Your rating: لا يوجد (4 votes)
عدد القراءات: 18929

العلاقة بين الإرهاب والهجرة

الكاتب الأصلي: 
Alex P. Schmid
تاريخ النشر: 
10 آذار (مارس), 2017
اللغة الأصلية: 

 

يحاول هذا البحث استكشاف العلاقة بين الإرهاب من جهة والهجرة (القسرية وغير شرعية ) من جهة أخرى. تركز هذه الورقة البحثية على محاولة فهم دور الإرهاب الذي تمارسه الجماعات المسلحة وإرهاب الدولة في التسبب في موجات الهجرة واللجوء كما تحاول أن تجيب على سؤال هل يمكن لمخيمات اللجوء ومجتمعات الشتات أن تصبح هدفاً للتطرف. وكيف ذلك. كان أحد النتائج التي توصلت إليها هذه الورقة أن إجراءات الحد من الهجرة التي وضعت من أجل السيطرة على الإرهاب والتي تستخدم على نطاق واسع قد تضر المهاجرين الحقيقيين والمقيمين النظاميين أكثر مما تفعله تجاه المهاجرين أصحاب النوايا السيئة (الإرهابيين). أخيراً هذه ورقة بحثية تقدم التوصيات التي من الممكن أن تفتح طريقاً تجاه فهم وتحليل قضايا اللاجئين والهجرة والإرهاب.

عن المؤلف

أليكس ب شميد (Alex P. Schmid) : الدكتور أليكس شميد زميل باحث في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب (ICCT) في لاهاي ومدير مبادرة فيينا لأبحاث الإرهاب (TRI). كان محرراً مساعداً في مجلة الإرهاب والعنف السياسي وهو حالياً رئيس التحرير لمجلة وجهات نظر حول الإرهاب. كان البروفسور شميد لديه أيضاً مقعد في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا حتى عام 2009 وأيضاً مدير مركز دراسات الإرهاب والعنف السياسي (CSTPV). شغل منصب الموظف المسؤول عن مكافحة الإرهاب في فرع الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في الفترة بين 1999- 2005. نشر الدكتور شميد أكثر من 180 بحثاً وتقريراً باسمه بما في ذلك ما حاز به على جائزة الإرهاب السياسي أعوام 1984 . 1988 . 2005 . السيد أليكس شميد محرر وأحد المؤلفين لكتيب أبحاث الإرهاب المشهور (2011) وشارك أيضاً في تأليف "محكمة الإرهابيين" الكتاب الذي نشرته جامعة لايدن في لاهاي. وكأستاذ مساعد أشرف شميد على العديد من الأطروحات في كلية الشؤون الحكومية والعلاقات الدولية في جامعة لاهاي. عضو في الشبكة الأوروبية لنشر الوعي بالتطرف (RAN).

 

جوديث تينس - مساعدة الفهارس: الدكتورة جوديث تينس هي أخصائية المعلومات ومحرر مصادر المعلومات في مجلة وجهات نظر حول الإرهاب وأيضاً المجلة الإليكترونية لمبادرة فيينا لأبحاث الإرهاب والتي يرأسها الدكتور شميد  انظر(http://www.terrorismanalysts.com/)

 

المركز الدولي لمكافحة الإرهاب (ICCT): المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي هو مؤسسة مستقلة ومركز للتنظير وتقديم الآليات والحلول، يقدم مشوراته على مجالات عدة بشأن السياسات والتطبيقات العملية التي تتمحور حول دعم التطبيق الوقائي وسيادة القانون اللذين هما المحوران الأساسيان في مكافحة الإرهاب. يركز عمل ICCT على المواضيع التي تقع بين مكافحة التطرف العنيف وردود أفعال القطاع الجنائي كما يركز على حقوق الإنسان ذات الصلة بمكافحة الإرهاب. المواضيع الرئيسية التي يهتم بها المركز هي مكافحة التطرف العنيف، سيادة القانون، المقاتلون الأجانب، التحليل المحلي والإقليمي، إعادة التأهيل، إشراك مؤسسات المجتمع المدني وإيصال أصوات الضحايا. بعمله كنواة داخل الشبكة الدولية لمكافحة الإرهاب فإن مركز ICCT يربط بين الخبراء وصناع القرار وممثلي مؤسسات المجتمع المدني والمهتمين من مختلف المجالات من خلال توفيره لمنصة تؤمن تبادل الخبرات والتحليل العملي. ويبقى الهدف الأساسي هو خلق أساليب مبتكرة وشاملة تعمل على منع ومكافحة الإرهاب.

 

ملخص تنفيذي

تستكشف هذه الورقة البحثية وتتساءل عن بعض الروابط السببية المفترضة بين الإرهاب من جهة والهجرة القسرية وغير النظامية من جهة أخرى وهذه بعض النقاط التي تحاول الإجابة عنها.

  1. إرهاب الدولة سبب رئيسي من أسباب الهجرة

  2. فشل الدولة سبب من أسباب الإرهاب والهجرة.

  3. الإرهاب (بيد المنظمات وليس الدولة) سبب من أسباب الهجرة.

  4. الحرب (الأهلية) سبب رئيسي من أسباب الهجرة.

  5. مخيمات اللاجئين وأراضي الشتات كسبب و(هدف) للإرهاب.

  6. المهاجرون إرهابيون أم الإرهابيون مهاجرون؟

  7. عمليات مكافحة الإرهاب كسبب من أسباب الهجرة.

 

هناك عشرون نتيجة مستخلصة من هذه الدراسة:

  1. لطالما كانت دراسات الإرهاب ودراسات الهجرة في حقلين منفصلين. وبينما يوجد الكثير من الكتابات حول كلًّ من الإرهاب والهجرة إلا أنه لا توجد دراسات متعمقة على تقاطع هاتين الظاهرتين.

  2. الهجرة الدولية لا تكون مدفوعة فقط بالعنف السياسي والصراع المسلح وقمع الدولة ولكن أيضاً وبنفس القدر بعوامل اقتصادية وبيئية. من المرجح على مدار السنوات القادمة أن يزداد هذا النوع الأخير من الهجرة بسبب تغير المناخ وفقدان فرص العمل بسبب العولمة.

  3. هناك علاقة سببية متعددة بين الهجرة (القسرية وغير النظامية) والإرهاب ولكنها علاقة معقدة عموماً.

  4. في حين أنه وفي حالات محددة يكون من الصعب عزل العوامل المباشرة للهجرة فإن العامل الرئيسي في الهجرة (القسرية وغير النظامية) هو عمليات شديدة من القمع تنطوي على شن هجمات ضد المدنيين - في حالة الحرب الأهلية - ترقى إلى مستوى جرائم حرب أو عمليات إرهابية زمن الحرب.

  5. الإرهاب من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية هو أيضاً عامل أساسي في الهجرة القسرية، تكون عمليات الترحيل هذه أحياناً سياسة متعمدة وأحياناً غير مقصودة وتحصل بسبب ممارسات المتمردين الإرهابية.

  6. لوحظ أنه كلما زاد عدد العمليات الإرهابية وكلما زاد عدد قتلاها، كلما زاد بالمقابل عدد المهاجرين القسريين من تلك الدولة المعنية.

  7. تظهر بيانات جمعت من كل من أفغانستان والعراق وسوريا و(باكستان أقل إلى حد ما) أن عدد طالبي اللجوء لأول مرة في أوروبا يتناسب مع عدد قتلى الهجمات الإرهابية في تلك البلدان.

  8. داعش تعتبر أن الهجرة (الهجرة مع إسقاط شرعي) إلى بلد الخلافة هي واجب على كل مسلم. وينظر الخليفة لهؤلاء الذين يتركون أرض الخلافة إلى مناطق أخرى على أنهم كفار. هناك بعض المؤشرات على أن داعش تحاول فرض ضرائب على عمليات الهجرة هذه بالتعاون مع تجار البشر واستخدام موجات الهجرة هذه كطريق تسلل للمقاتلين الأجانب للعودة إلى أوروبا.

  9. استهدف نظام الأسد المدنيين عمداً كأداة لحرمان المسلحين من بيئة حاضنة. سبب النظام موجات نزوح داخلية وخارجية أكثر مما سببت داعش.

  10. النسبة الأكبر من اللاجئين في العالم 86% وفق إحدى الإحصاءات توجد في دول العالم النامية. تستخدم مخيمات اللاجئين في بعض الأحيان من قبل المتطرفين للتجنيد وكقواعد أيضاً لشن الهجمات. كان هذا صحيحاً بشأن الإرهاب الفلسطيني وكذلك بعض الهجمات التي انطلقت من مخيمات للاجئين في باكستان.

  11. مخيمات اللاجئين في الدول المتقدمة وكذلك في أوروبا كانت هدفاً لهجمات إرهابية. هجمات الإحراق المتعمد لمراكز اللجوء في كل من ألمانيا والسويد ترسل رسائل واضحة وليس هناك من مبرر لعدم تسميتها أعمالاً إرهابية.

  12. يمكن أن تصبح أراضي الشتات التي يلجأ إليها الناس من البلدان التي تشهد عمليات قمع وحرب أهلية وإرهاباً مكاناً لحياكة المؤامرات وتدبير العمليات الإرهابية. في تسعينيات القرن الماضي أصبحت لندن مركزاً أساسياً للجهاديين مما دعا أحد المسؤولين الأمنيين الفرنسيين إلى تسميتها (لندنستان) في إشارة منه إلى التآمر الإرهابي الذي يجري على أراضيها. في الآونة الأخيرة أصبحت مولينبيك في بلجيكا تقوم بمثل هذا الدور.

  13. بعض أبناء المهاجرين إلى الدول الغربية لا يندمجون في المجتمعات المضيفة بشكل كامل ويعلقون بين ثقافتين يجدون في الجهاديين قدوة لهم في أثناء بحثهم عن هويتهم حتى أن الآلاف منهم هاجروا إلى سوريا ليكونوا من المقاتلين الأجانب.

  14. يمكن أن يكون المهاجرون إرهابيين، ويمكن أن يكون الإرهابيون مهاجرين بعدة حالات:

  15. الهجرة إلى أرض الخلافة فرض على كل مسلم بهذه العبارة اجتذبت داعش الكثير من الشباب المسلمين إليها من دول الشتات الغربية.

  16. ينتقل بعض الجهاديين الذين لا يستطيعون العودة إلى بلدانهم الأصلية دون التعرض للاعتقال من وجهة إلى أخرى للجهاد (أفغانستان - البوسنة - الشيشان - الصومال - سوريا - ليبيا)

  17. يختطف الإرهابيون بعض المهاجرين لأسباب اقتصادية ويجبرونهم على الانضمام إليهم سواء كانوا رجالاً أو حتى نساءً وأطفالاً على سبيل المثال جماعة بوكو حرام في نيجيريا.

  18. شارك بعض المقاتلين الأجانب بأعمال إرهابية بما في ذلك العمليات الانتحارية وبعدها عاد بعضهم إلى بلدانهم الأصلية مع موجات الهجرة كجزء من اللاجئين.

  19. رفع وصول أعداد كبيرة من اللاجئين الذين لم يكن التعامل معهم صحيحاً من خطر الهجمات الإرهابية في البلد المستقبل سواء تلك المحلية أو العابرة للحدود.

  20. تاريخياً عدد المجرمين والإرهابيين في موجات الهجرة الجماعية منخفض ولكن الإرهابيين في الغالب يكون لديهم خلفية يبدؤون منها.

  21. ليس الإرهاب فقط هو من يمكنه أن يسبب موجات من اللجوء والنزوح الداخلي ولكن عمليات مكافحة الإرهاب هي الأخرى يمكنها أن تسبب نزوح الكثير من الناس.

  22. تستخدم عمليات الحد من الهجرة كأداة أساسية للحد من الإرهاب ولكنها تضر المهاجرين بنية حسنة أكثر مما تفعل بالمتسللين لغرض أعمال إرهابية. وتعزز أيضاً مشاعر الكراهية للأجانب وتحرم الدول المضيفة التي تطبق هذه السياسة من العديد من المساهمات الإيجابية التي يمكن أن يقدمها بعض أنواع المهاجرين. هناك خطر إضافي في استعمال أدوات الحد من الهجرة حيث يمكن أن تستخدم أيضاً لمراقبة المواطنين.

  23. استخدمت قضايا الهجرة واللجوء كأدوات بيد الحكومات إلا أن الفرضية القائلة أن موجات الهجرة الحالية إلى أوروبا هي مؤامرة روسية لزعزعة استقرار أوروبا فرضية مستبعدة وغير معتمدة ولا تثبتها الأدلة التجريبية.

  24. إن حقل التفاعل بين الهجرة والإرهاب حقل غني للبحث ويستحق كل الاهتمام حيث يمكن حينئذ الفصل بين المخاوف الحقيقية وتلك التي لا أساس لها، بذلك يمكن بناء سياساتنا على أرض صلبة من البحوث والمعرفة. استكشفت هذه الدراسة بعض السبل وفتحت الآفاق لمزيد من الدراسات في هذا المجال ولكن لا يمكنها تقديم إجابات نهائية.

خلصت ورقة البحث إلى اثنين من التوصيات المتعلقة بالسياسة العامة التي يمكنها إلى حد ما التعامل مع قضايا اللاجئين والهجرة والإرهاب. الأول يشير إلى التزام المهاجرين باحترام الثقافة الأوروبية والقيم السياسية الأوروبية والثانية تشير إلى التزام المهاجرين بإبلاغ السلطات بالقضايا الأمنية المتعلقة بالإرهاب والتطرف.

"هرب الملايين من الناس من تلك المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية المتطرفة العنيفة. تزايدت موجات الهجرة من تلك المناطق وإليها على حد سواء فغادرها أولئك الباحثون عن السلام وجاء إليها المنجذبون إلى مناطق الصراع كمقاتلين أجانب، مما زاد من زعزعة استقرار تلك المناطق"

تقرير الأمم المتحدة 24-12-2015

 

1.مقدمة

يطلق على عصرنا مع قليل من المبالغة لقب عصر الإرهاب، لكن ومع اقتراب أكثر من الواقع يمكننا تسميته عصر الهجرة. عادةً ما نميل للتفكير بالهجرة على أنها بعض الأشخاص الذين يعبرون الحدود ولكننا إذا ما ألقينا نظرة إلى الهجرة داخل الدولة ذاتها سنلاحظ مدى التنقل الهائل للإنسان المعاصر من هجرة حرة وقسرية، منتظمة وغير منتظمة. بواقع شخص واحد من كل سبعة أشخاص أي ما يقارب المليار إنسان يعد وفق هذا المعنى الموسع مهاجراً: 740 مليون منهم مهاجرون داخليون 215 مليون مهاجرون خارجيون دون احتساب أعداد السياح. يكون هؤلاء المسافرون مدفوعين بعوامل اقتصادية وبيئية وسياسية وعوامل جذب وطرد أخرى. ستزداد أعدادهم في السنوات المقبلة على الأغلب بسبب عوامل مثل تناقص الغلة الزراعية نتيجة تغير المناخ وارتفاع منسوب البحر والاضطراب السياسي وانعدام الأمن.

ينصبّ اهتمامنا الرئيسي في هذه الورقة على الهجرة القسرية "اللجوء". حيث تنمو ظاهرة اللجوء بشكل ملاحظ ففي ثلاث سنوات فقط ارتفع النزوح في جميع أنحاء العالم، فتَرْكُ الناسِ لمنازلهم ازداد بنسبة 40% من 42.5 مليون إلى 59.5 مليون. مازال معظم هؤلاء النازحين يعيشون حياة غير مستقرة وخصوصاً نسبة 86% منهم تلك التي تعيش في البلدان النامية. احتمالية ازدياد أعداد المهاجرين مرتفعة خصوصاً مع وجود 1.6 مليار إنسان أي ما يقارب خمس سكان العالم مهددون بأشكال مختلفة من عدم الاستقرار والأمان وذلك وفقاً لتقديرات البنك الدولي

 

ما هي الأسباب الرئيسية للهجرة القسرية؟ أهي الحرب الأهلية؟ قمع الدولة؟ فشل الدولة؟ أم هناك أسباب أخرى؟ كم من أولئك الستين مليون لاجئ ونازح فقدوا منازلهم بسبب الإرهاب؟ هل الدول التي تعاني من أكثر من غيرها من الإرهاب هي ذاتها التي تنتج موجات اللجوء؟ هل الدول التي تستقبل الأعداد الأكبر من اللاجئين هي التي تكون الأكثر عرضة للتعرض للهجمات الإرهابية؟ هذه بعض الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها في الصفحات القادمة.

وصل إلى دول الاتحاد الأوروبي في العام 2015 ما يقارب 1.9 مليون طلب للجوء حوالي نصف مليون من هؤلاء من السوريين ونصف مليون آخر هم من دول أفغانستان والعراق وباكستان ونيجيريا. أسماء هذه البلدان ترتبط بالإرهاب. ولكن هناك تفسير أكثر شؤماً فالبعض يجادل أن موجات اللاجئين في هذه الأيام والتي تتألف بمعظمها من شباب مسلمين ستكون بمثابة "حصان طروادة" الذي سيكون أداة رئيسية في غزو يشنه المسلمون على بلاد الغرب. هذه النظريات لا تصدر فقط عن المتطرفين اليمينيين بل حتى عن أحد قواد حلف الناتو الجنرال فيليب برييدلوف الذي صرح مؤخراً بأن روسيا تستخدم موجات اللجوء تلك لزعزعة استقرار أوروبا.

حقيقة واحدة مؤكدة هي أن كلاً من الهجرة والإرهاب محركان رئيسيان للصراع الدولي. ومع ذلك وكما لاحظ يلماز شيمشك أن "الكتابات التي تناولت موضوع الهجرة وربطه بالإرهاب نادرة". ونظراً لندرة البيانات فستأخذ هذه الدراسة منحىً اسكتشافياً فقط.

في الصفحات التالية نستعرض ظاهرة الهجرة في سياقها ثم نمر جزئياً على ظاهرة الإرهاب. لاحقاً نستعرض الصلات بين هاتين الظاهرتين وندرس العوامل المسببة لكل منهما.

 

2. ضغوطات هجرة اللاجئين.

