عدد القراءات: 7274

العلمانية والإلحاد

في الغالب يجري الربط بين العلمانية والإلحاد، لتبدو العلمانية هي الإلحاد، ولتبدو كل دعوة إلى العلمانية هي دعوة للإلحاد بالتحديد. رغم أن الإلحاد نشأ منذ نشوء الأديان والعلمانية تبلورت مع انتصار البرجوازية في العصر الحديث، ومن ضمن منظومة الأفكار التي تبلورت في عصر الأنوار الأوروبي. ورغم أن الإلحاد هو رؤية فلسفية والعلمانية هي "حل سياسي"، أو تصوّر سياسي يتعلق بالدولة تحديداً. وبالتالي أن الإلحاد يوجه ضد الدين بينما العلمانية تكون "محايدة" في الموقف من الدين.
فالملحد هو من يرفض وجود الله، ويعتبر أن منظومته الفكرية تقوم على ذلك، وينطلق من ضرورة دحض "فكرة الله". وهنا تتأسس ثنائية إيمان/ إلحاد على هذا الأساس. ولقد نشأ "المذهب" في الشرق الذي أنتج الأديان أصلاً، وظهر واضحاً في الدولة العربية الإسلامية، في مراحل تألقها. واعتبر حينها أنه نتاج "قراءة الفلسفة" والبحث الفلسفي، وهو الأمر الذي حدا بالإمام أبو حامد الغزالي إلى تحريم قراءة الفلسفة (سوى للبعض، المتمكن من الدين، والذي سيلعب دور الطبيب بالنسبة للمريض المصاب بالشك). ويبدو أن التيار الإلحادي كان كبيراً حينها، وتغلغل في الفلسفة والشعر والأدب، واكتسح "العقول". وربما يشار عادة إلى الشاعر الفيلسوف أو الفيلسوف الشاعر أبو العلاء المعري، القامة الكبيرة في عصره، والذي أجهر موقفه، لكن كان هناك تيار واسع يميل إلى الإلحاد وصل منه ربما ما يتعلق بالشعر فقط.
هذا الاتساع دفع الإمام الغزالي إلى الهجوم على الفلسفة، ولكن الأخطر هو أنه قولب "العقل" في منطق صوري فاقع، فهو القائل "يجب أخذ الحقائق من الألفاظ"، بإتباع أسلوب "النقل"، وبالتالي كان في أساس نشوء السلفية الحديثة، والوهابية خصوصاً. وهو التيار الذي يؤسس لـ "الخلط" بين العلمانية والإلحاد، حيث بات يعتبر كل تفكير وتأويل، وتفسير وتحليل، وما ينتج عنها من أفكار موضوعة في "باب الكفر والزندقة والإلحاد".
في الرد على الإمام الغزالي قام ابن رشد بـ "التوفيق" بين العقل والنقل معتبراً أنهما طريقين للوصول إلى الحقيقة ذاتها. وكان يعني الأمر أن الفلسفة والدين هما طريقين للوصول إلى الحقيقة. وكانت هذه الخطوة الأولى نحو نشوء العقلانية في أوروبا، التي وضعت الإنسان في مركز الكون، واعتبرت أن العقل وحده هو الذي ينتج الحقائق. وهذه العقلانية هي التي أوصلت إلى العلمانية، حيث من أجل تحقيق "إرادة الشعب" يجب أن يكون الشعب هو المقرِّر للسياسات التي تخدم تقدمه. ولأن الشعب متنوع الأهواء (الأفكار) بات لزاماً الإقرار بكل التيارات والأفكار والمعتقدات من قبل الدولة. بالتالي بات يجب أن تكون الدولة "حيادية"، حياديتها هي التي أنتجت العلمانية، التي تعني فصل الدين عن الدولة لقبول تعدد الأديان والمعتقدات والأفكار، لكن مع رعايتها لكل ذلك، أي انطلاقاً من موقف إيجابي منها كلها. هنا باتت الدولة في تعاطٍ إيجابي مع الدين، لكن الدين الذي يتحوّل إلى معتقد شخصي مبتعداً عن أن يطرح ذاته كمشروع سياسي. حيث أن المساواة بين مواطنين أحرار تفترض ألا يُعطى الحق لطرف باستخدام "كلمة الله" في مواجهة الآخرين، بالتالي أن تحيَّد بدل أن تكون جزءاً من الصراعات السياسية.
لهذا يمكن لأي إنسان أن يطرح كل الشريعة في برنامج، طبعاً باسمه وليس باسم الله. بمعنى أن ما هو مرفوض هو استخدام اسم الله في فرض أفكار وتشريعات، وليس الأفكار الواردة في الشريعة، التي تصبح مجالاً للنقاش والنقد في إطار صراع متكافئ بين مواطنين. وليس بين آمر باسم الله و"مواطن". بمعنى أن الحوار يخضع هنا لقوة "قهرية" مستمدة من "قدسية" ممتدة في التاريخ، وفكرة لها جبروت الحضور، أي الله. إن ربط "نمط الحياة" بالإرادة العامة للشعب فرض أن يكون الشعب مواطنين متساوين، وهذا ما كان يفرض نزع القدسية عن كل فكرة تطرح للنقاش فيما يخص الواقع.
