامتثال للشروط.

وفي النهاية، سيكون الجميع أقل خوفاً من أن يتعرض للخيانة وأكثر ثقة للدخول في الهدنة المحفوفة بالمخاطر أو الانخراط في محادثات السلام.

كان ذلك أحد الأسباب في عدم خوض شبه الجزير الكورية أية قتال شامل منذ عقود، على الرغم من أنها ما تزال في حالة حرب رسمية. فقد أثبت كل طرف من خلال عدد لا يحصى من استراتيجية العين بالعين، بأنه سيعاقِب أي تجاوز من الطرف الآخر وبذلك تجمد الصراع الذي أودى بحياة مليون شخص.

وقد اكتملت تلك الحلقة الفاضلة بعد عدد كافِ من الجولات، عندما توصل كل طرف إلى أن الخصم سيلتزم بشروط أية اتفاقية. فعندما تُنَفذ شروط وقف إطلاق النار، سيعود ذلك بالنفع على الجميع، لذا تجد كل طرف يعمل على فرضها.

وقالت البروفسور فرونتا بأن تلك هي الطريقة التي اندلعت فيها الحروب متعددة الأطراف كالحرب السورية التي اندلعت من دوامة الصراع المستديمة.

قد يستغرق ذلك الأمر أعواماً عدة، إذ تشير إحدى الوثائق إلى أن تلك الحلقة لا تكتمل بالفعل حتى تستمر الهدنة لمدة 8 أسابيع؛ وذلك عائق لم تتجاوزه سوريا بعد. لكن بعض الوثائق البحثية التي تصف تلك الديناميكية تتخللها أمثلة عدة _ من قبيل بروندي ونيبال والفلبين وإيرلندا الشمالية_ كلها بدت الأمور فيها عصية على الحل حتى تم حلها على نحو مفاجئ.

 

الحلقة المفرغة

إن كان الامل الكبير يتمثل في إمكان أن يتعلم المتحاربون السوريون كيفية بناء الثقة والتعاون فإن الخطر العظيم يكمن في أن يتعلموا بدلاً من ذلك عدم الثقة ورفض التعاون.

وفي حال كانت العقوبات المفروضة على الانتهاكات غير متكافئة سيرى المتقاتلين من خلال ذلك أن الغش ليس شديد الخطورة. وفي حال لم يكن هناك ضرورة لمعاقبة أي تجاوز، سيكون من المهم أن تخضع جميع الأطراف إلى معايير مماثلة فيما يتعلق بالأفعال التي تتطلب العقوبة ومدى شدتها.

فإن اعتبرت المجموعات أن من المرجح لأي طرف أن يقدم على الخداع، سيكون لديهم دافعاً قوياً للقيام بالمثل. وعلى نفس المنوال، في الوقت الذي ستشعر فيه إحدى المجموعات أن الطرف الآخر ليس جديراً بالثقة ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، لن يكون لديهم سبباً وجيهاً للدخول في أية اتفاقية.

وبعد جولات عدة، سيصبح كل طرف أقل رغبة وعزماً على الوفاء بوعوده، وبذلك يقتنع الجميع بأن المحادثات ليست جديرة بالاهتمام.

فقد حدث هذا في أنغولا، حيث أودت الحياة الأهلية بحياة أكثر من نصف مليون إنسان منذ عام ١٩٧٦ وحتى عام ٢٠٠٢. إذ رأت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييت فيها أرضاً للمعركة فتدخل فيها الطرفان ليدفعا بعملائهم الأنغول إلى مواصلة القتال ما أدى إلى تدمير الثقة على الأرض، ويُعِدُّ ذلك درساً مثيراً للقلق في الوقت الذي تجد فيه واشنطن وموسكو نفسيهما على طرفي النقيض في سوريا.

 

مشكلة القوى العظمى

سواءً كانت سوريا في طريقها إلى تشكيل الحلقة الحميدة أو الحلقة المفرغة، فذلك يعتمد إلى حد كبير على الولايات المتحدة وروسيا حسب قول البروفسور فرونتا.

وحسب بحث أجراه العالم في الشؤون السياسية دونالد روتشيلد، فمن المرجح على نحو أكبر أن تنتهي الحروب الأهلية إلى السلام في حال وجود وسيط، وغالباً ما يكون ذو تأثير قوي خارج البلاد. فباستطاعة هذا الوسيط أن يفرض بدائل كوقف مؤقت لإطلاق النار الذي يفسح المجال أمام المفاوضات. كما أن الوسيط ربما يتمكن من جعل كلا الجانبين أكثر استعداداً للمخاطرة من أجل السلام لأنهم على ثقة بأن الطرف الآخر سيتلقى العقوبة المناسبة في حال نكث بوعوده.

على سبيل المثال، لم تنتهَ حالة الحرب التي امتدت إلى 30 عام بين مصر وإسرائيل إلى أن توسطت بذلك الولايات المتحدة في اتفاقية كامب-ديفيد عام ١٩٧٨. إذ قدم الرئيس جيمي كارتر المليارات لمساعدة كلا البلدين محولاً بذلك من اتجاهات حساباتهم الاستراتيجية ما جعل السلام أكثر روعةً. وتضمّن ذلك التهديد برفض واشنطن لأية محاولة تراجع من أحد الطرفين.

كما يمكن للوساطة أن تتخذ أشكالاً أخرى كدور النرويج في استضافة المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية عام ١٩٩٠؛ فكانت الشروط الحيادية سبباً في تقليل التكلفة السياسية.

أما بالنسبة لسوريا، فذلك الوسيط ليس له وجود لأن كلا المرشحين القابلين لتنفيذ هذه المهمة، أي الولايات المتحدة وروسيا، كلاهما متورطتان في الحرب كما أنه ليس من المرجح أن يسمحا لطرف ثالث كالأمم المتحدة بالتدخل في ذلك.

وترى البروفسور فرونتا أن الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وروسيا مثل اتفاق الأسبوع هذا، من الممكن له أن يوصلهما في نهاية المطاف إلى نوع من الوساطة المشتركة.

وعلى الرغم من أن ذلك مستهجن من الناحية السياسية بالنسبة لواشنطن بأن تبدو وكأنها تضع موسكو على أسس متوازية استراتيجياً وأخلاقياً، لكن ذلك بات ضرورياً على الأرجح.

غير أن ذلك يتطلب من الطرفين إثبات شيء لم يتمكنا من إثباته حتى الآن؛ وهو القدرة على الحصول على تنازلات من حلفائهم على الأرض في سوريا. وعندها فقط تستطيع الولايات المتحدة وروسيا أن تثقا في قدرة الطرف الآخر على الالتزام بوعوده الأكثر أهمية.

وبغية الوصول إلى تلك النتيجة، لا بد بالتأكيد من المرور بجولات عدة وهذا سيكون مجرد خطوة نحو تحقيق السلام. قد يبدو ذلك فشلاً لأنه يحدث بالتدريج، لكن قصص النجاح غالباً ما تستغرق عقداً أو أكثر.

وتوضح البروفسور فرونتا: "ليس هنالك الكثير من الدوافع التي قد تجعل الطرف الآخر يدرك فائدة الارتياب، وهذا هو السبب في صعوبة إيقاف الحروب".

وأضافت: "لكنها في النهاية تتوقف".

 

علِّق

المنشورات: 295
القراءات: 2539067

مقالات المترجم