في بداية عام 2015 هددت داعش أنها ستغرق أوروبا بأكثر من نصف مليون لاجئ من ليبيا. وادعت أنها سترسل 4000 جهادي إلى أوروبا عبر تركيا. بحلول كانون الأول من عام 2015 كان مليونا لاجئ قد تدفقوا عبر تركيا وليبيا إلى أوروبا من سوريا والعراق ودول أخرى تعاني من صراعات مسلحة ومشاكل أخرى بزيادة ملحوظة عن السنتين السابقتين حيث تقدم 435000 لاجئ بطلباتهم عام 2013 ثم 626000 طلب عام 2014  استمرت أمواج اللاجئين بالتدفق في الأسابيع العشرة الأولى من عام 2016 حيث عبر 150000 شخص البحر الأبيض المتوسط 140000 من تركيا إلى اليونان و 10000 من ليبيا إلى إيطاليا. حتى وصل الأمر نظراً إلى استمرار الأزمة في الشرق الأوسط أن تكون التوقعات بحسب يهودا باور " على المرء أن يواجه حقيقة هجرة جماعية لخمسة ملايين إنسان إلى أوروبا في السنين الخمس القادمة". وفي تقرير داخلي للحكومة الألمانية تضع فيه "تقديرات عملية" ذكر فيه أنه بحلول عام 2020 فإن 3.6 مليون إنسان سيصلون إلى ألمانيا وحدها. فإذا كان عدد يزيد قليلاً عن مليون لاجئ وضعوا منطقة الشينغن بمن فيها من 420 مليون إنسان في أزمة حقيقة ما الذي سيحصل لتماسك الاتحاد الأوروبي مع وصول 5 ملايين؟ ونظراً للأزمات المتعددة في أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط لا بد أن يرتفع ضغط الهجرة على بلدان الاتحاد الأوروبي.

في واقع الأمر انهار نظام شينغن لمراقبة الحدود في العام 2015 عندما لم تعد كل من اليونان وبدرجة أقل إيطاليا قادرة على الحفاظ على نظام الفحص للقادمين من تركيا وليبيا ما سمح لمئات الآلاف من الناس من طالبي لجوء ومهاجرين لأسباب اقتصادية وآخرين بعبور الحدود نحو النمسا وألمانيا والسويد تلك الدول التي كانت المستقبل الأكبر لطالبي اللجوء نسبة إلى عدد السكان. لم تكن هويات المهاجرين ودوافعهم الحقيقية واضحة في كثير من الأحيان. في إحدى اللحظات من عام 2015 لم يكن هناك بين المهاجرين سوى 25 إلى 30% فقط يحملون جوازات سفر أو وثائق سفر صالحة. تمكنت السلطات الألمانية من تسجيل بصماتٍ لـ 10% فقط من هؤلاء المهاجرين مما يسمح للشرطة بالتحقيق من هوياتهم في قواعد بيانات نظام الشينغن وغيره. في كثير من الأحيان كانت جوازات السفر السورية مزورة أو مسروقة ووفقاً لأحد المصادر فإن داعش وضعت يدها على 250000 جواز سفر عراقي فارغ مع الأدوات اللازمة لصنع جوازات فردية منها.

جعلت حالة عدم الاستقرار التي سادت شمال أفريقيا في أعقاب الربيع العربي مئات الآلاف من الناس يحاولون الفرار إلى أوروبا. كان مثل هذا النمط ملاحظاً حتى قبل الربيع العربي مع عواقب وخيمة تصيب العديد من هؤلاء المهاجرين. وفقاً لمنظمة مناهضة العنصرية المتحدة فإن 15551 شخصاً لقوا مصرعهم منذ عام 1988 حتى أبريل عام 2011 في محاولتهم للوصول إلى أوروبا إما بالموت في الصحراء أو في أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط. آلاف آخرون لقوا ذات المصير منذ ذلك الوقت. لكن ما يزيد على مليون شخص من المحظوظين تمكنوا من العبور والوصول إلى ما كان البعض يسميها - مخطئاً كما تبين لاحقاً - قلعة أوروبا. بمجرد الوصول إلى هناك فالقليل من طالبي اللجوء والمهاجرين الاقتصاديين أُعيدوا إلى بلدانهم الأصلية بعد أن رفضت طلبات لجوئهم. العديد ممن وصلوا إلى أوروبا ليسوا من النساء والأطفال الضعاف بل هم رجال أقوياء دفعوا الآلاف للمهربين من أجل إيصالهم إلى أوروبا تاركين وراءهم عائلاتهم التي ربما تكون أكثر حاجةً منهم إلى الحماية والأمان. يجادل باول كولير الخبير باقتصاديات الهجرة بأن أوروبا تقبل النوع الخطأ من الناس. فالكثيرون ممن تقبلهم هم باحثون عن حياة أفضل استثمروا ما يصل إلى 6000 يورو بدفعها إلى المهربين لإيصالهم إلى أوروبا. فالذين لا يملكون هذا القدر من المال هم الأكثر حاجة إلى الحماية. نشر تدفق البشر بغير سيطرة من شمال أفريقيا والشرق الأوسط ومناطق بعيدة مثل أفغانستان أيضاً التوجس وموجات ذعرٍ ووصل البعض إلى مقارنة الوضع الحالي بما كان عليه الحال في القرن الخامس "الغزوات البربرية" (تسمى أيضاً هجرة الأمم) حيث تحركات واسعة لمجموعات كبيرة من القوط والفاندال وغيرهم من الشعوب البربرية التي اندفعت غرباً وشعوب الهون المنغولية التي اندفعت جنوباً منذ العام 375 ميلادية. هذا أدى في النهاية إلى هجمات متكررة على روما من القوط والفاندال ثم السقوط النهائي للإمبراطورية الرومانية الغربية بحلول 476 ميلادية. علت أصوات الزعماء الشعبويين مذكرين المواطنين في أوروبا بأن الإسلام تقدم باتجاه أوروبا ثلاث مرات بين القرن الثامن والقرن السابع عشر وأن الإسلام يحاول أن يفعل ذلك مرة أخرى ولكن بوسائل جديدة غير الحملات العسكرية. رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان على سبيل المثال كان يتحدث إلى البرلمان يوم 21-9-2015 ولبس وقتها عباءة المدافع عن قيم الحضارة المسيحية الأوروبية وذكر جمهوره "إن التزام المجر التاريخي والأخلاقي يحتم عليها حماية حدودها وبالتالي حماية حدود أوروبا". هجرت الحرب في سوريا داخلياً وخارجياً 12 مليون شخص ما يشكل نصف تعداد السكان بينما أخرجت الحرب في العراق أربعة ملايين عراقي خارج بلدهم ما يشكل 10% من تعداد السكان. في حين أن سبعة ملايين سوري هجروا داخلياً (أي انتقلوا من منطقة خطرة إلى منطقة أكثر أماناً داخل حدود الدولة) ينتظر ما يقارب أربعة ملايين سوري آخر مستقبلاً أفضل ولكنهم في مخيمات اللجوء وأكثرهم في تركيا 2620553 لاجئاً ولبنان 1069111 لاجئاً والعراق 245533 لاجئاً والأردن 637859 لاجئاً ومصر 118512 لاجئاً. هذا الحجم الهائل للنزوح في هذه المنطقة من العالم غير مسبوق منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حين هرب أكثر من 11 مليون ألماني من قوات الاتحاد السوفييتي بقيادة ستالين التي كانت تجتاح شرق أوروبا. مع ذلك فإن عمليات النزوح الجماعية لأكثر من مليون شخص كانت حدثاً عادياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ففي عام 1994 خلفت الحرب البوسنية ما يقارب 1.5 مليون لاجئ ثم الحرب في كوسوفو عام 1998-1999 جعلت أكثر من 900 ألف شخص يهربون طلباً للأمان. أكثر من مليون شخص أصبحوا لاجئين في بنغلاديش عندما انفصلت عن باكستان في السبعينيات من القرن الماضي. أكثر من مليون شخص هربوا من أثيوبيا في عام 1979 ومن أفغانستان عام 1980 ومن الموزمبيق عام 1989 ومن العراق (الأكراد بالأخص) عام 1990. حرب فيتنام خلفت أيضاً ما يقارب من مليوني لاجئ وكذلك الحرب في السيلفادور وغواتيمالا أيضاً خلفت كلّ منهما ما يقارب المليون لاجئ. انفصال الهند وباكستان 1947-1948 تجاوز كل هذه الأرقام فقد هجر أكثر من 15 مليون شخص بينما قتل أكثر من مليون إنسان. خلفت النزاعات في الآونة الأخيرة في الصومال وأفغانستان وسوريا أيضاً أكثر من مليون لاجئ. انظر الشكل 1

 

الشكل رقم 1 : عشر دول بأعداد كبيرة من اللاجئين (منتصف 2015)



أفغانستان

2632534

سوريا

4194554

الصومال

1105618

جنوب السودان

744102

السودان

640919

الكونغو الديمقراطية

535323

جمهورية أفريقيا الوسطى

470568

ماينمار

458381

إريتريا

383869

العراق

377747

المصدر: الأمم المتحدة. تقرير منتصف العام. جنيف: الأمم المتحدة, 2015, pp.4-6 والجدول السنوي 1, pp. 21-24 - http://www.unhcr.org/56701b969.html.

مالم يذكر هنا هو القضية الفلسطينية حيث في الأساس ما يصل إلى 700 ألف إنسان أصبحوا لاجئين في عام 1948-1948, حالياً يوجد ما يقارب خمسة ملايين منهم يعيشون خارج الحدود. حيث لأسباب سياسية لم يحصل اللاجئون من الجيل الثاني والثالث من الفلسطينيين في دول الجوار العربي على الجنسية هناك ولم يصبحوا مواطنين.

 

3. زيادة ضغط الإرهاب

في وقت هجمات الحادي عشر من أيلول على مركز التجارة العالمي والبنتاغون كان لدى تنظيم القاعدة 300 من المجاهدين في أفغانستان بدعم من نظام طالبان. خمسة عشر عاماً من الحرب على الإرهاب زادت الوضع سوءاً بدل أن تحسنه. أحد فروع القاعدة الأكثر نجاحاً المسماة (الدولة الإسلامية) داعش لوحدها جنّدت عشرات الآلاف من المجاهدين مع أكثر من 30000 مقاتل أجنبي من أكثر من مئة جنسية حول العالم انضموا لداعش للقتال في سوريا. عندما وقعت هجمات الحادي عشر من أيلول كانت القاعدة تسيطر على بضع مخيمات للتدريب في أفغانستان أما الآن فتسيطر داعش على مساحة بحجم بلجيكا بعدد سكان من 6 إلى 8 مليون إنسان وتزعم أن لديها أيضاً ولايات أخرى في نصف دزينة من الدول من نيجيريا إلى أفغانستان إلى الفليبين. في عام 2014 وفقاً لإحصائيات نشرت من قبل START فقد وقع أكثر من 16800 هجوم إرهابي مخلفين ما يزيد على 43500 قتيل و 40900 جريح بينما أكثر من 11800 شخص أُخذوا رهائن. بالمجمل ففي الخمسة عشر عاماً الأخيرة 140000 شخص قتلوا في 61000 هجوم إرهابي.

عام 2014 تحديداً كان عاماً سيئاً: الأعمال الإرهابية حول العالم أدت إلى وفيات تزيد بنسبة 80% عن العام الذي سبقه. أكثر من نصف هذا العدد كان بيد داعش ووكلائها في الخارج. معظم أحداث القتل في السنوات الأخيرة تتركز في أربع دول ذات أغلبية مسلمة وهي أفغانستان والعراق وسوريا وباكستان ودولةٌ أخرى يشكل المسلمون نصف تعداد سكانها وهي نيجيريا. العدد الأكبر من ضحايا الإرهاب يتركز في نيجيريا حيث قتلت جماعة بوكو حرام ما يقارب 20000 شخص في ولاية بورنو في السنوات السبع الأخيرة. 70% أو يزيد من ضحايا الإرهاب سقطوا في هذه الدول الخمس (كانت البيانات عن الدولة الأخيرة متوفرة بشكل كامل). أكثر من 500 شخص كانوا ضحايا الإرهاب في كلٍّ من الصومال واليمن وجمهورية أفريقيا الوسطى وثلاث دول بدون أغلبية مسلمة هي الكاميرون وجنوب السودان وأوكرانيا. في المجموع وقعت هجمات إرهابية في 93 دولة في العام 2014. وفي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقود الحرب على الإرهاب فإن دول الغرب الديمقراطية بمن فيها دول أمريكا الشمالية واستراليا وغرب أوروبا نفسها لم تعانِ - باستثناء هجمات الحادي عشر من أيلول - سوى من 0.5% من مجموع ضحايا الإرهاب في الخمسة عشر سنة الأخيرة. معظم الدول التي تعاني من الإرهاب هي دول ذات أغلبية مسلمة ومعظم الضحايا من المسلمين ومعظم الجناة أيضاً انظر الشكل رقم 2. على العموم استراتيجية الحرب على الإرهاب التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 أدت إلى مفعول عكسي في معظم مناطق الصراع حيث زادت من خطر التهديدات الإرهابية بدلاً من تخفيضها.

الشكل رقم 2: عشر دول سقط فيها العدد الأكبر من ضحايا الإرهاب (2014)

نسبة الوفيات في هذه الدولة إلى مجموع الضحايا عالمياً



العراق

30.4%

نيجيريا

23.0%

أفغانستان

13.8%

باكستان

5.4%

سوريا

5.2%

الصومال

2.5%

أوكرانيا

2.9%

اليمن

2.0%

جمهورية أفريقيا الوسطى

1.8%

جنوب السودان

1.7%

بقية أنحاء العالم

11.3%

ملاحظة :  100%(32685 ضحية)

Source: Data from START’s GTD, University of Maryland, as quoted in Institute for Economics & Peace. Global Terrorism Index 2015. Measuring and Understanding the Impact of Terrorism Sidney: IEP, 2015, p. 16, www.visionofhumanity.org 

 

4. ما هي علاقة الهجرة بالإرهاب؟

في الآونة الأخيرة كان هناك كلام فضفاض في النقاشات العامة يتحدث عن إرهابيين يختبئون في موجات اللجوء. هذا الأمر جعل العديد من الناس قلقين بشأن منح طالبي اللجوء المساعدة المستحقة لهم من الدول التي وقعت وأبرمت ميثاق عام 1951 وبروتوكول الأمم المتحدة لعام 1967 المتعلق باللاجئين.

إن العلاقة بين الإرهاب والأنواع المتعددة من الهجرة علاقة معقدة جداً. تقول إحدى وجهات النظر إن هذه العلاقة تقع تحت المفهوم الموسع للعولمة. ناقش جمال الجسار هذه العلاقة تحديداً تحت مسمى بلاغي هو هجرة الأحلام وهجرة الكوابيس. يرى هذه الهجرات على أنها "دمج للمفاهيم بين الإرهاب والعولمة". يقول من وجهة نظر فلسطينية:

ساهمت العولمة في بناء أحلام في أذهان أولئك الفقراء أو المظلومين. أحلام توسع الفجوة بين التوقعات والانجازات. فجوة بدورها تساهم في العنف الذي ينتقل إلى دول الأغنياء والأقوياء. هذه هي دورة الأحلام والكوابيس التي تشكل عالمنا المعاصر المعولم. أدت عولمة الصراعات العنيفة إلى مستويات غير مسبوقة من المعاناة الإنسانية. وصار الإرهاب يشكل عنصراً ضرورياً في مثل هذه الصراعات. وفي حين أن هجرة الأحلام تنبع من عولمة الثقافة والتكنولوجيا فإن وجهاً آخر يسمى هجرة الكوابيس هو نتاج مباشر لعنف عالمي وإرهابي عالمي. وكما يذكر التاريخ كان إرهاب الإمبراطوريات والقوى الإقليمية المحرك الرئيس لهذه الظاهرة. القوي يضطهد الضعيف ويخلق الكوابيس في حياة من لا حيلة له عند ذلك يحمل الضعيف والمظلوم معاناته إلى قلب بلاد مضطهديه جالباً كوابيس لمن يعيش فيها.

في الوقت الذي يمكن الرد فيه على هذه الافتراضات من عدة جوانب (مثلاً: الفقر ليس سبباً للإرهاب ومستوى المعاناة الإنسانية الحالية لا يوصف بأنه غير مسبوق) فما يجدر ملاحظته هو أن بعض الناس وخصوصاً في البلدان النامية يصدقون هذا الكلام ما يجعل له تأثيره الخاص على الواقع مثل كل نظريات المؤامرة الأخرى.

في الصفحات التالية سيجد القراء أنفسهم أمام استعراض لبعض العلاقات المفترضة بين الإرهاب والهجرة من مثل متى يكون الإرهاب سبباً للهجرة أو متى تكون الهجرة سبباً للإرهاب أو مثلاً عندما تكون ظاهرتا الإرهاب والهجرة نتيجة لعامل ثالث هو الحرب مثلاً. قبل أن نكمل نرى أنه من الضروري تعريف المكونان الأساسيان للبحث وهما الهجرة والإرهاب انظر الشكل 3.

 

الشكل 3: تعريف الإرهاب والهجرة

الهجرة: يشير المصطلح إلى انتقال داخلي أو خارجي لمجموعة من البشر من مكان ما إلى وجهة أخرى بعيدة في الغالب مع النية في البقاء والاستقرار في تلك الوجهة سواء لفترة قصيرة أو بصفة دائمة. هذه العملية قد تكون طوعية أو إجبارية قانونية أو غير قانونية في بلد واحد أو بعبور الحدود إلى بلد آخر. اللاجئون هم مجموعة جزئية من المهاجرين العابرين للحدود يطلبون اللجوء والحماية في دولة أخرى وفقاً لميثاق الأمم المتحدة لعام 1951
الإرهاب: يشير المصطلح إلى أداة سياسية استراتيجية تهدف إلى التلاعب النفسي حيث يقتل المدنيون العزل (وغير المقاتلين مثل السجناء) عمداً من أجل إقناع طرف ثالث (بالتخويف أو الإكراه أو التأثير على الحكومة أو التأثير على قطاع من المجتمع أو التأثير على الرأي العام) باستخدام وسائل لتصوير العنف وإيصاله للجمهور عن طريق الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي. الإرهاب غير الحكومي هو استراتيجية تهدف إلى الاستفزاز واستقطاب المجتمع وإشعال الصراع الداخلي بينما إرهاب الدولة أو النظام يخدم في الغالب أغراض القمع والسيطرة على المجتمع. يعتبر الإرهاب كوسيلة من وسائل الحرب النفسية تكتيكاً غير قانوني وغير نظامي في النزاعات المسلحة حيث يمكن أن يستخدمه أحد الجانبين أو كلاهما.

 

سنحاول في ما يلي دراسة العلاقة السببية بين الإرهاب والهجرة في النقاط التالية:

  1. إرهاب الدولة سبب رئيسي للهجرة؟

  2. فشل الدولة سبب رئيسي للإرهاب والهجرة؟

  3. إرهاب المنظمات وليس الدولة سبب للهجرة؟

  4. الحرب (الأهلية) سبب رئيسي للإرهاب والهجرة؟

  5. مخيمات اللاجئين والشتات سبب وهدف للإرهاب؟

  6. المهاجرون إرهابيون؟ أم الإرهابيون مهاجرون؟

  7. عمليات مكافحة الإرهاب سبب من أسباب الهجرة القسرية؟

قد تكون هناك أسباب أقل أو أكثر لظاهرة الإرهاب أو الهجرة (انظر الشكل 4) إلا أننا سنستعرض في بحثنا العوامل الأساسية التي يحتمل أن تكون سبباً لكل من الهجرة والإرهاب بشيء من التفصيل. هذا ما سنفعله في الصفحات القادمة. في الحقيقة سنطرح أيضاً سؤالاً حول عمليات السيطرة على الهجرة وتأثيرها على مكافحة الإرهاب.