من هنا، فالعلمنة لا تعادي الله، وليست ضد الدين كمعتقد شخصي مصون، لكنها تمنع التحدث باسم الله في كل ما يتعلق بالشأن العام، بما هو عمومي، يتعلق بالمجتمع. وإذا كان التناقض في الماضي هو بين الضدين: الإيمان والإلحاد، فقد أتت العلمنة كتجاوز لهذا التناقض، وهو تجاوز ضَمِن تضمُّن الطرفين، أي مسألة الحق في المعتقد في إطار الإقرار بتحييد المقدس في السياسة. طبعاً دون تحييده في السلوك والممارسة الشخصية، وفي الثقافة. لهذا يمكن، ويجب، أن يكون المتدين علمانياً، وهذا لا يُنقص من العلمنة ولا من التدين الذي هو حق ترعاه الدولة.
من هذا المنظور ينتج الخلط بين الإلحاد والعلمنة من إشكالية عامة تنتج عن "التعصب"، حيث يصبح كل مختلف كافر أو مرتد أو ملحد. وهذا يستخدم في الصراعات السياسية إتكاءً على المقدس، حيث يجري استغلال "التمسك بالدين" في مجتمع لم يتطور إلى مرحلة "العقلنة"، أي لم يصبح بعد رأسمالياً بالمعنى الحضاري، من أجل هزم كل فكر يريد تحقيق التطور والحداثة، وهنا يتساوى الفكر الديمقراطي، والقومي والماركسي، وحتى الديني المتنوّر. ليبدو أن ما يسكن في أعماق هذا الميل الأصولي هو الحفاظ على البنى التقليدية والسلطة التقليدية التي تقوم على أساس الدين، في مواجهة التطور الذي يقوم على إلغاء هذه السلطة (المعنوية، والمادية). بمعنى أن هذا الميل هو نتاج البنى التقليدية التي تريد التمسك بـ "الماضي" الذي يكرسها سلطة بالضرورة في مواجهة تكوين مجتمعي حداثي ينطلق من محورية الإنسان الفرد، ومن فاعليته، وكذلك من إرادته. وفي الأساس تكون تلك البنى ضد كل الفكر الذي نشأ منذ عصر الأنوار والتطور البرجوازي، ويجري التركيز على العلمنة لأنها اقرب لأن تمسّ "فاعلية الدين في السيطرة الأيديولوجية السياسية"، أو بالأدق فاعلية سيطرة "رجال الدين" الذين يمثلون مصالح طبقية بالضرورة، هي نتاج موروث الماضي، وتستمر بفعله، وبضمان استمراره.
ولا شك في أن النظام المعرفي "الفقهي" الذي هو أساس تفكير كل التيارات الأصولية، لا يستطيع أن يستوعب كل هذا الفارق بين الإلحاد والعلمنة، لأنه لا يستطيع أن يستوعب كل منظومة الفكر الحداثي، الذي قطع مع الفقه وأسس لمنظور عقلاني جديد، هو بالضرورة أرقى من النظام المعرفي الفقهي، ويقطع معه حتماً.
نعود للتمييز بين العلمنة والإلحاد، وكما أشرت فإن الإلحاد يقوم على رفض الله، على التشكيك بوجود الله، وهذا هو محور منظوره الفكري، وكل الأيديولوجية التي ترتبط به. بينما العلمنة هي فصل الدين عن الدولة دون فصله عن وجوده المجتمعي، بل رعاية هذا الوجود من قبل الدولة، في إطار دولة ترعى الحريات العامة. بالتالي فالإلحاد منظومة فلسفية ومنظور أيديولوجي، بينما العلمنة هي منظور سياسي يتعلق بالحدود التي تحكم علاقة الدولة بالمجتمع. ولا شك في أن كل أدلجة للعلمنة تقود إلى دفعها نحو الإلحاد بالضرورة، لأنها تجبرها على أن تتدخل في معتقدات المجتمع. فدولة علمانية يمكنها أن تمنع تأسيس حزب على أساس ديني لكنها لا تفرض على الشعب ألا يكون متديناً، أو ألا يمارس الطقوس الدينية. وهي تمنع أن يستغل الله، أو الدين عموماً، في الصراعات السياسية، لكنها لا تمنع الدين، أو تفرض قيوداً عليه كدين، أي كعبادات وسلوك وقيم.