 

الشكل 4 : عشرة أسباب تزيد من ضغوطات الهجرة في عالم ما بعد الحرب الباردة.

1- اختلال توازن الثروة العالمي حيث يمتلك 1% من تعداد السكان العالمي ثروة تضاهي ما يمتلك بقية السكان حول العالم.
2- الانفجار السكاني مترافقاً مع الركود الاقتصادي في العديد من الدول حيث يزداد التعداد السكاني أكثر مما ينمو الاقتصاد خصوصاً في مناطق من أفريقيا والشرق الأوسط.
3- حجم البطالة العالمية الكبير (وصل الرقم حالياً إلى 200000000 مليون عاطل عن العمل حسب تقديرات منظمة العمل العالمية) بالإضافة إلى العدد الكبير من البطالة المقنعة والعمال الفقراء.
4- عوامل تدمير البيئة (السيول، التصحر، إزالة الغابات، ونقص الماء) على نطاق واسع، مما أدى إلى صراع على الموارد في البلدان الأصلية للمهاجرين.
5- تغير التكتيك الرئيس للحرب ما جعل المدنيين هم الهدف الرئيسي وخلق موجات نزوح داخلي وهجرة خارجية.
6- عودة ظهور التعصب القومي والديني مما يؤدي إلى عمليات تطهير عرقي وديني.
7- ثورة في وسائل النقل مما يتيح الهجرة لمسافات طويلة.
8- العائد الكبير لعمليات التهريب والاتجار بالبشر وتزوير الوثائق بيد عصابات الجريمة المنظمة وتأمين السفر والدخول وتأمين فرص عمل استغلالية لأولئك الذين لديهم الرغبة والقدرة على الدفع.
9- وجود الجاليات العرقية في المدن العالمية الكبيرة مما شكل جسوراً للتواصل تسهل عمليات الهجرة القانونية (مثل لم الشمل) والهجرة غير الشرعية (تهريب البشر وتأمين فرص عمل غير قانونية للأجانب)
10- القنوات الفضائية المنتشرة في جميع أنحاء العالم والتي تنقل صورة الثراء والرفاهية إلى الدول الفقيرة خلقت لدى الشباب هناك الرغبة في الهجرة إلى شواطئ الأمان والثروة الواعدة

Source: Adapted from A.P. Schmid (Ed.). Whither Refugee? The Refugee Crisis: Problems and Solutions(Leiden: PIOOM, 1996), p. 4; updated with data from Oxfam: “Oxfam says wealth of richest1% equal to other 99%”, BBC News, 18 January 2016, http://www.bbc.com/news/business 35339475.

 

تأخذ العوامل في الشكل 4 ذات الأرقام 7-8-9-10 أهمية خاصة في نقاشنا. مع ذلك يبقى العامل الأهم برأينا هو الرقم 5 مع ما فيه من تجاهل لقوانين الحرب وفق ميثاق الأمم المتحدة. أما ما لم يذكر في القائمة فهو إرهاب الدولة أو النظام. يتركز النقاش للإرهاب المعاصر بشكل رئيسي على جهات ومنظمات غير حكومية على أنها سبب رئيسي للإرهاب. ولكن في الواقع فإن العديد من الأنظمة الاستبدادية بدورها استخدمت ولا تزال تستخدم أدوات الإرهاب على الرغم من امتلاكها قدرة أكبر على السيطرة الاجتماعية والتخويف واستعراض القوة. بالرغم من ذلك ركزت نظرية الإرهاب بشكل أساسي على العمليات الإرهابية التي تقوم بها جهات غير حكومية انظر الشكل 5.

 

الشكل 5: عشرة أسباب وأهداف لإرهاب الجماعات المسلحة غير الحكومية كما يرد في الأدبيات الأكاديمية.

1- إيقاظ الروح الثورية (المزعومة) للجماهير.
2- تأمين الوصول إلى النظام الإخباري العالمي حيث أخبار العنف تتصدر العناوين.
3- الانتقام من الظلم الحقيقي أو المفترض الذي عانى منه الفريق الذي تنتمي إليه المجموعة الإرهابية.
4- المقاومة ضد الأنظمة الاستبدادية القمعية حيث يبدو الانتقال السياسي بوسائل أخرى غير العنف مستحيلاً.
5- الاحتجاج ضد السياسات الخارجية من تدخل واحتلال ودعم لديكتاتور محلي.
6- استغلال القمع الموجه ضد شريحة اجتماعية معينة لتجنيد المتطوعين منها.
7- العزل والتهميش والإذلال.
8- ردود فعل على قمع الأقليات أو الأكثرية في موقف الأقلية.
9- إجراء حرب بالوكالة وإنكارها ضد العدو.
10- التأثير على سلوك المجموعة المستهدفة لا الضحايا أنفسهم بشكل يجعل من سلوكها مواتياً لرغبة المنظمة الإرهابية.

Source: Adapted from BMcAllister & A. P. Schmid,“Theories ofTerrorism”. In: AP. Schmid (Ed.).The Routledge Handbook of Terrorism Research(New York and London, 2011), pp. 201-293.

 

إن الأسباب الواردة في الشكل 5 هي فقط بعض الحوافز أو الأسباب التي اقترحها الباحثون. هذه الأسباب لا تظهر تداخلاً مع تلك الواردة في الشكل 4 . فيما يلي سنبحث في بعض جوانب الإرهاب والتي تظهر ارتباطاً أكبر بموضوع الهجرة.

على أعلى مستوى من التجريد نلاحظ أن هناك ثلاثة ردود أفعال أساسية على التعرض لواحدة أو سلسلة من الهجمات الإرهابية: قاتل أو اهرب أو اختبئ. الخيار الأول غير متاح بالنسبة للضحايا أنفسهم بما أن الإرهاب في معظم التعاريف يوجه هجماته ضد المدنيين العزل (أو يهدد بذلك). الخيار الثاني يبدو الأكثر حدوثاً طالما كان ذلك ممكناً وهو الهرب في حالة ذعر من المنطقة الخطرة واللجوء إلى مكان آخر أكثر أماناً. مع ذلك لا يستطيع الإرهاب فقط حمل الناس على المغادرة (والذي قد يكون طموح الإرهابيين الذين يهدفون إلى التطهير العرقي فيما بعد على سبيل المثال). يمكن للهجمات الإرهابية أن تشل حركة الناس في المقابل فيصبحون "متجمدين من الخوف" و"عالقين مع الإرهاب" وأفضل ما يمكنهم فعله هي هذه الحالة هو إما الاختباء أو الطاعة. قد يؤدي عمل إرهابي واحد إلى صدمة من الخوف إلا أن حملة إرهابية منظمة تقوم بها مليشيا منظمة هي مسألة مختلفة ستسبب قلقاً مزمناً. ولكن عندما يصبح الإرهاب هو أداة الحكم المجنونة المجرمة يخلق عندها أثراً مثيراً ومحزناً ومؤلماً حقاً مع الإجبار على الطاعة والاختباء في المنفى (الداخلي) والهرب (الهجرة) تصبح رد الفعل الأهم53.

 

A-  هل إرهاب الدولة سبب رئيسي من أسباب الهجرة؟

تدعي الدول احتكارها حق امتلاك السلاح ولكن هذا الاحتكار تعرض للإنهاك عدة مرات في زمن الانتفاضات. ومع ذلك وفي أكثر الأحيان لا تؤدي الانتفاضات إلى نجاح كامل للثورات بل على العكس تؤدي إلى زيادة قمع الدولة وأحياناً إرهاب النظام. مع نهاية الحرب الباردة كان هناك أمل أن تصبح الديمقراطية هي "الأمر الطبيعي" ولكن هذه الآمال تحطمت خصوصاً مع بداية الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وموجات الثورة المضادة في البلدان العربية التي أعقبت النجاح الظاهري للربيع العربي في عام 2011. في مسح حديث أجرته مؤسسة برتلسمان الألمانية على النظم السياسية في 129 دولة من الدول النامية أو التي في طور الانتقال من الأنظمة الشيوعية وجدت أن 74 منها تختبر درجات متفاوتة من الديمقراطية ولكن 55 أخرى كانت تحت حكم استبدادي. 40 من هذه الدول تعاني من حكم ديكتاتوري "قوي". لم يعد الاتجاه العام في العالم نحو المزيد من الديمقراطية بل حتى في الديمقراطيات العريقة بات خطر صعود الاستبداد الشعبوي اليميني ملحوظاً. في حين أنه هناك العديد من قواعد البيانات التي تهتم بجمع المعلومات عن المجموعات الإرهابية المسلحة غير الحكومية نلاحظ أن إرهاب النظام أو الدولة عادة ما يكون أكبر من حيث الحجم وأكثر فتكاً ويلقى بدوره اهتماماً أقل. ويمكن القول إنه أحد الأسباب الرئيسية وراء تدفق اللاجئين النزوح الداخلي أيضاً (IDPs). وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام والذي يستخدم قاعدة بيانات START  الكبيرة في (جامعة ميرلاند) فإن "92% من الهجمات الإرهابية حول العالم في الفترة ما بين 1989 و 2014 كانت قد وقعت في بلدان يمارس فيها الإرهاب السياسي على نطاق واسع". مصطلح "الإرهاب السياسي" الوارد في الاقتباس قادم من واحد من عدد قليل جداً من قواعد البيانات التي تهتم بإرهاب الدولة "مقياس الإرهاب السياسي" طُوّر على يد مايكل ستول في جامعة بوردو في ثمانينيات القرن الماضي واستمر العمل به من قبل مارك غيبني الأستاذ في جامعة شمال كارولاينا في أشفيل في الولايات المتحدة الأمريكية. رمز غيبني وزملاؤه التقارير السنوية لمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش فضلاً عن تقارير وزارة الخارجية الأمريكية عن ممارسة الدول لحقوق الإنسان. عملوا على ترجمة التقييمات النوعية في جهود التقصي المذكورة وتحويلها إلى مقياس كمي يميز بين مستويات خمس لممارسات حقوق الإنسان تبدأ من المستوى 1 ( لا وجود لقمع سياسي) إلى الرقم 5 (قمع سياسي عام). يمكننا وفقاً لأغراض بحثنا اعتبار المستوى 4 و 5 تعبيراً عن إرهاب الدولة أو النظام:

الشكل 6: مستويات الإرهاب السياسي (إرهاب الدولة)

المستوى الأول: دول تعيش تحت حكم آمن للقانون، لا يسجن الناس بسبب آرائهم، حالات التعذيب نادرة واستثنائية. الجرائم السياسية نادرة جداً.
المستوى الثاني: هناك عدد محدود من حالات الاعتقال تطال المنخرطين بنشاطات سياسية غير عنيفة. مع ذلك القليل فقط من السجناء يتعرض للاعتداء أو التعذيب أو الضرب. الجرائم السياسية نادرة.
المستوى الثالث: هناك عمليات اعتقال سياسي واسعة أو تاريخ قريب لمثل هذه العلميات. الإعدام والجرائم السياسية الأخرى واستخدام القوة المفرطة قد يكون شائعاً. الاختفاء القسري مع أو بدون محاكمة بسبب رأي سياسي أمر مقبول.
المستوى الرابع: انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية تطال شريحة واسعة من السكان. القتل والاختفاء والتعذيب أمر عادي في حياة السكان. بالرغم من عموم بلاء الإرهاب فإنه يطال بشكل مباشر أصحاب الأفكار أو الرأي السياسي.
المستوى الخامس: الإرهاب يطال السكان جميعاً. قادة هذه المجتمعات لا يضعون حداً للممارسات الشمولية الديكتاتورية طالما تحقق لهم أهدافاً شخصية أو أيديولوجية.

Source: M. Gibney, L. Cornett, R. Wood, P. Haschke and D. Arnon. 2015. “The Political Terror Scale 1976-2015”. Data retrieved from the Political Terror Scale website: http://www.politicalterrorscale.org.

 

أثبت غيبني وزملاؤه الذين رمزوا الكتاب السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2014 أن 12 دولة تقع في المستوى الرابع وهي: جمهورية الكونغو الديمقراطية، إريتريا، إثيوبيا، إيران، ميانمار، كوريا الشمالية، باكستان، روسيا، جنوب السودان، سوريا، تركيا وأخيراً أوغندا. ثلاثة تقع في مستوىً أسوأ المستوى الخامس وهي: أفغانستان وكولومبيا والعراق مع دولة واحدة تتأرجح بين المستويين المذكورين هي السودان. هناك بعض التقاطعات بين مؤشر غيبني ومؤشر بيت الحرية (الشكل 7) الذي رصد انخفاض الحريات في دول العالم على مدار عشر سنوات. فعلى مدار العقد الماضي سجلت 105 دولة انخفاضاً في الحريات في حين شهدت 61 دولة تحسناً إجمالياً. أكبر الانتكاسات كانت في حرية التعبير وسيادة القانون. كانت التقييمات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين الأسوأ على مستوى العالم في عام 2015. فقط 40% من سكان العالم ( البالغ عددهم حالياً 7315804000) يعتبرون "أحراراً" في حين أن 24% من سكان العالم يعتبرون "أحراراً جزئياً" و 36% المتبقية "غير أحرار". بالنظر لهذا الوضع من غياب سيادة القانون عن أربعة مليارات شخص لن يكون مستغرباً أن نتوقع استمرار الثورات والقمع في العديد من البلدان مع ما يرافق ذلك من إرهاب وهجرة داخلياً وخارجياً.

 

الشكل 7: البلدان العشر الأقل حرية في العالم في عام 2015 وعدد الناس الذين هربوا من تلك الدول



اسم الدولة

عدد اللاجئين

جمهورية أفريقيا الوسطى

469314

غينيا الاستوائية

173

إريتريا

352309

كوريا الشمالية

--

السعودية

629

الصومال

1105460

السودان

634612

سوريا

4180920

تركمانستان

496

أوزباكستان

4762

 

Source: “Worst of the Worst countries”, Freedom in the World 2015. (New York: Freedom House, 2016), https://freedomhouse.org/report/freedom-world/freedom-world-2015#.VvGnuG... UNHCR., Mid-Year Trends 2015 (Geneva: UNHCR, 2015), pp.21-24, www.unhcr.org/56701b969.html.

 

عندما تمارس الدولة الإرهاب على شعبها أو أي شكل آخر من أشكال العنف فمن الطبيعي أن نتوقع موجات لجوء. من الغريب ما يبدو لأول وهلة أن النظام القمعي الأشد على وجه الأرض نظامَ كيم يونغ أون الذي يحكم أكثر من 25 مليون شخص في كوريا الشمالية بقبضة حديدية تحكم السيطرة على الحدود والمجتمع لا ينجم عنه أي لاجئ تقريباً إلا أن أنظمة قمعية شديدة أخرى تظهر مستويات قليلة جداً من اللاجئين ويعود ذلك لأسباب مختلفة. في عدد من الحالات (كولومبيا على سبيل المثال) كان النزوح الداخلي هو الأعم (حيث تشرد أكثر من 6 ملايين شخص داخلياً) في حين انتهى الأمر بما يقارب 400000 شخص كلاجئ. مع ذلك فإن بعض الدول الأكثر تصديراً للاجئين والتي تسبب القلق للاتحاد الأوروبي مصنفة على مؤشر بيت الحرية على أنها "غير حرة" أو على مؤشر غيبني للإرهاب السياسي أو كلاهما معاً فعلى سبيل المثال إريتيريا (10000 نازح داخلي مقابل 350000 لاجئ) والعراق (3120000 نازح داخلي مقابل 377747 لاجئ) وسوريا (6600000 نازح داخلي مقابل 4180920 لاجئ).

 

اهتمامنا الأساسي هنا ينصب على القضية السورية. فبينما تركز وسائل الإعلام الغربية على الفظائع التي ترتكبها داعش يجب أن لا ننسى أن نظام الأسد قتل وعذب وطرد عدداً أكبر من السوريين مما فعلت داعش. يقول بينيديتا بيرتي المحلل السياسي الإيطالي في حديثه عن سياسيات النظام:

الهجرة القسرية ليست مجرد نتاج طبيعي للعنف. في الواقع هذا التهجير يعمل وفق سياسة مرسومة. فاستراتيجية قوات الأسد الرئيسية كانت شلّ قدرات المناطق التي يسيطر عليها الثوار عن طريق استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية وحجب وصول السلع والمواد الأساسية. استخدمت هذه الاستراتيجية في مراحل مبكرة من الصراع كسلاح يهدف إلى عزل الثوار المعارضين عن الحاضنة الشعبية من السكان المدنيين مما أدى إلى موجات نزوح جماعي، وكنتيجة لذلك أصبحت المدارس والمستشفيات والأسواق وحتى مخيمات اللجوء أحد أكثر المناطق خطورة في سوريا. تعرض المدنيون لهجمات متعمدة، يجب أن ينظر إلى التهجير في سوريا على أنه أداة متعمدة وسلاح مستخدم في تلك الحرب.في هذا السياق يجب النظر إلى النازحين داخلياً واللاجئين على أنهم تعبيران مختلفان لظاهرة واحدة وهي الاستهداف المتعمد للمدنيين في العمليات الحربية.

في حين أنه من الصعب الفصل بين الإرهاب كشكل من أشكار الحرب غير النظامية وإرهاب الدولة عندما يكون العدو في الداخل وفي حين أنه من الأفضل تصنيف بعض أشكال العنف السياسي أو الصراع المسلح تحت تسميات أخرى غير الإرهاب (على سبيل المثال: جرائم ضد الإنسانية، جرائم حرب، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان) إلا أن ومع كل ذلك يمكن القول أن إرهاب الدولة في سوريا سبب كبير وربما أساسي من أسباب الهجرة. بحلول عام 2015 كان حوالي 12 مليون شخص ما يشكل نصف سوريا قد شردوا بسبب الفظائع. حوالي ثلثيهم بقوا داخل البلاد وغادر ثلثهم إلى الخارج معظمهم وصلوا إلى دول تركيا والأردن ولبنان.

إن تجاهل الكثير من الحكومات لتصرفات إرهاب الدولة الذي تمارسه الأنظمة المتحالفة معها، بالإضافة إلى التركيز الرئيسي على الأنشطة الإرهابية التي تقوم بها جهات وجماعات مسلحة غير حكومية كل هذا ساهم بخلق إحدى أقوى دوافع الهجرة القسرية ألا وهو إرهاب النظام أو الدولة. لهذه الأمر علاقة في جزء منه بحقيقة أن الدول التي تعاني من إرهاب النظام تعاني في نفس الوقت من إرهاب الجماعات المسلحة غير الحكومية. في مثل هذه الحالات لا يمكن الفصل بين الفعل ورد الفعل بين السبب والنتيجة ويزداد الأمر صعوبة مع تصاعد دوامة العنف والانتقام واستهداف الحكومة لبعض قواتها أو منشآتها في عمليات تهدف للتأثير على الرأي العام.

وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام " 92% من الهجمات الإرهابية حدثت في تلك البلدان التي يرتفع فيها مؤشر الإرهاب السياسي. خمسة عشر دولة من الدول الأكثر تعرضاً للإرهاب في عام 2014 كانت في وضع سيئ للغاية على مؤشر الإرهاب السياسي.

 

إن معظم هذه الدول تنتج موجات اللاجئين داخلياً وخارجياً انظر الشكل 8.

 

الشكل 8: النزوح الداخلي واللجوء الخارجي في عام 2014 في تلك الدول التي سجلت 4-5 على مقياس الإرهاب السياسي




اسم الدولة

نازحون داخلياً

لاجئون

أفغانستان 5

847872 على الأقل

2690775

كولومبيا 5

6044200

396635

العراق 5

3300000 على الأقل

649300

السودان 4.5

3100000

649300

جمهورية الكونغو الديمقراطية 4

2857400 على الأقل

405000

إريتريا

10000 تقريبا

363077

إثيوبيا

413400

86861

إيران

--

--

ماينمار

662400 تقريبا

479706

كوريا الشمالية

--

--

باكستان

1800000 على الأقل

175961

روسيا

25378 على الأقل

74357

جنوب السودان

1690000 على الأقل

746900

سوريا

6600000 على الأقل

4180920

تركيا

954000 على الأقل

66607

أوغندا

29800

7191

Source: International Displacement Monitoring Centre. Data for 2014; see: http://www.internaldisplacement.org/global-figures/. More recent IDCM figures available from 11 May 2016 onwards; "UNHCR Statistical Online Population Database”, United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR), Data extracted: 05/05/2016, www.unhcr.org/statistics/populationdatabase. The reader will note some differences in the figures in Boxes 8 and 9. These are generally due to different moments in time when estimates were made or different focuses, e.g. on flow of refugees vs. stock of refugees.

 

إن تحديد الأسباب والعوامل المؤدية للهجرة أمر صعب خصوصاً في ظل تورط إرهاب الدولة وإرهاب الجماعات المسلحة تزامناً مع تدخل عسكري خارجي. ومع ذلك فللمفارقة نلاحظ أن عدم وجود دولة أو فشل الدولة قد يكون سبباً في نشوء الإرهاب والهجرة معاً كما سنرى في القسم التالي.

 

B.هل فشل الدولة سبب من أسباب الإرهاب والهجرة؟

ارتبطت فكرة الدولة الهشة أو الضعيفة أو الفاشلة بالإرهاب لفترة من الوقت73. ففكرة غياب دولة مركزية قوية تتمتع بشرعية عالية بين مختلف شرائح المجتمع وحكومة غير قادرة على الحفاظ على الأمن والقانون يسمح للتنظيمات الإرهابية بالتواجد في مثل تلك الدولة إما بالإنضواء تحت لوائها وإقامة دولة داخل الدولة أو بالقتال ضدها هذا الافتراض وبوضوح افتراض معقول جداً. كلما انخفض احتكار الدولة للعنف (والذي لم يكن يوماً كاملاً) كلما زاد ذلك من ممارسة العنف بيد ميلشيات مسلحة خاصة وهي جماعات تسعى إلى فرض نظامها الخاص دون الحاجة لكون القانون إلى جانبها. سياسات القصاص هذه بدورها تستخدم ممارسات إرهابية بما في ذلك التطهير العرقي والذي يمكن أن يؤدي إلى نزوح داخلي أو لجوء خارجي.

منذ نهاية الحرب الباردة ،وحتى قبل ذلك بالفعل، كانت هناك حالات عدة لانهيار الحكومات المركزية تاركة مناطق نفوذها دون حكومة. المثال الأكبر هو الصومال فمنذ الإطاحة بالديكتاتور محمد سياد بري الذي حكم الصومال من 1969 حتى 1991 والصومال تجنح من أزمة إلى أخرى. انقسمت الصومال والتي كانت مستعمرة سابقةً لإيطاليا وبريطانيا إلى عدة أجزاء (بونت لاند، صومال لاند، جوبا لاند، والجمهورية الصومالية الاتحادية) كما شهدت صعود حركة الشباب المجاهد والتي أكملت رسالة التدمير التي بدأها أمراء الحرب. بعد تدخل غير مجدٍ من إثيوبيا في عام 2006 تصدرت حركة الشباب المشهد دافعةً بعدد كبير من اللاجئين إلى الخارج وخصوصاً باتجاه كينيا حيث يوجد مخيم داداب أكبر مخيم للاجئين في العالم (في الواقع هو تجمع لثلاثة مخيمات يقطنه حسب احصاءات 2016 ما يقارب 33000074 العدد الذي انخفض من نصف مليون لاجئ سابقاً) والذي أنشئ منذ العام 1991. وعلى الرغم من تدخل قوات الأمم المتحدة وقوات الاتحاد الإفريقي إلا أن حركة الشباب لم تهزم. الدول الأخرى التي سقطت في دوامة فشل الدولة كانت أفغانستان (بعد عام 1992) والعراق (بعد عام 2003). كلا الدولتين عانتا من الإرهاب وأشكال أخرى من الصراع المسلح وأنتجتا عدداً كبيراً من اللاجئين.

إن عدد الدول التي كانت مستعمرات سابقة والتي عانت من انهيار (مؤقت) للدولة لأسباب اقتصادية أو سياسية هو كبير بالفعل ويشمل على سبيل المثال جمهورية الكونغو الديمقراطية، لبنان، سيراليون، السودان، جنوب السودان، زيبمابوي، ليبيا، اليمن، جمهورية أفريقيا الوسطى، ومؤخراً فينزويلا. في بعض الأحيان أجزاءُ فقط من الدولة تصبح خارج القانون وتضعف فيها سيطرة الحكومة المركزية أو تنعدم تماماً. ومن الأمثلة ذات الصلة على هذه الحالة هي أوغندا حيث أرهب "جيش الرب المقاوم" السكان في الشمال وفي المناطق المجاورة أيضاً. أعدادهم تتراوح بين 300 و 3000 مقاتل ومع ذلك تمكنوا من إزاحة مئات الآلاف من السكان الأصليين في كل من جنوب السودان و جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى. وفي ذروة الحملة الوحشية في عام 2006 هرب 1700000 شخص طلباً للأمان من شمال أوغندا إلى مخيمات داخلية للنازحين.

حالة أخرى معروفة هي باكستان في المناطق القبلية في وزيرستان حيث أوجد تنظيم القاعدة وحركة طالبان مأوىً لهم فيها.

وعلى الجانب الآخر هناك العديد من الدول الضعيفة والهشة والفاشلة والتي شهدت حالات قليلة من الإرهاب أو لم تشهد أبداً ومع ذلك صدرت أعداداً كبيرة من المهاجرين فالهجرة هنا غير ناجمة عن الإرهاب (الهجرة الاقتصادية على سبيل المثال، في حالة زيمبابوي وفي عام 2014 هددت المجاعة حياة 2200000 شخص وأبقت تحويلات المغتربين والعون الاقتصادي الخارجي على حياة أكثر من 14 مليون شخص آخر).

بحث إدوارد نيومان في مقالته "الدولة الضعيفة وفشل الإرهاب" عن العلاقة بين قوة الدولة ووجود أو غياب الجماعات الإرهابية غير التابعة للدولة ولكنه وجدها غير واضحة المعالم. في حين استطاع إثبات وجود الجماعات الإرهابية غير التابعة للدولة في الدول الضعيفة إلا أنه وجد أن حالة الدولة الهشة أو الضعيفة ليست سبباً ضرورياً يفسر وجودهم. واعترف بأن هناك مؤشرات قوية تربط بين ضعف الدولة ووجود الجماعات الإرهابية إلا أنه لاحظ أيضاً عدداً كبيراً من الدول التي تظهر مؤشرات سيئة على كافة مقاييس قوة الدولة مع عدم وجود إرهابيين على أراضيها. وأضاف قائلاً

في بعض الأحيان يكون العامل الحاسم هو البيئة الحاضنة أو الدعم أو الإذعان من السلطات المحلية بدلاً عن مجرد غياب لأجهزة الدولة. وهكذا فإن مجموعة قد تكون قادرة على العمل بشكل مستقل إلى حد ما فإن علاقة إيجابية مع الحكومة المستضيفة أو الأشخاص ذوي النفوذ هي أمر مهم بالنسبة لها. لا يمكن أن يعطي عامل الدولة الضعيفة أو الفاشلة تفسيراً مقنعاً لوحده بمعزل عن العوامل الأخرى.

الدول الفاشلة عموماً لا تستطيع توفير الأمن والخدمات الأساسية لمواطنيها الأمر الذي يجعلهم يفضلون الهجرة. وإذا نظرنا إلى مؤشر الدولة الضعيفة الذي يصدر سنوياً عن صندوق السلام، وهي منظمة مستقلة تركز على مشاكل الدول الضعيفة والهشة، فإننا نجد تدفقاً سكانياً قوياً مغادراً لتلك الدول الأكثر ضعفاً. في تقريره لعام 2015 صنف صندوق السلام 178 دولة حول العالم بحسب مستويات استقرارها مستخدماً عشرات المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعديد جداً من المؤشرات الفرعية. وكما يظهر في الشكل رقم 8 فإن الدول المثيرة للقلق مثل أفغانستان والعراق وسوريا والتي تنتج أكثر أعداد اللاجئين هي من بين أسوأ عشر حالات. الشكل 9 يضع قائمة ب 19 دولة ضعيفة سجلت معدلات عالية على مؤشر ضعف الدولة. العمود الأوسط مأخوذ من مؤشر برتلسمان للتحول الذي يقيس من جملة أمور فعالية الحكومة على مقياس من 1 سيئ إلى 10 جيد. يسرد العمود الأخير أعداد اللاجئين بينما يؤشر العمود الأول إلى شدة الإرهاب (10 الوضع سيئ جداً - 0 الوضع جيد لا وجود للإرهاب).

 

الشكل رقم 9: مقارنة بين الأرقام القياسية ل 19 دولة سجلت معدلات عالية على مؤشر ضعف الدولة مع أعداد اللاجئين لعام 2014.






اسم الدولة

مؤشر الإرهاب

مؤشر ضعف الدولة

مؤشر برتلسمان

أعداد اللاجئين

جنوب السودان

6.712

114.5

2

1746900

الصومال

7.6

114.0

1

616142

السودان

6.686

110.8

2

659395

كولومبيا

6.662

82.5

6

103150

ج الكونغو

6.487

109.7

2

516562

تشاد

2.142

108.4

2

14855

اليمن

7.642

108.1

1

2628

سوريا

8.108

107.9

1

3865720

أفغانستان

9.233

107.9

3

2593368

غينيا

1.187

104.9

6

15243

العراق

10

104.5

3

369904

هاييتي

0

104.5

2

37161

ليبيا

7.29

95.3

1

4194

ميانمار

4.08

94.7

3

233891

باكستان

9.065

102.9

3

315759

نيجيريا

9.213

102.4

6

54537

زيمبابوي

1.71

100.0

7

71959

ساحل العاج

3.141

100.0

7

71959

أوكرانيا

7.2

76.3

6

237636

المجموع الكلي

     

11094872

Sources: Based on data from the calendar year 2014. The Fund for Peace. Fragil State Index 2015.Washington D.C.: Foreign Policy magazine, 2015.- For a discussion of its methodology, see: http://global.fundforpeace.org/index.php; Global Overview 2015. The Bertelsmann Transformation Index 2015 measures a government’s effective power to govern on a 1 (= bad) to 10 (= good) scale; see for an explanation of the methodology: http://www.bti-project.org/de/startseite/; Refugee figures are taken from UNHCR, “Global Trends. Forced Displacement” (Geneva: UNHCR, 2015), pp. 44 – 48, http://unhcr.org/556725e69.html#_ga=1.21035259.1335667395.1458471815 . For the Terrorism Index, see: Institute for Economics and Peace. “Global Terrorism Index 2015”, pp. 90- 92, http://www.visionofhumanity.org/sites/default/files/2015%20Global%20Terr... port_1.pdf.

 

لم تنتج المقارنة بين ضعف الدولة وعدد اللاجئين وشدة الإرهاب أي نتائج حاسمة. بعض الدول الضعيفة كان لديها مؤشر إرهاب منخفض ولم يتدفق منها أعداد كبيرة للاجئين ( هاييتي وتشاد) وأيضاً بعض الدول الضعيفة والتي لديها مؤشر إرهاب مرتفع لم تسجل أعداداً كبيرة من اللاجئين ( ليبيا واليمن). ومع ذلك هناك فارق زمني بين تدهور حال الدولة واتخاذ قرار مغادرة البلاد. هذا قد ينطبق على ليبيا واليمن حيث فر بعض الناس إلى الصومال82.

صورة غير حاسمة أخرى تطل على المشهد حين ننظر إلى صافي الهجرة في البلاد (الفرق بين عدد الأشخاص الذين يدخلون والذين يتركون بلداً أو منطقةً ما خلال سنة واحدة بالنسبة ل 1000 شخص، بناءً على عدد السكان في منتصف السنة). ولكن مع ذلك يمكننا فهم شيء ما عن الميل إلى الهجرة. في عام 2015 ما لا يقل عن 112 دولة ومنطقة من أصل 224 شهدت حركات هجرة أكثر أو أقل منها أو إليها. انظر الشكل 10

 

الشكل 10: الهجرة الصافية لعشر دول ومناطق مختارة حسب تقديرات عام 2015




اسم الدولة

الترتيب

معدل صافي الهجرة

سوريا

22

19.79

الصومال

211

8.49

السودان

190

4.29

تشاد

186

3.45

أفغانستان

156

1.51

ج الكونغو

123

0.27

نيجيريا

121

0.22

ج أفريقيا الوسطى

102

0.00

إريتريا

98

0.00

فينزويلا

79

0.00

Source: US Central Intelligence Agency. The World Fact Book (Langley: CIA, 2016), Country Comparison: Net Migration Rate, www.cia.gov/library/publications/resources/the-word-factbook/rankorder/2...

 

بعض البلدان في الشكل 10 لديها دولة ضعيفة مع معدل نمو اقتصادي متدنٍّ مثل فينزويلا بينما بلدان أخرى لديها دولة قوية مثل إريتيريا مع معدل نمو اقتصادي عال. هذا الأمر يجعل من توازن أو عدم توازن الهجرة لوحده عاملاً غير حاسم لقياس قوة الدولة.

قد يكون فشل الدولة أحياناً وليس دائماً عاملاً أساسياً مسبباً للهجرة ولكن ليس بالضرورة عندما يكون الإرهاب هو الدافع الأساسي للهجرة. الإرهابيون أيضاً يحتاجون إلى بنية تحتية للعمل. إذا لم يستطيعوا إنشاء دولتهم الخاصة بهم كما فعلت داعش في سوريا والعراق فإنهم يفضلون على الأقل دولة داعمة لقضيتهم كما كانت الحال بين القاعدة ونظام طالبان في الفترة ما بين (1996-2001). في بعض الأحيان لا تكون الدولة داعمةً لهم ولكنها تتغاضى عنهم بسبب ضعفها كما هي الحال في لبنان مع حزب الله (1982-2016) وأيضاً في ليبيا حيث للقاعدة وداعش أيضاً وجود هناك منذ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي عام 2011.

 

C. هل إرهاب الجماعات المسلحة غير الخاضعة للدولة سبب من أسباب الهجرة؟

الحملات الإرهابية العمياء والعنف العشوائي يجعل كثيرين من الناس خائفين على حياتهم يدفعهم للفرار بعيداً عن مصدر الخطر. قد يكون هذا ما يدور في بالي مرتكبي هذه الأفعال منذ البداية. عندما أعلنت تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) نفسه على أنه الدولة الإسلامية (الخلافة) واستطاع احتلال الموصل ثاني أكبر مدن العراق هرب الكثير من السكان من تلك المدينة وانخفض التعداد السكاني من 2.5 مليون إلى واحد مليون الأمر الذي حصل في الكثير من المناطق الأخرى التي سيطرت عليها داعش. كما تقول مايا يحيى:

أدى اجتياح داعش لأراضي العراق في عام 2014 إلى تكثيف عملية النزوح على أساس الهوية وإعادة تقسيم الأراضي على أساسي طائفي وعرقي (…) في السنة التي تلت فر 2.57 مليون شخص عندما استهدفت مجتمعات بأكملها كانت تعيش على سهول العراق منذ مئات السنين. غادر مسيحيوا الموصل أرض أجدادهم قسراً  ولكن حظهم كان أفضل من اليزيديين والشبك والصابئة والمندائيين والشيعة والتركمان الذين قُبض على كثير منهم وقتلوا. هرب هؤلاء السكان إلى أكثر من 2000 موقع في داخل البلاد وخارجها أضف إلى ذلك عدد العراقيين الذين نزحوا بسبب الصراعات السابقة.

هنا يمكننا أن نرى واحداً من أكثر الروابط المباشرة بين الإرهاب والنزوح الداخلي واللجوء الخارجي. خضعت حالةُ أخرى رُصدت فيها العلاقة بين إرهاب الجماعات المسلحة غير الخاضعة للدولة مع النزوح  للدراسة المفصلة وهي تركيا في تسعينيات القرن الماضي عندما اشتبكت الحكومة مع المسلحين الأكراد. قام يلمز سيمسك بتحليل العلاقة بين الإرهاب والهجرة في نمط السنوات 1992-1995 في شرق تركيا واختبر ثلاثة فرضيات وجدها مؤيدةً بالأدلة. انظر الشكل 11.

 

الشكل 11: ثلاثة فرضيات تم تأكيدها على العلاقة السببية بين الإرهاب والهجرة في تركيا 1992-1995.

الفرضية الأولى: تكون الهجرة الصافية أعلى في المناطق التي تشهد أحداث إرهابية أكثر من تلك المناطق التي لا تشهد مثل تلك الحوادث. مؤكد
الفرضية الثانية: كلما ارتفع معدل الحوادث الإرهابية كلما زاد صافي الهجرة. مؤكد
الفرضية الثالثة: كلما ارتفع عدد الوفيات بسبب حوادث الإرهاب كلما ارتفع معدل الهجرة الصافية. مؤكد

Source: Y. Simsek, “Terrorism and Migration in Turkey Between 1992 and 1995”, In: S. Ozeren, I. Dincer Gunes and D. M. Al-Badayney, eds., Understanding Terrorism: Analysis of Sociological and Psychological Aspects, (Amsterdam: IOS Press, 2007), p. 157, (Table 7).