التعليقات

الشكر الموصول للاستاذ والمناضل العزيز سلامــــه كيلـــه على اسهاماته المبدعة دوماً ================================================= November 26, 2010 · العلمانية ---------------------- مطلب المرحلة العلمانية أولا وآخرا هي رفض أية سلطات تشريعية أو تنفيذية في الدين تتدخل بحياة الفرد. فالدين في العلمانية ينتهي عندما يخرج الفرد من المسجد أو من الكنيسة. ففي النظرة العلمانية. يجب أن يكون الحكم مبني على قانون قضائي وطني تضعه حكومة الدولة- وبالنسبة لي يشترط أن تكون حكومة دولة أي حكومة وطنية وليست مزروعة ومحمية من الخارج مثلما هو حاصل في الدول العربية- ولا يتدخل رئيس الدولة أو أجهزة القمع فيها بأشكالها الأمنية والكهنوتية، ويجب أن يكون القضاء مفصولاً عن الحكم بشكل حقيقي. وفى تعريف أخر للعلمانيه هو استخدام أساليب المنهج العلمى البحثى التجريبى القائم على العقل العلمى قي إداره جميع شئون الحياه بعيدا عن أى معتقدات دينية لاهوتيه بأى شكل من الأشكال - حيث أن المعتقدات الدينية بطبيعتها تقسم البشر لأصناف بين أتباع مؤمنين ومخالفين غير مؤمنين فالعلمانية لا تنهى عن اتباع دين معين أو ملة معينة، بل تنادى فقط: بأن يتم فصل الدين عن السياسة والدولة، وبأن تكون الأديان هي معتنق شخصي بين الإنسان و "ربه"............................ة. "اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص، يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية، يجب ألا تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الاعتبارات، استبعاداً مقصوداً، فهي تعني مثلاً السياسة اللادينية البحتة في الحكومة". "وهي نظام اجتماعي في الأخلاق، مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي، دون النظر إلى الدين". على المستوي السياسي تطالب العلمانية بحرية الاعتقاد وتحرير المعتقدات الدينية من تدخل----- الحكومات والأنظمة-----، وذلك بفصل الدولة عن أية معتقدات دينية أو غيبية، وحصر دور الدولة في-- الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية واداء دور الدولة في ادارة شؤون البلاد باتفاق وتوافق المجموع--- العلمانية هي عموما التأكيد على أن ممارسات معينة أو مؤسسات الدولة ينبغي أن توجد بمعزل عن الدين أو المعتقد الديني. وكبديل لذلك، مبدأ العلمانية تعزيز الأفكار أو القيم إما في أماكن عامة أو خاصة. كما قد يكون مرادفاً لل"الحركة العلمانية". في الحالات القصوى من ايديولوجيا العلمانية تذهب إلى أن الدين ليس له مكان في الحياة العامة. في أحد معانيها، العلمانية قد تؤكد حرية الدين، والتحرر من فرض الحكومة الدين على الناس، أن تتخذ الدولة موقفاً محايداً فيما يخص مسائل العقيدة، ولا تعطي الدولة امتيازات أو إعانات إلى الأديان. بمعنى آخر، تشير العلمانية إلى الاعتقاد بأن الانشطة البشرية والقرارات، ولا سيما السياسية منها، ينبغي أن تستند إلى الأدلة والحقيقة بدلاً من التأثير الديني.[4] العلمانية هي أيديولوجيا----- تشجع المدنية والمواطنة وترفض الدين كمرجع رئيسي للحياة السياسية------ يجب أن تكون مرتكزة على ما هو مادي ملموس وليس على ما هو غيبي، وترى أنّ الأمور الحياتية يجب أن تتحرر من النفوذ الديني.......ة

علِّق

مقالات الكاتب