عندما ننظر إلى الدول الأكثر تعرضاً للإرهاب في وقتنا الحاضر (باكستان والعراق وسوريا وأفغانستان) نلاحظ علاقة مباشرة بين العدد الكبير لوفيات الإرهاب من جهة والهجرة إلى أوروبا من جهة أخرى في ثلاثة من هذه الدول (قد تكون باكستان استثناءً جزئياً).

 

 

الشكل رقم 12: العلاقة بين عدد طلبات اللجوء المقدمة للمرة الأولى وعدد حالات الوفاة جراء حوادث إرهابية في البلد الأم

 

عندما يهرب الناس من جماعة إرهابية سيطرت على بلدتهم أو مدينتهم فإن مقتنياتهم وأمتعتهم التي يتركونها خلفهم تشكل مصدر ثروة آخر لتلك الجماعة الإرهابية. ومع ذلك يمكن لهذه الجماعة الإرهابية تحقيق مكسب آخر فعندما يريد الناس الهروب من مناطق النزاع فإن هروبهم فيه خطر على حياتهم فهم يحتاجون للمساعدة لعبور طرق مغلقة أو حتى لعبور الحدود هنا يأتي دور المهربين وتجار البشر وبذلك فعندما تضع تلك الجماعات حواجز على الطرقات فإنها تجبر الناس على دفع المال للمهربين وتتقاضى إتاوات لقاء السماح لهم بالعبور.

في حالة ليبيا تسيطر داعش على مسافة تمتد ل 260 كيلو متراً من شواطئ المتوسط حول سرت. هناك دلائل ملموسة تؤكد أن على المهربين تقاسم أرباحهم مع الجماعات الإرهابية المسيطرة على تلك المنطقة بما فيها داعش. تعتبر الأرباح التي تأتي من التهريب وتجارة البشر في المرتبة الثانية بعد تجارة المخدرات. أكثر من 9 من 10 من اللاجئين الذين يريدون العبور إلى دول الاتحاد الأوروبي بشكل غير نظامي من شمال أفريقيا وغرب تركيا يضطرون للاستعانة بالمهربين ومعظمهم مهربون مجرمون. وفقاً للاحصائيات الأخيرة الصادرة من الاتحاد الأوروبي فإن المهربين من بنغازي ومصراتة وطرابلس الغرب في ليبيا وأزمير واسطنبول في تركيا وعمان في الأردن والقاهرة في مصر والدار البيضاء في المغرب والجزائر وأوران في الجزائر وغيرها من نقاط التهريب استطاعوا من خلال جلبهم للاجئين والمهاجرين لأسباب اقتصادية جمع مبالغ تتراوح تقديراتها بين 3 – 6 مليون دولار من الكسب غير المشروع. في تقريرها عن عمليات التهريب أعربت الشرطة الأوروبية الأوروبابول عن قلقها من أن "التنظيمات الإرهابية تعتمد على المهربين وتجار البشر كمصدر من مصادر التمويل", ولكنها لم توضح التفاصيل. مجرد اقتطاع حصة بسيطة من أرباح المهربين سيشكل منجم ثراء للمنظمات الإرهابية إذا نظرنا إلى الوضع كما يلي:

في عام 2014 عبر 219000 شخص البحر الأبيض المتوسط من ليبيا للوصول إلى أوروبا; في عام 2015 كان هناك 322000 شخص في الأشهر الثمان الأولى فقط. أكثر من 2500 منهم غرقوا في البحر أثناء محاولتهم العبور بسبب وضعهم في قوارب غير آمنة من قبل المهربين والمجرمين. أحد المهربين وضع إعلاناً على صفحته على موقع للتواصل الاجتماعي يقول فيه أن الرحلة من إيطاليا إلى ليبيا ستكلف 1000$ لكل شخص بالغ. وإذا كانت الرحلة تتضمن حزمة تبدأ من رحلة طيران من تركيا إلى ليبيا أولاً يرتفع الرقم ليصبح 3700$ وتكلفة الطفل 500$. وبافتراض أن المهربين في ليبيا يجب أن يشاركوا أرباحهم مع الجماعات الإرهابية المسيطرة على السواحل التي تنطلق منها معظم قوارب الهجرة وبافتراض أن الحصة المتوجب دفعها هي الثلث فقط فستكون مكاسب الجماعات الإرهابية في عام 2015 وحده تصل إلى 100 مليون دولار بحسب التقديرات تلك. هذا النوع من المال ينفق في تجنيد أعضاء جدد في داعش وفي التسليح وشراء المتفجرات وتزوير أوراق السفر وتأمين المساكن ودفع الرشاوى وكل ما يلزم لتمويل العمليات الإرهابية. حالياً يقدر عدد الذين يوجدون في ليبيا وينتظرن لعبور المتوسط ب 800 ألف شخص نظراً لأن الطريق من تركيا عبر اليونان أصبح صعباً جداً.

بالرغم من هروب الناس من مناطق سيطرة داعش التي تحاول تحكيم الشريعة فقط يعد بمثابة تصويت ضد هذه الفكرة فإن الهجرة الجماعية من تلك المناطق يمكن لداعش أن تحوله إلى مصدر جديد للدخل مما يشكل منفعةً لها تقوي به اقتصادها. يجري كل ذلك في الوقت الذي تسعى فيه داعش لحصر الإضرار وذلك بعرضها صوراً للاجئين يغرقون في البحار مقابل تصويرها للحياة في ظل الخلافة على أنها متناغمة ومنظمة.

بالمحصلة: تخلق الهجمات الإرهابية لدى الناس خوفاً كبيراً على حياتهم مما يجعلهم يتجنبون ذلك ويلجئون للهجرة. مثل هذه الهجرة بدورها تسمح في حال فُرضت عليها الإتاوات بتمويل الجماعات الإرهابية وبالتالي تؤدي إلى مزيد من الإرهاب. يُدعّم هذا الانطباع المتولد مما سبق بواحد أكثر صلابة مأخوذ من تحليل كمي أجراه معهد الاقتصاد والسلام. يشير ستيف كيليلا مدير معهد الاقتصاد والسلام في عرضه للمؤشر العالمي للإرهاب إلى أن "عشر دول من الإحدى عشر الأكثر تأثراً بالإرهاب لديها أيضاً المعدل الأعلى للاجئين والنازحين في الداخل. توضح هذه المعلومات الارتباط بين أزمة اللجوء الحالية والإرهاب والحرب".

 

D. هل الحرب (الأهلية) سبب رئيسي للإرهاب والهجرة؟

في الفترة ما بين 1946-2016 كان هناك 259 صراعاً مسلحاً في أنحاء العالم. انخفض عدد حروب الاستقلال والحروب بين الدول. في المقابل انتشرت الحروب الأهلية الداخلية التي تترافق مع تدخل لأطراف خارجية. بينما انخفض عدد الصراعات المسلحة لما يزيد على عقد من الزمن ابتداءً من عام 1992 إلا أن هذا الأمل بحقبة ما بعد الحرب الباردة تلقى صدمةً كبيرة في عام 2003. فمنذ ذلك الوقت نلاحظ من 30 إلى 50 صراعاً مسلحاً في أي عام حتى الآن. في إحصاء الصراعات المسلحة لعام 2015 يمكننا عد 37 صراعاً مسلحاً بين ضعيف ومتوسط وقوي أدى إلى 167000 قتيل نصفهم في منطقة الشرق الأوسط وثلثهم في سوريا. في العام الذي سبقه كان هناك 42 صراعاً مسلحاً خلفت 180000 قتل.

نجم عن الصراع في سوريا والذي يعد الأسوأ منذ نهاية الحرب الباردة منذ عام 2012 أكثر من نصف ضحايا الحرب (53%) حول العالم وتأتي العراق وأفغانستان ثانياً (12%). في عام 2014 سقط 80% من ضحايا الحرب الذين يبلغ عددهم 104000 في هذه الدول الثلاثة وحدها. هذه الحروب الثلاث في كل من سوريا والعراق وأفغانستان كانت مترافقة مع أعمال إرهابية وأعداد كبيرة من النازحين واللاجئين. في الفترة التي اجتاح فيها الاتحاد السوفيتي أفغانستان عام 1978 وحتى انسحابه منها عام 1989 خرج 6.2 مليون أفغاني لاجئاً إلى باكستان وإيران ومعظمهم لازالوا هناك حتى بعد كل هذه السنوات. بعد أربع سنين من اجتياح الولايات المتحدة للعراق عام 2003 أصبح مليونان من العراقيين لاجئين و 1.7 مليون صاروا نازحين داخليين وذلك بحلول شباط 2007. أما في حالة سوريا وبحلول أيلول عام 2015 كان هناك 4.1 مليون لاجئ خارج الحدود و 6.5 مليون نازح داخلي بينما أصيب1.1 مليون سوري من جراء الحرب والإرهاب ولقي 250000 سوري آخر حتفهم.

 

يزيد التدخل الخارجي الوضع السيئ سوءاً فهو يطيل أمد الصراع ويدفع الفصائل المقاومة إلى استخدم مختلف التكتيكات بما فيها الإرهاب.

إن تقصي الأعمال الإرهابية وسط الحروب والصراعات أمر صعب جداً خصوصاً عندما يكون جمع المعلومات المستقلة مستحيلاً تقريباً وتكون البروبغاند ونشر الإشاعات منتشراً. تتماشى الأعمال القتالية المشروعة مع جرائم الحرب جنباً إلى جنب. تتضمن جرائم الحرب من بين أشياء عديدة الهجمات المتعمدة ضد غير المقاتلين (أسرى الحرب مثلاً) والهجوم على المدنيين غير المسلحين في مناطق من المعروف تواجدهم فيها أو اختبائهم فيها. تمثل جرائم الحرب أعمالاً إرهابية في بعض الحالات مما خلق جهوداً تدعوا إلى توسيع مفهوم جرائم الحرب وتعريف الأعمال الإرهابية ببساطة على أنها "جرائم الحرب التي ترتكب وقت السلم" ما ينهي الحلقة المفرغة من النقاشات المستمرة حول تعريف الإرهاب ( حيث هناك درجة إجماع أكبر على ما يمكن تسميته جريمة حرب وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان من ذلك التوافق حول ماهية الإرهاب).

العديد من الحروب الأهلية الداخلية نشأت من حوادث صغيرة لتتطور إلى أشكال كبيرة من العنف على عدة مراحل. حادثة واحدة معزولة من الإرهاب إذا لم يتم القبض على مرتكبيها أو حلها في وقت مبكر ستتفاقم الأمور غالباً مؤدية إلى حملة كبيرة من الإرهاب. حملة أو أكثر من تلك الحملات في حال نجاحها قد تؤدي إلى وضع تبدأ فيه المجموعات الإرهابية "بتحرير" المناطق من سيطرة الدولة. من مثل هذه المناطق المحررة يصبح بإمكان الجماعات المسلحة الانخراط في عمليات كر وفر ونصب كمائن وشن حرب عصابات. في نهاية المطاف الهدف هو تطور الجماعات الإرهابية من مجرد حرب عصابات في المناطق الريفية (بالتزامن مع عمليات في مناطق حضرية على الأغلب) إلى إنشاء ما يشبه الجيش النظامي الذي تستطيع به أخذ دور الدولة. معظم الجماعات الإرهابية لا تصل إلى المرحلة الثانية أبداً في استراتيجية ماو التدريجية لحرب الشعب (أو الحرب الوقائية) والقليل جداً منهم من يتمكن من الوصول إلى المرحلة الثالثة وإنشاء جيش نظامي. يجب أن يوضع في الحسبان أيضاً دور التدخل الخارجي: حيث يمكن للتدخل الخارجي أن يعزز وجود الجماعات الإرهابية (كما حصل في الصراع القومي في الصومال إثر التدخل الأثيوبي عام 2006) أو يمكن أن يؤدي إلى زوال مؤقت ( كما حصل في أفغانستان حين أجبرت القاعدة وطالبان على الفرار من أفغانستان باتجاه باكستان خلال حرب تحرير أفغانستان عام 2001-2002).

يكمن للمنافسة أن تؤدي إلى نقاشات والنقاشات إلى نزاعات والخلافات الخطيرة تؤدي إلى استقطاب وتحزب وصراعات وتصاعد حدة الصراعات يمكن أن يؤدي إلى استخدام للعنف السياسي بعدد من الأشكال منها الإرهاب مؤدياً في نهاية المطاف إلى وقوع حرب كاملة الأركان والتوصيف. يمكن لأشكال عدة من الصراع أن تتعايش معاً في زمن واحد هذا ينطبق على الأعمال الإرهابية التي يمكن أن تجري في المنتصف أو على هوامش الحرب بل يمكن حتى أن تحدث في أماكن أخرى بعيدة عن مسرح الصراع الرئيسي. هذا يتماشى مع استنتاج إحصائي آخر مقدم من معهد الاقتصاد والسلام.

يتواجد النشاط الإرهابي تاريخياُ في الدول التي تشهد صراعات مسلحة على نطاق واسع. …. وجد معهد الاقتصاد والسلام أن 55% من العمليات الإرهابية تمت في قلب مناطق الحرب الأهلية. بالإضافة إلى أن 33% من العمليات الإرهابية حدثت في دول تشهد أو تتورط في نزاع دولي.

في مثل هذه الصراعات قد تكون أعداد النازحين داخلياً أكبر أو أقل من أعداد اللاجئين إلى الخارج. على سبيل المثال في عام 1994-95 فإن أشد عشرين صراعاً مسلحاً بحسب مؤشر PIOOM شهدوا على الأقل مقتل 634000 شخص (بالمجمل كان عدد القتلى منذ بدء هذه الصراعات 7 ملايين) وأكثر من 9 ملايين لاجئ وما يقارب 20 مليون نازح داخلي. من جهة أخرى فإن 55 صراعاً ضعيفاً ومتوسطاً خلفوا في منتصف التسعينات من القرن الماضي 2.6 مليون قتيل آخر مع ستة ملايين نازح داخلي وتسعة ملايين لاجئ خارجي (أو أشخاص بمثابة اللاجئين) الأمر الذي يقلب النسبة بين اللاجئين خارجياً والنازحين داخلياً.

 

عانت أوروبا من نتائج هذا الصراع في منتصف التسعينيات عندما انقسمت يوغسلافيا. كان وقتها بداية دخول مصطلح "التطهير العرقي" إلى التداول. المصطلح الذي يشير إلى ممارسات إرهابية بحق جماعة بشرية ما بهدف حملها على ترك أرض آبائها والخروج منها بهدف خلق تجانس أكبر. يعرف فاميك فولكان في كتابه خطوط الدم من التفاخر العرقي إلى الإرهاب العرقي هذا الأخير على أنه:

" تلك الحالات التي يرتبط فيها قادة الإرهابيين بشدة بهوية مجموعتهم الكبرى ويسعون إلى تعزيز هذا الارتباط من خلال ممارسة العنف على نطاق واسع وإدامة وتحسين أوضاعها السياسية مثل الحصول على شكل من أشكال الحكم الذاتي أو إنشاء دولة لهذه المجموعة الكبرى. يضفي هؤلاء الإرهابيون الشرعية على أعمالهم من خلال تسمية المجموعات الأخرى بأسماء مثل المعارضة والاستعمار والاحتلال والقوى الأجنبية."

خلفت الحرب البوسنية بين عامي 1992-1995 أكثر من 100000 قتيل أو مفقود بينما أجبرت مليوني إنسان على ترك منازلهم والنزوح داخلياً أو يصيروا لاجئين في دول أخرى. ارتكبت جرائم الحرب من مختلف الأطراف ولكن الحصة الأكبر كانت بيد صرب البوسنة (جمهورية الصرب) الذين كانوا مدعومين علناً أو بالخفاء من النظام الصربي في بلغراد.

لم تشهد أوروبا الغربية وصول أعداد كبيرة من اللاجئين منذ حرب البلقان أكثر من اللاجئين السوريين. وحيث كان الوضع سيئاً في سوريا في خريف عام 2015 فقد زادت روسيا من سوء الأوضاع بتدخلها العسكري الجوي إلى جانب قوات النظام السوري في الفترة ما بين أيلول 2015 وآذار 2016. تورطت روسيا بقصف جويّ عنيف ولكنه غير مكلف (استعملت فيه القليل من القنابل الذكية) مما خلق موجات هجرة جماعية أخرى. بحسب روي غوتمان مراسل الشرق الأوسط الحائز على جائزة بوليتزير فإن الحملة الجوية الروسية -التي نفذت أكثر من 8000 طلعة جوية منذ 30 أيلول عام 2015 موجهة ضد قوىً غير تابعة لداعش- هجرت مئات الآلاف من السكان من منازلهم. 75000 شخص فروا فقط في شباط من عام 2016 هرباً من القصف الجوي بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

 

إن العلاقة بين الصراع المسلح والحرب الأهلية من جهة والإرهاب من جهة أخرى علاقة قوية. وبحسب معهد الاقتصاد والسلام 88% من مجموع الهجمات الإرهابية وقعت في دول تشهد أو تتورط بصراع مسلح بينما 11% فقط من الهجمات الإرهابية وقعت في دول لم تكن منخرطة في صراع مسلح في ذلك الوقت. أقل من 0.6% من تلك الهجمات الإرهابية وقعت في دول ليس لها علاقة بأي صراع مسلح ولا أي شكل من أشكال الإرهاب السياسي(بحسب مؤشر غيبني).

العلاقة بين الإرهاب المرتبط بالصراع المسلح وهجرة اللاجئين هي علاقة معقولة أيضاً بالنظر إلى أعداد اللاجئين من الدول التي مزقتها الحرب الأهلية بوجود تدخل أجنبي أو بدونه. الدول الخمس ذات النصيب الأكبر من عدد ضحايا الإرهاب - معاً يشكلون ما يفوق نسبة 50% من ضحايا الإرهاب في عام 2014- كانوا أفغانستان والعراق ونيجيريا وسوريا وباكستان. بالمجموع كانت نسبة القتلى في تلك الدول 78% من مجموع القتلى الذين سقطوا على يد الإرهاب بنسبة 57% من العمليات الإرهابية التي سجلت في عام 2014

 

الشكل 13: مجموع اللاجئين والمسجلين في وضع لاجئ منتصف عام 2015 وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة مع مجموع الحوادث الإرهابية




اسم الدولة

اللاجئون

الحوادث الإرهابية في الفترة ما بين 1970-2014

أفغانستان

2632534

7765

كولومبيا

346125

8049

العراق

377747

16448

نيجيريا

120303

2286

باكستان

262136

11804

الصومال

1105618

2557

سوريا

4194554

1390

 

Source: US Central Intelligence Agency. The World Fact Book. Langley: CIA, 2016, Country Comparison: Net Migration Rate, www.cia.gov/library/publications/resources/the-wordfactbook/rankorder/22...

 

لأول وهلة تبدو العلاقة بين الحرب (الأهلية) والإرهاب وهروب اللاجئين علاقة قوية. ومع ذلك يبدو أننا بحاجة إلى الخوض في عملية تحليل زمني لكل حالة الأمر الذي يتطلب من جملة أمور إنشاء قاعدة بيانات تراكمية تهتم أيضاً بإحصاء عدد اللاجئين وتدفقاتهم والذي يتجاوز إطار هذه الدراسة الاستكشافية.

 

E. هل تشكل مخيمات اللجوء سبباً وهدفاً في الوقت نفسه للإرهاب؟

أولاً: قوانين مخيمات اللجوء

توجد مخيمات اللجوء في أكثر من 125 دولة حول العالم وبينما يظن المرء أن هذه المخيمات هي أماكن مؤقتة للعيش إلا أن الحقيقة المرة أن متوسط الوقت الذي يمضيه اللاجئ فيها يصل إلى 17 عاماً. وبينما يحلو للمرء أن يعتبر هذه المخيمات أماكن آمنة يلجأ إليها أولئك الذين هربوا من العنف وفيها يستطيعون التعافي من آثار الاضطهاد والخوف الذي مروا به وينتظرون انتهاء القتال ويفكرون كيف يستعيدون حياتهم السابقة إلا أن الحال ليست كذلك أبداً فمخيمات اللجوء عادةً ما تكون أماكن آمنة وتحت الحراسة ولكنها تبقى مرادفاً للبؤس وفقدان الأمل للقاطنين فيها الذين يمضون أوقاتهم منتظرين فرصة أفضل. إنها مثل السجون يمكن أن تصبح أرضاً خصبة للإرهاب. أكثر من نصف سكان مخيمات اللجوء هم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً يعتبر الشباب أكثر عرضةً للانضمام للمنظمات الإرهابية من الكبار والإقامة المفتوحة في مثل هذه المخيمات تعطي المنظمات الإرهابية والعصابات فرصة جيدة لتجنيد المقاتلين.

يسأل براين جنكينس الخبير في شؤون الإرهاب في مدونته الجديدة فيما إذا كان الصراع السوري مؤخراً سينتج جيلاً جديداً من الإرهابيين قياساً على الصراع الفلسطيني. من المؤكد أن الكثير مما يثير القلق يحدث هناك وسيكون من المفيد جداً النظر إلى التجربة الفلسطينية السابقة.

يمكن فهم كيف أن تصبح مخيمات اللاجئين أرضاً خصبةً للإرهاب بالنظر إلى مصير الفلسطينيين الذين أجبر الكثير منهم على ترك أرضهم ومنازلهم عشية تأسيس دولة إسرائيل. بين ربيع عام 1948 وربيع عام 1949 فر نحو 700000 فلسطيني من أرضهم بعد أن استولت إسرائيل عليها. في عام 1947 قامت المجموعات الإرهابية اليهودية مثل الأرغون وشتيرن بمهاجمة الجنود البريطانيين والسكان المدنيين كذلك الأمر الذي أدى في النهاية إلى نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين. أدت محنة الفلسطينيين هذه إلى تدخل الدول العربية في محاولتهم لإلغاء دولة إسرائيل في عام 1948 إلا أن محاولتهم لم تنجح. تبع ذلك سلسلة من الحروب والصراعات في الأعوام 1956-1967-1973-1982 وما بعدها. حرب الأيام الستة عام 1967 تسببت لوحدها بتدفق كبير للاجئين بين 200000 و 325000 فلسطيني. وبينما يتقلص عدد اللاجئين في المخيمات في الوضع الطبيعي إلا أن الأمر مختلف في حالة الفلسطينيين فلا يزال هناك حوالي 1.5 مليون لاجئ فلسطيني مع ذريتهم يعيشون في المخيمات في كل من الأردن ولبنان وسوريا لأن هذه الدول رفضت دمج اللاجئين لأسباب سياسية. بمجرد أن اتضح للفلسطينيين بعد حرب الأيام الستة عام 1967 أن الدول العربية لا تريد ولا تستطيع إعادة أرضهم لهم لجأت عدة فصائل فلسطينية إلى عمليات المغاوير التي تأخذ عموماً شكل العمليات الإرهابية وبدأت تستهدف المستوطنات الإسرائيلية. ولكن المواجهة الأعنف كانت مع إحدى الدول المستضيفة لمخيمات اللجوء الفلسطينية في الأردن التي يعيش فيها نصف تعداد الفلسطينيين في المنفى اشتبكت الفصائل الفلسطينية المسلحة مع الملك الأردني الهاشمي وسعت للإطاحة به. وبعد سلسلة من الاشتباكات استمرت بين أيلول 1970 وتموز 1971 هزمت الفصائل الفلسطينية هزيمة حاسمة وقتل آنذاك 30000 فلسطيني معظمهم من المدنيين في مخيمات اللجوء. من رحم هذه الهزيمة ولدت أحد أشد فصائل المقاومة الفلسطينية تطرفاً والتي تعرف باسم (أيلول الأسود) وأول ضحاياها كان وصفي التل رئيس الوزراء الأردني الذي اغتيل بيد خلية فلسطينية في القاهرة في 28-11-1971

معظم فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة غادرت الأردن بعد هذه الأحداث ولجأت إلى لبنان حيث أطلقوا من هناك عمليات إرهابية وساهموا في زعزعة استقرار لبنان. في منتصف السبعينيات أدى وجود دولتهم داخل الدولة في لبنان إلى أول حرب أهلية 1975-1976 والتي استمرت 18 شهراً وخلفت 60 ألف قتيل. خرجت المخيمات الفلسطينية من سيطرة الدولة في الأردن ولبنان وبدأت العناصر الإرهابية بتهديد أمن إسرائيل، ما سبب موجات من القمع والحروب الأهلية في الأردن وإسرائيل بالإضافة إلى التدخلات الإسرائيلية المتكررة والتدخل السوري في لبنان. وانخرطت المليشيات الفلسطينية أيضاً في عمليات إرهابية في أوروبا وما بعدها.

اليوم يواجه لبنان مرة أخرى تداعيات صراع مجاور كما حدث مع الأردن فقد تدفق اللاجئون إلى لبنان وبلغ مجموعهم ما يقارب ربع سكان البلاد ومرة أخرى يواجه لبنان تهديد زعزعة الاستقرار بسبب مخيمات اللاجئين. في أواخر عام 2015 ادعى وزير التربية اللبناني أن 20000 جهادي تسللوا إلى مخيمات اللجوء في بلاده.

 

في عام 2015 كان هناك 1.1 مليون لاجئ سوري في مخيمات لبنان وما يقارب 619000 لاجئ سوري في مخيمات الأردن نصفهم لم يبلغ 18 عاماً. لاحظ أحد عمال الإغاثة في أحد مخيمات اللجوء التابعة للأمم المتحدة في الأردن أن:

"يأتي أفراد العصابات الإسلامية كلاجئين إلا أن لديهم أجندتهم الخاصة. إنهم مثل عصابات المافيا. تحدث حالات قتل أحياناً داخل المخيمات... (…) مخيمات اللجوء خطيرة لأنها تحوي عناصر من داعش وعصابات عراقية وعصابات سورية. إنها مكان جيد للعصابات (…) إنهم يقتلون الناس داخل المخيمات بل إنهم يبيعون ويشترون النساء وأحياناً البنات"

قصص مشابهة وردت من مخيمات اللاجئين في تركيا تؤكد حضور أفراد الميلشيات المسلحة. فيما يلي حساب أحد السوريين أبو جمال المنشقين عن داعش يتحدث عن مخيم لجوء في تركيا:

يقدر أبو جمال عدد اللاجئين السوريين في مخيم أجاكالي في تركيا بحوالي ثلاثين ألفاً معظمهم من العرب. يقول أنه في معركة كوباني كان معظم قتلى داعش يحملون بطاقات مخيم أجاكالي وأكمل يقول أنه في مخيم أجاكالي هناك عشرون حياً لكل منها مسجده الخاص وإمامه العربي أو حتى واعظ غير رسمي. وذكر جمال أن بعض يجندون المقاتلين لحساب داعش. بالنتيجة يترك الشباب الصغار المخيمات للانضمام إلى داعش. هؤلاء الشيوخ يعظون الناس بالقول إن الجهاد فرض عين على كل رجل مسلم (أي مسؤولية فردية إلزامية ) طالما كانت سوريا في حالة حرب يوضح أبو جمال.وبالمثل أصر أن ممثلي داعش يضغطون ويهددون الرجال للانضمام إلى داعش بدون علم السلطات في المخيم. "إنهم يؤكدون لك أنك إذا قتلت في المعركة فسيعتنون بعائلتك وإذا لم ترد الانضمام إلى داعش فسيتوجب عليك ترك المخيم فلن يدعوك وشأنك أبداً"(…) أخبرنا مصادرنا أن الكثير من الشبان الصغار عُرض عليهم الانضمام إلى داعش وبعدها هربوا من عائلاتهم. كلهم انتهى بهم الأمر قتلى ينفذون عمليات انتحارية.

أدلة شفهية أخرى تربط بين مخيمات لجوء أخرى وتجنيد إرهابيين على سبيل المثال في كينيا حيث وجد أكثر من نصف مليون صومالي ملجأً لهم. بعضهم أصبح هدفاً لجهود التجنيد لأطراف الصراع في الحرب الأهلية هناك. في حادثة الهجوم الإرهابي على مركز التسوق ويست جيت في نيروبي في 21 من أيلول عام 2013 كان واحد من مرتكبي الهجوم وفقاً لتقارير صحفية لاجئاً من مخيم كاكوما ومشتبه به آخر يبدو أنه أجرى مكالمة هاتفية مع شخص ما في داداب أكبر مخيم للاجئين الصوماليين في كينيا125. 67 شخصاً قتلوا في هذا الهجوم بينما أصيب 175 بجراح بسبب الإرهابيين الأربعة. مليشيا الشباب كما معارضوها ينشطون بتجنيد الشباب في داداب يستخدمون في بعض الأحيان حججاً واهية ويعطون وعوداً للشباب السذج وهم لن يلتزموا بها. تشرح ليتا تايلور أحد الباحثين في منظمة هيومن رايتس ووتش الأمر: " خاطر هؤلاء الشباب والرجال في هذه  المخيمات بحياتهم من أجل الهروب ويُطلب منهم الآن العودة إلى (…) إن تجنيد المقاتلين من مخيمات اللجوء يقوض غرضهم الأساسي ألا وهو أن يكونوا في مكانٍ بعيد عن القتال.لمقاتلين بل إن الحكومات أحياناً تلجأ إلى ذلك.

 

في مسح حول تشدد اللاجئين لاحظت باربارا سودي وزملاؤها أنه في عام 2015:

تسمح الدول المضيفة والمنظمات الإغاثية أحياناً بنمو التطرف في المخيمات وذلك بسماحها للأجنحة السياسية للميليشيات المسلحة بالمساهمة الرسمية في جهود الإغاثة أو بدعمها لأحد الفصائل و/أو القيام بعمل عسكري في بلد اللاجئين (…) خطر التطرف يزداد إذا كانت الدولة المستضيفة غير قادرة أو لا تريد النهوض بأعباء مخيمات اللجوء والمناطق المحيطة. ويزداد الأمر سوءاً عندما تستولي الميلشيات على الأمن في مخيم اللاجئين و/أو تكون قادرة على عبور الحدود نحو البلد الأم للقيام بالأعمال العسكرية.

هذا الوضع من التطرف وتجنيد المقاتلين من اللاجئين ليس بالأمر النادر انظر الشكل 14.

 

الشكل 14:التطرف في مخيمات اللجوء - حالات مختارة.

1- اللاجئون الفلسطينيون في الشرق الأوسط, لبنان, 1967 – 1993: استولت فصائل متطرفة على مخيمات اللجوء في لبنان, وقامت بهجمات عبر الحدود.
2- اللاجئون الأفغان في إيران وباكستان, 1978-1988: تطرف محدود في البداية تلاه تجنيد مباشر لصالح الميلشيات المسلحة.
3- اللاجئون الأفغان في إيران وباكستان, تسعينيات القرن الماضي: تجنيد مكثف للمتطرفين وتصدير لهم.
4- اللاجئون الصوماليون في كينيا, 1990-2002: نشاط للجماعات المتطرفة في مخيمات اللجوء على فترات متعددة.
5- اللاجئون من راوندا في الكونغو, 1990-2002: الجماعات المتطرفة تستولي على مخيمات اللجوء, تقوم بهجمات عابرة للحدود, وينتشر العنف في المنطقة.

Source: Adapted from: Barbara Sude, David Stebbins, and Sarah Weilant. Lessening the Risk of Refugee Radicalization. RAND Perspective, 2015, p.3., http://www.rand.org/pubs/perspectives/PE166.html; accessed 28 January 2016.

 

يصبح التطرف والعنف وتجنيد الإرهابيين أكثر احتمالاً إذا كان مخيم اللاجئين على تماس مباشر مع المقاتلين في منطقة الصراع الدائر. الانضمام إلى القتال بدلاً من الانتظار في يأس أمر مغرٍ لكثير من الشباب وخصوصاً عندما يكون اللاجئون معزولون ولا يستطيعون الحصول على التعليم أو التوظيف.128

عندما فر الملايين من الأفغان من الاجتياح السوفيتي لبلادهم في ثمانينيات القرن الماضي انتهى الأمر بأكثرهم في مخيمات اللجوء في باكستان. بعض هذه المخيمات صار أرضاً لتجنيد المقاتلين المجاهدين. توفر هذه المخيمات أيضاً مكاناً مناسباً للدول الأجنبية ووكالات الاستخبارات التي تسعى لاستغلال اللاجئين لتحقيق أغراضها. كانت المخابرات الباكستانية والمخابرات الأمريكية CIA129 تجند الشباب في مخيمات باكستان مثل مخيم جالوزاي قرب بيشاور. في عام 1989 وبعد أن غادرت القوات السوفيتية أفغانستان تاركةً دميتها نجيب الله مكانها، عمدت المخابرات الأمريكية والباكستانية إلى تجنيد الشباب الصغار من مخيمات اللجوء وتقديمهم إلى أمراء الحرب مثل قلب الدين حكمتيار ضد نظام نجيب الله. وكما قال الدبلوماسي الأمريكي ماك ويليامز لاحقاً: الأمر الذي انتهوا إليه كان تفريغ مخيمات اللاجئين …. إنها محاولة أخيرة لرمي هؤلاء الصبية ذوي الستة عشر ربيعاً في أتون الحرب من أجل الحفاظ عليها مشتعلة. لم يكن الأمر ناجحاً". بحلول عام 1996 استولت طالبان على السلطة في أفغانستان وبحلول منتصف عام 2015 دعا حكمتيار أنصاره إلى دعم الدولة الإسلامية "داعش". لم تحاول داعش إنشاء محافظة لها في خراسان (الاسم القديم لأفغانستان الكبرى) ولكنها حاولت أيضاً اختراق مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا. أحد هذه المخيمات كان مخيم اليرموك الذي لا يبعد عن دمشق العاصمة إلا بضعة كيلومترات قليلة. حاولت داعش في عام 2015 الاستيلاء على المخيم آملةً بالحصول على الدعم من المؤيدين في المخيم البالغ عدد سكانه 18000 ويحوي (بالإضافة إلى الفلسطينيين النازحين السوريين). عندما هاجم النظام السوري مخيم اليرموك استخدمت داعش سكان المخيم بمن فيهم 3500 طفل كدروع بشرية. هاجم نظام الأسد أيضاً مخيمات اللاجئين في سوريا. في إحدى هذه الهجمات نفذت طائرات النظام غارة جوية في 5 أيار عام 2016 استهدفت مخيم كمونة الذي يبعد 10 كيلو متر عن الحدود التركية لقي فيها 28 شخصاً مصرعهم بينهم نساء وأطفال بينما جرح أكثر من 50 آخرين.

هذه ليست الحالة الوحيدة التي تتعرض فيها مخيمات اللاجئين للهجوم. على مدار ست سنوات من الإرهاب والحرب غير التقليدية أجبرت بوكو حرام أكثر من 2.6 مليون شخص على ترك منازلهم. ولكن ذلك لم يكن نهاية المطاف: فقد حملت بوكو حرام الاضطهاد إلى مخيمات اللاجئين. ففي 9 شباط عام 2016 نفذت امرأتان هجوماً انتحارياً قتل فيه 58 شخصاً وجرح 78 آخرون جروحاً خطيرة ووقع هذا الهجوم في مخيم ديكوا للاجئين الذي يضم أكثر من 53000 نسمة ويقع على بعد 85 كيلومتراً شمال شرق مايدوجوري عاصمة ولاية بورنو الاتحادية في شمال نيجيريا. الانتحارية الثالثة التي كانت معهم غيرت رأيها في اللحظة الأخيرة لأنها لم ترد قتل والديها اللذان كانا لاجئين في ذلك المخيم.

تزداد مخاطر وقوع هجمات إرهابية في الدول التي تستقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين سواء وقعت هذه الهجمات من قبل "اللاجئين المقاتلين" أو من قبل المتعصبين الكارهين للأجانب الذين يستهدفون التجمعات السكانية للاجئين. كشف تحليل شامل لعدة بلدان باستخدام بيانات سلاسل زمنية تغطي الفترة بين 1970-2007 أن احتمالية وقوع هجمات إرهابية محلية أو دولية تزداد في البلدان الأكثر استقبالاً للاجئين. أظهرت دراسة أخرى أن "تدفق اللاجئين يزيد بشكل حاسم عدد واحتمالية وقوع هجمات إرهابية عابرة للحدود في البلد المضيف, حتى مع عزل بقية المتغيرات".

 

ثانياً : دور الشتات.

في حين أن مخيمات اللاجئين عادةً ما تكون مناطق مغلقة وبعيدة عن المراكز السكانية في الدول المستضيفة فإن بعض المنفيين من بلادهم لأسبابٍ سياسية يمكنهم العيش في البلد المضيف بشكل قانوني ويشكلون "تجمعات الشتات" لاسيما في المناطق الحضرية وينضم إليهم بعض مواطنيهم من أقرباء (على سبيل المثال عبر الزيجات المدبرة يصبح الوصول إلى البلدان الغربية ممكناً) أو طلاب أو بوسائل أخرى.

لا يستطيع المهاجرون الذين تركوا موطنهم أن يتركوا ماضيهم وراء ظهورهم. وتستمر العداوات التي أدت إلى الصراع في البلد الأم ويحملها أبناؤها إلى البلد الجديد. فعلى سبيل المثال جلب الهنود والباكستانيون الصراع بين بلدانهم إلى المملكة المتحدة. عندما غادرت الاستعمار البريطاني الهند في عام 1947-1948 اتُفق على تقسيم الهند الأمر الذي أدى إلى عملية نزوح طالت 15 مليون شخص وأدى إلى مقتل بين مليون ومليوني من الهنود والباكستانيين في هذه العملية ما ترك ندوباً في قلوب الناس في كلا الطرفين. لا يزال الكثير  من الباكستانيين والهنود حتى الذين يعيشون في الخارج يتعاملون مثل الأعداء.

كثيراً ما يحاول اللاجئون استمالة أطرافٍ ثالثة ضد عدوهم في الداخل مثل محاولة الحصول على دعم الدولة المضيفة و الأحزاب السياسية وقطاعات المجتمع المدني (مثل اللوبي المناهض لكاسترو في ولاية فلوريدا) وذلك عندما يكون قمع الدولة هو الدافع للخروج من البلد. في بعض الأحيان يتواجد اللاجئون السياسيون واللاجئون لأسباب اقتصادية من طرفي الصراع في البلد المضيف ويستمرون في النزاع. كذلك هي الحال في ألمانيا بين الأتراك والأكراد. استغل حزب العمال الكردستاني الأراضي الألمانية لجمع التبرعات وتجنيد الشباب وإرسالهم كمقاتلين إلى الجبال في شمال العراق وشرق تركيا. في الوقت نفسه شنت المليشيات الكردية هجمات متكررة في ألمانيا استهدفت السفارات التركية والمواطنين الأتراك.

في بلدان الشتات نجد أيضاً الطلاب الذين وصلوا حديثاً من بلادهم والذين غالباً ما انخرطوا في نشاط سياسي. قد يصبح هؤلاء متطرفين فقط بعد أن وصلوا إلى البلدان المضيفة وذلك إثر زيارتهم إلى مساجد سلفية أو لقائهم بقدامى المحاربين الأفغان. كذلك كانت حال مجموعة هامبورغ التي شكلت جوهر الفريق الذي نفذ هجوم 11 أيلول عام 2001. لم يكن مسجد القدس في هامبورغ هو المركز الوحيد للمؤامرات في بلدان الشتات في أوروبا. الكثير من الجهاديين يتم إعدادهم في لندن حتى أطلق على العاصمة البريطانية لقب "لندنستان". باقتباس من بيتر نيسر في كتابه تاريخ الإرهاب الإسلامي في أوروبا:

كانت لندن مركز الثقافة الفرعية للجهاديين في أوروبا. تصرف الكثير من الدعاة المتطرفين الذين أمضوا الوقت في أفغانستان وباكستان والبوسنة ومناطق الصراع الأخرى كقادة وقاموا بتجنيد المقاتلين مع تزايد ساحات الجهاد. كما أنهم لعبوا دور المرشد الديني في الجماعات المقاتلة الأجنبية. اخترع مسؤولون أمنيون فرنسيون اسم "لندنستان" بسبب كثرة الجهاديين الموجودين في لندن من جهة ولأنها أصبحت معطة عبور للمجاهدين المجندين المتوجهين لمعسكرات التدريب في أفغانستان.أصبح "لندنستان" شعاراً بسبب اتجاه السلطات البريطانية إلى التغاضي عن الإرهابيين وتوفير ملاذ آمن لهم(…) وفي حين أن أهمية لندن لا يمكن المبالغة في تصويرها إلا أن شبكات الجهاديين ظهرت في جميع أنحاء بريطانيا وباقي أوروبا.

استمرت هذه الشبكات حتى اليوم بل إن بعضها ازداد قوة مع تزايد أعداد المسلمين في بلاد الشتات (حي مولينبيك في بروكسل على سبيل المثال). في حين أن الجيل الأول من المهاجرين المسلمين إلى أوروبا -مهاجرون عمال في كثير من الأحيان- كانوا في الأغلب محافظين وسياسيين إلا أن أولادهم من الجيل الثاني وجدوا أنفسهم غير قادرين على الاندماج في المجتمع المضيف. يجد هؤلاء الأبناء  لآباء مسلمين من شمال أفريقيا والشرق الأوسط من الصعب عليهم تحديد هويتهم في ظل وجهات النظر التقليدية لآبائهم. يتجه الآلاف منهم للتطرف وينتسبون للجهاديين في أفغانستان والشيشان والعراق والصومال وسوريا. هذا الصراع الداخلي يضرب على الوتر الحساس لدى الشباب الثائر المسلم ولدى الداخلين حديثاً إلى الإسلام خصوصاً عندما تكون سلطات البلد المضيف على وفاق مع النظام الاستبدادي في بلدان الآباء الأصلية على سبيل المثال كانت الحال كذلك بين المملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية. تسمح وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي للشباب المسلمين بالتواصل مع أولئك المقاتلين ضد الأنظمة القمعية في العالم الإسلامي. وبينما دفع اجتياح الولايات المتحدة لأفغانستان في أعقاب هجمات 11 أيلول بعض هؤلاء للانضمام إلى الجهاديين فإن الغزو غير المبرر للعراق عام 2003 أقنع الكثير منهم أن الإسلام نفسه يتعرض للهجوم ويجب الدفاع عنه في الوطن وخارجه. ساهم الربيع العربي عام 2011 بازدياد الوعي السياسي وعندما خرجت الجماهير في مظاهرات في سوريا ومصر ودول أخرى وقُمعت بوحشية كبيرة أصبح الكثيرون على قناعة باستحالة التغيير السلمي. عززت الشهادات الحية عن فظائع نظام الأسد القناعة لدى الكثير من الشباب أن الانتفاضة السنية هناك بحاجة إلى الدعم بأكثر من الكلمات. وصلت الدفعات الأولى من المقاتلين الأجانب إلى سوريا في عام 2012-2013 إلا أن إعلان الخلافة من جديد بيد تنظيم داعش رفع أعداد المقاتلين الأجانب القادمين من دول الشتات إلى سوريا بشكل كبير. انظر الشكل .

هؤلاء المقاتلون الأجانب من دول الشتات في أوروبا (+6000) كانوا أكثر من الذين قدموا من أراضي الاتحاد السوفيتي السابق (4700) أو جنوب شرق آسيا (900) ولكن أقل من الذين جاؤوا من المغرب (8000) أو الشرق الأوسط (8245). ما جمع هؤلاء كلهم كان أيديولوجيا قوية "الإسلام يتعرض للهجوم وواجب كل مسلم الدفاع عنه" ووجود هيكل تنظيمي جاذب (الخلافة الجديدة) تغمرها عائدات مالية منهوبة من البنك المركزي في الموصل. لهذه الأسباب أقدم الكثير من الشباب المسلمين على الهجرة إلى سوريا من أكثر من 100 دولة. مع وصول هؤلاء ازداد الصراع وتفاقم وبدأ المزيد من الناس بالتحرك بالاتجاه المعاكس أي الهجرة إلى أوروبا هرباً من الإرهاب والحرب.

 

ثالثاً: كراهية الأجانب في الدولة المضيفة كسبب للإرهاب.

بمجرد وصول اللاجئين وغيرهم من المهاجرين بأعداد كبيرة إلى البلد المضيف تبدأ في بعض الأحيان العمليات المعادية للأجانب آخذة إحدى جانبين إما استهداف طالبي اللجوء والمهاجرين لأسباب اقتصادية أو استهداف الليبراليين والديمقراطيين الذين يرحبون بهم. اتخذت هذه العمليات شكل هجمات وحرق بقنابل المولوتوف لمراكز اللجوء. وقعت هجمات بالمتفجرات والقضبان الحديدية والفؤوس والسكاكين في كل من النمسا، بلغاريا، الدنمارك، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، اليونان، لاتفيا، مقدونيا، هولندا، بولندا، اسبانيا وبريطانيا. شهدت السويد وحدها التي استقبلت في العام 2015 أكثر من 160000 طالب لجوء بمن فيهم 35000 من القاصرين بغير آبائهم شهدت ما يقارب 50 هجوماً ضد طالبي اللجوء أكثر من مجموع ما شهدته في السنوات الأربعة السابقة مجتمعة.

ذكرت السلطات الألمانية في تقرير لها أنه في العام 2015 وقع أكثر من 900 هجوم معادٍ للأجانب بزيادة تصل إلى 30% عن عام 2014 أسفرت هذه الهجمات عن جرح ما يقارب 700 شخص. هل يسمى هذا العنف السياسي اليميني المتطرف المعادي للأجانب إرهاباً؟ غالباً ما تطلق كلمة الإرهاب في الخطاب العام على عمليات الجهاديين الإسلاميين فقط. ومع ذلك لا يوجد أي سبب يمنعنا من إطلاق صفة الإرهاب على هذه الهجمات. قارن روبين شرودر من جامعية كييل العناصر المفهومة من التعريف الأكثر انتشاراً للإرهاب وتعريف الحكومة الألمانية للإرهاب أيضاً مع خصائص بعض هذه الهجمات على مراكز اللجوء - أكثر من 200 حريق متعمد لمراكز اللجوء في عام 2015 في ألمانيا وحدها- واستنتج التالي:

عندما نقارن العناصر الأساسية من التعاريف العلمية للإرهاب مع عمليات إضرام النار المتعمدة في مخيمات اللاجئين، نصل إلى الاستنتاج التالي: الهدف الأساسي من هذه الهجمات هو هدف سياسي، اختيار الضحايا عشوائي، والغرض الواضح من هذه الهجمات هو إيصال رسالة كراهية للأجانب. توجه الرسالة على شكل تهديد لمجتمع اللاجئين، باعتبارها رسالة عنف مقاومة لوجود اللاجئين تهدف إلى التأثير على صناع القرار السياسي كما أنها دعوة للتعبئة لكل من يحمل فكراً سياسياً مشابهاً. تضرب هذه الدعوة على الوتر الحساس ويظهر أثرها في تزايد الهجمات على مقرات اللاجئين. ما سبق يجعل من الواضح من منظور علمي اجتماعي أن هذه الأفعال يمكن تسميتها أفعالاً إرهابية.

إن غياب التعاطف في بعض قطاعات المجتمع المضيف مع الذين هربوا من حرب أهلية أو فشل الحكومة أو القمع الذي تمارسه الحكومة أو الجماعات المسلحة في بلدانهم الأصلية مسألة مثيرة للقلق. تستغل هذه المسألة عمداً من قبل قادة اليمين الديماغوجيين ويزيد المرشحون الشعبويون الأمر سوءاً.

في بعض الأحيان يهاجم بعض الأفراد وحتى جماعات اليمين المتطرف ليس مقرات اللاجئين فحسب بل أيضاً (الديمقراطيين الليبراليين) الذين يعتبرون الأكثر ترحيباً باللاجئين والمستعدين لتقديم المأوى لهم. وأسوأ مثال على ذلك هو الهجوم الذي نفذه أندرس بيرنغ بريفيك لوحده في النرويج في 22 تموز عام 2011. فبعد انفجار سيارة مفخخة في المنطقة الحكومية في أوسلو تابع الجاني ووصل إلى جزيرة أوتويا حيث قتل هناك 69 شخصاً من رابطة العمال الشباب بعدما احتجزهم تحت تهديد السلاح بينما جرح 66 آخرين. وحين سئل عن السبب الذي دعاه لارتكاب المجزرة قال إنه فعلها من أجل إنقاذ النرويج وأوروبا الغربية من سيطرة المسلمين وأن حزب العمال اضطر إلى "دفع الثمن" بسبب "خذلانه النرويج والشعب النرويجي".

حصلت في الماضي معارك بين الجماعات اليمينية المتطرفة والجماعات اليسارية المناهضة للفاشية في مختلف الدول الأوروبية. إلا أن عدداً قليلاً من هذه المواجهات حتى الآن كان بسبب قضية الهجرة. ولكن ومع تغير التركيبة السكانية للمجتمعات المضيفة في بعض المناطق تحت تأثير الهجرة غير الشرعية فإن الاستقطاب بين الجماعات الوطنية والأكثر ميلاً للأممية قد تؤدي إلى زيادة انتشار أعمال العنف الإرهابية "أفقياً" بينهما.

وبعد أن مررنا على الأسباب المحتملة لكل من الإرهاب والهجرة، دعونا الآن نلقي نظرة على العلاقة المباشرة بين المهاجرين والإرهابيين.

 

F. هل المهاجرون إرهابيون؟ أم الإرهابيون مهاجرون؟

حذرت منظمات حقوق الإنسان من الخلط أو الدمج بين اللاجئين والإرهابيين لأن اللاجئين على الأغلب هم ضحايا للإرهابيين. هذه نقطة صحيحة ولكن وكالعادة الواقع أكثر تعقيداً. حيث يمكن للمهاجرين أن يصبحوا إرهابيين (أو لاجئين مقاتلين) والعكس بالعكس أو أن يكونوا في الوضعين معاً على حد سواء.

وهذه بعض الأمثلة على هذه التعقيدات:

أولاً: الهجرة على خطى النبي.

عندما أسس أبو بكر البغدادي دولة (الخلافة) في منتصف عام 2014 ذكر المسلمين بالهجرة التي قام بها النبي من مكة للمدينة بدافع من إيمانه. الكلمة العربية هي "الهجرة". ادعى الخليفة الجديد أن من واجب كل مسلم القيام بهجرة مماثلة إلى بلد الخلافة والمساهمة في بناء الدولة الإسلامية. سمع نداؤه ولبّاه الآلاف من المقاتلين الأجانب (وحتى النساء الداعمين لدولة الخلافة) وأتوا إلى سوريا والعراق. بالمجموع وصل إلى سوريا أكثر من 30000 مقاتل أجنبي من أكثر من 100 دولة حول العالم منذ العام 2012. ومما يثير الدهشة بعض الشيء أن عدداً كبيراً من هؤلاء كان له سجل إجرامي قبل أن يغادروا أوروبا إلا أن عدداً قليلاً منهم كان متورطاً في السابق في أعمال إرهابية. في السنوات الأخيرة هاجر أكثر من ستة آلاف شاب وشابة من أوروبا إلى العراق وسوريا (انظر الشكل 15) للانضمام إلى منظمات توصف بالإرهابية.

ما يقارب 1500 من هؤلاء الستة آلاف عادوا إلى بلادهم في أوروبا بعد أن قاموا "بأداء الواجب" في دولة الخلافة. وعدد قليل منهم شارك في هذه الأثناء بأعمال إرهابية في بلادهم

 

الشكل 15: المقاتلون الأجانب من عشرين دولة أوروبية الذين غادروا باتجاه سوريا والعراق.



اسم الدولة

العدد

فرنسا

1700

ألمانيا

820

المملكة المتحدة

760

بلجيكا

470

البوسنة

330

هولندا

313

النمسا

300

السويد

300

كوسوفو

232

مقدونيا

146

اسبانيا

135

الدنمارك

125

ألبانيا

90

إيطاليا

87

النرويج

80+

فنلندا

70

صيربيا

70

سويسرا

57

الجبل الأسود

38

إيرلندا

30

المجموع

6155

Source: Alex P. Schmid. Foreign (Terrorist) Fighters with IS: A European Perspective. The Hague: ICCT, December 2015, p. 25, http://icct.nl/wp-content/uploads/2015/12/ICCT-Schmid-ForeignTerrorist-F... .

 

إن المهاجرين الذين تحولوا إلى إرهابيين أو على الأقل انضموا إلى منظمات ذات نشاطات إرهابية ثم عادوا إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا لم يتركوا بلد "الخلافة" بسبب خيبة الأمل وإنما بهدف تنفيذ هجمات في بلدانهم الأصلية هؤلاء العائدون أصبحوا بمثابة طابور خامس لصالح "الدولة الإسلامية" داعش في الغرب. أحد الوثائق الاستراتيجية التي أُخذت من داعش توضح النية المزمعة على استخدام موجات اللاجئين باتجاه أوروبا لتهريب الإرهابيين. يعتبر اللاجئون الحقيقيون الذين يفرون من سوريا بدلاً من الانضمام إلى داعش "مرتدين" بحسب توصيف قادة داعش.

 

ثانياً: الهجرة من أحد مناطق الصراع الجهادي إلى منطقة أخرى من قبل المجاهدين المحترفين.

إن ظهور الجهاد العالمي في السنوات الثلاثين الأخيرة أدى إلى الحالة التي ينتقل فيها الجهاديون من منطقة صراع إلى أخرى على سبيل المثال من أفغانستان إلى البوسنة ومنها إلى الشيشان وأخيراً إلى سوريا. لقد أصبحوا إرهابيين متجولين ربما لأن حكوماتهم سوف تعتقلهم إذا عادوا إلى بلدانهم الأصلية أو أن الجهاد أصبح نمط حياة بالنسبة لهم. قد ترتفع أعداد هؤلاء الجهاديين الجوالين بعد نشر قائمة بآلاف الأسماء لجهاديي تنظيم الدولة داعش في آذار من عام 2016 سربها أحد الجهاديين المحبطين، ما يعرض هؤلاء للاعتقال إذا ما حاولوا العودة إلى بلدانهم الأصلية. الأمر الذي يجعلهم بلا مكان يذهبون إليه إلا إذا عرضت عليهم حكوماتهم العفو. لذلك فإن العديد من هؤلاء المجاهدين يصبح مهاجراً دائماً يتنقل من بقعة للصراع إلى بقعة أخرى حتى وفاته.

 

ثالثاً: عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب.

المقاتلون الأجانب مهاجرون حسب التعريف ولكن عدداً منهم يعودون إلى بلدانهم مع تطرف أشد اكتسبوه في مناطق الصراع. ويبقون هناك منتظرين ولكنهم عاجلاً أم آجلاً سيتورطون في المؤامرات. كشفت دراسة أعدها بيتر نيسير عن 75 مؤامرة لداعش أن:

ثلث المؤامرات المرتبطة بداعش والتي استهدفت الدول الغربية كان من بين المتورطين فيها مقاتل أجنبي سافر سابقاً إلى الخارج وقاتل مع المنظمات الإرهابية أو تلقى التدريبات في ملاذ آمن للإرهابيين. يعتبر هذا الرقم على كل حال رقماً قليلاً فالإرهابيون يزيدون من اتخاذ الاحتياطات اللازمة لإخفاء اتصالاتهم وفي الحالات الأخيرة لم يُكشف عن تورط الإرهابيين إلا بعد أسابيع أو أشهر من التحقيقات. كان هؤلاء الجهاديين ذوي الخبرة مشتبهاً بهم أو متورطين أو محرضين على العشرات من الحالات التي تم تحديدها. نصف هذه الحالات تتضمن "عائدين", مقاتلين أجانب عادوا إلى بلدانهم من مخيمات التدريب التابعة لداعش ليشنوا هجماتهم بدورهم. من ضمن هؤلاء كان منفذوا هجوم باريس، المعتدون المسؤولون عن قتل السياح الأجانب في المتحف التونسي ومنتجع الشاطئ في تونس، والمشتبه به في إطلاق النار على المتحف اليهودي في بروكسل عام 2014 وآخرون.

بحسب تقارير صحفية فإن 1500 مقاتل أجنبي تقريباً من أصل 6000 عادوا إلى أوروبا. يتخذ المقاتلون الأجانب العائدون سبلاً مختلفة للوصول إلى أوطانهم. فمنهم من يستخدم جواز سفره وبعضهم يلجأ إلى تزوير وثائق سفر وبعضهم يأتي بهويات مسروقة وقليل منهم يسافرون بدون أوراق مختبئين في موجة اللجوء التي انطلقت من المهاجرين باتجاه أوروبا في خريف عام 2015. أعداهم ليست كبيرة ولا تتجاوز العشرات من الجهاديين المحتملين الذين تظاهروا بأنهم لاجئوا حرب فروا من سوريا ولكن تم اكتشافهم من بين مئات الآلاف الذين هربوا من سوريا أو من مخيمات اللجوء في تركيا ولبنان. ومع ذلك فوجودهم بين اللاجئين الحقيقيين دق ناقوس الخطر بين أجهزة الاستخبارات وحتى بين السياسيين اليمينيين الشعبويين. بعض هؤلاء الذين اختبؤوا بين اللاجئين ليسوا مقاتلين أجانب عائدين بل جهاديون من سوريا أو العراق. بعض هؤلاء سُجلوا وأخذت بصماتهم عند الحدود في اليونان أو تركيا أو ربما يحملون أوراق إقامة من مراكز اللاجئين في ألمانيا. على سبيل المثال نبيل الفضلي الانتحاري الذي قتل عشرة سياح ألمان في ساحة السلطان أحمد في اسطنبول يوم 12 كانون الثاني عام 2016 كان قد دخل تركيا قبل أسبوع واحد، وسجل نفسه كطالب لجوء. أيضاً عبد المجيد تويل أحد الجناة المفترضين في مذبحة متحف باردو في تونس كان قد عبر المتوسط لاجئاً إلى إيطاليا ولكن أُلقي القبض عليه ثم أطلق سراحه لاحقاً لعدم كفاية الأدلة. مثال آخر تونسي يدعى وليد الصالحي (يحمل هويات أخرى كذلك) الذي هاجم مركزاً للشرطة في باريس يوم 7 من كانون الثاني عام 2016 - في الذكرى السنوية للهجوم على تشارلي إيبدو- كان قد سُجل في مركز للاجئين في ركلينغاوسين في ألمانيا، ارتدى يومها حزاماً ناسفاً مزيفاً ولكنه كان يحمل ساطوراً حقيقياً وصاح "الله أكبر" عندما بدأ هجومه. أُطلقت عليه النار قبل أن يتسبب بأي أذى. وأيضاً اثنان من المتورطين في هجمات باريس يوم 13 تشرين الثاني عام 2015 كانوا قد دخلوا أوروبا مختبئين في موجة اللاجئين آنذاك ويحملون جوازات سفر سورية مزورة. كم من هؤلاء الجهاديين المضطربين الخطرين موجود بين اللاجئين؟! لا نعرف حتى الآن. كان مكتب الهجرة الاتحادي في ألمانيا مضطراً للاعتراف أنه في لحظة ما كان في البلاد 400000 شخص لا تُعرف هوياتهم. 130000 طالب لجوء ممن دخلوا ألمانيا "اختفوا" بطريقة أو بأخرى وبعضهم قد غادر إلى بلدان أخرى.

تستفيد داعش من الجهاديين العائدين ومن طالبي اللجوء على حد سواء. بحسب برنار كازينوف وزير الداخلية الفرنسي فقد أنشأت داعش "صناعة" كاملة معتمدةً على تزوير جوازات السفر المسروقة من سوريا والعراق. وكما هو مبين أعلاه فإن اثنين من الإرهابيين المسؤولين عن مجازر باريس يوم 13 تشرين الثاني عام 2015 كانوا قد عادوا إلى أوروبا ويحملون على الأغلب جوازات سفر سورية مزورة. عدد الإرهابيين الذين أرسلتهم داعش إلى أوروبا غير معروف. أحد المصادر ممن كانوا يعملون في تهريب البشر ادعى أن داعش أرسلت 4000 مقاتل تقريباً إلى أوروبا وهذا رقم غير مؤكد ومبالغ فيه على الأغلب وفقاً لوزيرة الهجرة الهولندية كلاس دجيكوف فإن حوالي ثلاثين شخصاً مشتبهاً بهم في ارتكاب جرائم حرب عثر عليهم من بين 59000 شخص تقدموا بطلبات لجوء سياسي في هولندا عام 2015. هذه الأرقام المنخفضة مماثلة لما كان عليه الوضع في تدفقات سابقة للاجئين. من بين 25000 شخص أو أكثر من الجزائريين الذي وصلوا إلى المملكة المتحدة طالبين اللجوء منذ عام 1980 يُعتقد أن40 شخص فقط تورطوا بأعمال إرهابية. في حالة اللاجئين الصوماليين في الولايات المتحدة 36 شخصاً فقط من أصل 85000 كانوا مشتبهاً بصلتهم بالإرهاب. هذه الأرقام الضئيلة ونسبة 0.2% أو أقل تشير إلى أن المخاوف من "اللاجئين الإرهابيين" لا أساس لها من الصحة.

 

رابعاً: المهاجرون لأسباب اقتصادية يتحولون إلى مقاتلين إرهابيين أجانب عائدين.

هناك طريقة أخرى يمكن أن يتحول بها المهاجرون إلى "إرهابيين" مقاتلين: لدى ولاية الدولة الإسلامية "داعش" في ليبيا أعداء كثر وليس لديها الكثير من المقاتلين 4500 – 6000 مقاتل، كلهم تقريباً عدا 800 هم من الليبيين. من أجل تعزيز صفوفها في ليبيا عمدت داعش إلى خطف المهاجرين لأسباب اقتصادية القادمين من السودان وإريتريا وغرب أفريقيا أثناء عبورهم الصحراء إلى أوروبا. على سبيل المثال اختطف أحد السباكين وهو نيجيري برفقة مجموعة من السودانيين والغينيين في بنغازي وأُخذوا من قبل مقاتلي داعش إلى مخيم في الصحراء وأُجبروا هناك على تلاوة آيات من القرآن. ومن لم يكونوا قادرين على قراءة تلك الآيات كانوا يُعتبرون مسيحيين وتُقطع رؤوسهم على مرأى بقية المختطفين المسلمين. أُرسل هذا الرجل النيجيري بعد ذلك برفقة عدد من المخطوفين إلى مخيم للتدريب وبعد عدة أسابيع من التدريبات والتعليمات العسكرية كانوا جاهزين للقتال. هذا الشاهد النيجيري بالتحديد تمكن من الهرب واستطاع رواية قصته ولكنه يعيش في خوف شديد من تعرضه للاختطاف مرة أخرى من قبل داعش.

في أحد المرات دخلت إلى مسجد في ليبيا لأسأل الله أن يجعل موتي سريعاً وسهلاً. الآن أفكر في المغادرة ومحاولة نسيان ما رأيته في الصحراء في ذلك اليوم- كيف استطاع هؤلاء قطع رؤوس رجال آخرين وكأنهم يقطعون الخضروات كأن المسألة لا شيء بالنسبة لهم. عندما يكون لدي ما يكفي من المال سآخذ قارباً وأرحل نحو إيطاليا. لقد نجوت من الكثير حتى الآن ربما أستطيع النجاة من عبور البحر أيضاً.

 

خامساً: أبناء المهاجرين يتحولون إلى الإرهاب.

هناك أيضاً طريقة أخرى يمكن أن يتحول بها المهاجرون إلى "إرهابيين". إذا لم يكن المهاجرون مندمجين في المجتمعات المضيفة فقد يتولد لديهم بعض الاستياء وبإضافة مشاعر الغضب قد ينقلبون- أو على الأغلب أبناؤهم- ضد المجتمعات المضيفة.  هذا هو السبب أن العديد من المقاتلين الأجانب من أوروبا هم في الحقيقة أبناء لمهاجرين. إن احتمال تحول اللاجئين القادمين إلى غرب أوروبا إلى متطرفين احتمال ضعيف. ولكن هناك خطر من استغلال المهاجرين المقيمين في الاتحاد الأوروبي بطريقة غير شرعية وتجنيدهم من قبل المجرمين أو الإرهابيين أو حتى "شبكات هجينة" من كليهما. إن استيائهم من المجتمع الرافض لقبولهم قد يحفز بعضهم على الانخراط في أعمال عنف سياسي.

مع كل ذلك الغالبية العظمى من المهاجرين لا علاقة لهم بالإرهاب. هناك أرقام تؤكد ذلك. بين عام 2001 وحتى بداية عام 2016 استقبلت الولايات المتحدة 800000 لاجئ في برنامجها لإعادة التوطين. خمسة أشخاص فقط ممن خضعوا للتدقيق في إطار برنامج إعادة التوطين اعتقلوا بتهمة الإرهاب وذلك وفقاً لوزارة الخارجية ومعهد سياسة الهجرة16. وفيما يتعلق بالوضع في أوروبا فقد لاحظ بيتر نيومان مدير معهد ICSR  في لندن أنه من بين 600000 عراقي وسوري وصلوا إلى ألمانيا في عام 2016 فإن 17 منهم فقط خضعوا للتحقيق بتهم تتعلق بالإرهاب.

خلاصة القول: الإرهابيون الدوليون في كثير من الأحيان مهاجرون والمهاجرون (أو أولادهم) في مخيمات اللاجئين والشتات يمكن في بعض الحالات النادرة جداً أن يتحولوا إلى إرهابيين (أو لاجئين مقاتلين) إذا فشلت الحكومات في فتح أفق أفضل لهم.

 

G. عمليات مكافحة الإرهاب سبب للهجرة القسرية.

الإرهاب أداة للاستفزاز والمتورطون فيه يسعون إلى إثارة رد فعل مبالغاً فيه. وكلما كانت الحكومات أقل ذكاءً وقدرة على تحديد مكان وهوية مرتكبي الأعمال الإرهابية كلما عمدت الأجهزة الأمنية والقوات الحكومية إلى استعمال النهج العنيف الذي يستهدف قطاعاً كاملاً من المجتمع المرتبط بالإرهابيين. وغالباً ما يكون هذا جزءاً من خطة الإرهابيين التي يجادلون بأن: القمع يفتح عيون الناس وعندها سوف يرون كم الحكومة "شريرة" وهو ما يجعل الكثير من الناس يتحولون إلى الإرهاب ويدعمونه ويلتحقون بصفوفه. ثم يعمدون بدورهم لممارسة القمع ضد هذا القطاع من المجتمع الذي يدّعون حمايته كل هذا بسبب غياب الأخلاق لديهم واتباعهم لاستراتيجية ماكرة.

رد الفعل المبالغ فيه من قبل الدولة يكلف عشرات الآلاف من الناس أرواحهم ويؤدي بمئات الآلاف منهم إلى النزوح. بعد هجمات 11 أيلول عام 2011 شنت الولايات المتحدة الأمريكية حرباً على أفغانستان ولم تؤدي هذه الحرب إلى هروب 300 شخص من القاعدة إلى باكستان فحسب بل أدت أيضاً إلى تشريد آلاف آخرين. في منطقة القبائل في شمال وزيرستان في باكستان وجدت طالبان والقاعدة وتنظيمات جهادية أخرى ملاذاً آمناً لها. سعت باكستان للاستفادة منهم في سياستها الخارجية في أفغانستان وكشمير إلا أنها هي ذاتها أصبحت هدفاً في نهاية الأمر. فبعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وتعرضها لهجمات مباشرة من حركة طالبان باكستان، قرر الجيش أن يتصرف بشكل حاسم. في عام 2014 بدأ الجيش الباكستاني بشن هجوم موسع على المناطق الآمنة لحركة طالبان باكستان والقاعدة في منطقة وزيرستان. أدت هذه العملية إلى تشريد أكثر من مليون مدني من منازلهم. الأمر المحزن في هذا النزوح الناجم عن عمليات مكافحة الإرهاب أن أحد العاملين في جهاز الأمن الباكستاني كان متعاطفاً مع الجهاديين المستهدفين ويبدو أنه حذرهم مقدماً مما جعل العملية العسكرية الواسعة النطاق تخطئ أهدافها فقد هرب العديد من قادة الميلشيات المستهدفين إلى أفغانستان وانتظروا هناك حتى تهدأ العاصفة171. وكما العادة الناس العاديون يدفعون الثمن.

أما في سوريا فقد حاولت حكومة الأسد تسويق قمعها العسكري للسنة تحت شعار مكافحة الإرهاب، شعار يستخدم ليس فقط في محاربة تنظيم النصرة (فرع القاعدة في سوريا) ولكن أيضاً ضد المقاتلين الأكثر اعتدالاً الذين يقاومون نظاماً يشبه نظاما لإبادة الجماعية. تلقت الحكومة السورية المساعدة من إيران ومن القوات الجوية الروسية منذ أيلول في عام 2015 والتي على عكس الأمريكيين نادراً ما تستعمل القنابل الذكية. بالنتيجة سقط ضحايا كثر للعملية الروسية لمكافحة الإرهاب. عندما كثفت روسيا قصفها الجوي على حلب في شباط من عام 2016 بهدف السماح لقوات النظام بالتقدم هرب 15000 سوري من مناطق القصف في شمال حلب واحتشد الكثير منهم على معبر باب السلام الحدودي مع تركيا حيث لم يسمح لهم بالعبور.

التدخل الجوي الروسي والمساعدة الإيرانية على الأرض ساهمت بتعديل الكفة عن ما كانت عليه في أيلول عام 2015 حيث كان الأسد قد فقد السيطرة على أكثر من 80% من مساحة البلاد. هذا التكثيف الجديد للقمع أقنع مئات الآلاف من السوريين اللاجئين في مخيمات لبنان وتركيا أنهم كانوا ينتظرون عبثاً انتصار المقاومة الشعبية وأن العودة إلى سوريا المنكوبة والتي لا تزال تحت حكم الأسد لم يعد خياراً. في ذلك الوقت كان أكثر من 80% من اللاجئين السوريين في مخيمات لبنان والأردن يعيشون تحت خط الفقر. عندما خفضت الدول المانحة مساهماتها في المفوضية العليا للاجئين في عام 2015 أصبح وضع اللاجئين ميؤوساً منه. باجتماع هذه العوامل: فقدان الأمل - بعد التدخل الروسي- بسقوط الأسد وانتهاء الحرب قريباً وتزايد الفقر في مخيمات اللاجئين كنتيجة لانخفاض المساعدات الممنوحة من المفوضية العليا للاجئين جعلت مئات الآلاف منهم يقررون المقامرة والذهاب في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا منذ أن أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في 5 أيلول عام 2015 أن بلادها سترحب بهم.

في كثير من الأحيان كانت الضرر الناجم عن رد الفعل المفرط من قبل الدولة على إرهاب المسلحين أكبر من الضرر الذي يحدثه هؤلاء المسلحون الإرهابيون. رد الفعل المفرط من الولايات المتحدة في اجتياحها للعراق عام 2003 (حيث اتهم نظام صدام حسين خطأً بدعمه للقاعدة وامتلاكه أسلحة دمار شامل) خلف وحده بشكل مباشر وغير مباشر بين 137000 إلى 165000 قتيل من المدنيين ونزوح 1300000 شخص داخلياً بينما انتهى الأمر ب 1400000 شخص كلاجئين. أودى كل من التدخل الأمريكي في أفغانستان والضربات العابرة للحدود في باكستان بعد هجوم 11/9 بحياة 26000 و 21500 شخص من المدنيين على التوالي بدون الأخذ بالحسبان أولئك المسلحين المنخرطين في الصراع بشكل مباشر. يبلغ تعداد اللاجئين الأفغان في باكستان حوالي 1.5 مليون شخص مسجل وأيضاً حوالي مليون شخص غير مسجل جزء من هؤلاء يعودون إلى النزوح من أفغانستان في أعقاب الاجتياح السوفيتي في عام 1978.

 

H. ضبط الهجرة كوسيلة لمكافحة الإرهاب.

يبلغ تعداد سكان الاتحاد الأوروبي ذي 28 عضواً حوالي 510 مليون شخص بينما يبلغ تعداد سكان منطقة الشينغن والتي تتألف من 26 دولة حوالي 420 مليوناً. سمحت اتفاقية الشينغن في عام 1995 للأوروبيين بالتنقل الحر في فضاء سياسي تبلغ مساحته 4312099 كيلومتر مربع مع حدود خارجية مشتركة مؤلفة من 42672 كيلومتر من الحدود البرية و 8826 كيلومتر من الحدود البحرية. مع ذلك كانت فرونتكس منظمة مراقبة الحدود الأوروبية حتى وقت قريب تعمل ب 310 موظفين بميزانية تبلغ 114 مليون يورو سنوياً. لا تزال مراقبة الحدود من اختصاصات الحكومات الوطنية إلى حد كبير. ومع ذلك فقوة السلسلة تتحدد بقوة أضعف حلقاتها، وحدود الشينغن قوية بقدر قوة تلك المطلة على المتوسط ولاسيما إيطاليا واليونان. والتي صُممت فيها الحدود في الأصل للسيطرة على الهجرة غير الشرعية، استخدمت عمليات مراقبة الحدود منذ أحداث 9/11 بشكل متزايد في مكافحة الإرهاب وخصوصاً في الولايات المتحدة.

إن مراقبة الحدود لمنع دخول الإرهابيين أمر مشروع ولكن فعالية هذه الرقابة تصطدم بحقيقة أن العديد من الإرهابيين "محليون" أو أجانب يملكون تصاريح إقامة قانونية. يُستورد الإرهاب أحياناً من الخارج ليس من قبل الأجانب بل من قبل المواطنين والذين يصبحون أكثر تشدداً عندما يسافرون للخارج الأمر الذي يضع حدوداً لما يمكن لعمليات ضبط الهجرة أن تفعله لوقف الإرهاب. وعلى الرغم من ذلك تزايد استخدام عمليات ضبط الهجرة كأداة مهمة في مكافحة الإرهاب. من ناحية أخرى يمكن لقوانين مكافحة الإرهاب أن تؤثر سلباً على الهجرة وخصوصاً على أولئك المهاجرين الطالبين للجوء. استنتج أحد الكتاب في العام 2014 بالنظر إلى بيانات منطقة الشينغن في الفترة بين 1980-2007 أن "المبادئ الإنسانية التي قام عليها الاعتراف باللجوء لم تتآكل بسبب الإرهاب"، بعد سنوات أُمّنت سياسات الهجرة في أوروبا كما فعلت أمريكا عام 2001. يسأل هـ. سينوغلو و ن.آتون "لماذا تركز الولايات المتحدة وأوروبا على سياسات الهجرة وضبط الحدود في مكافحتها للإرهاب بالرغم من حقيقة عدم وجود ارتباط عضوي بين الهجرة والإرهاب؟" وأشاروا إلى بعض العيوب:

إن إنشاء رابط اصطناعي بين الهجرة والإرهاب يخلق غضباً وقلقاً لدى في أوساط المهاجرين ويزيد كذلك من المشاعر العدائية ضد الدولة. في هذه الحالة ترتفع مشاعر العداء للأجانب بالتوازي مع احتمالية وقوع اشتباكات بين قطاعات المجتمع. إن خلق توازن بين حقوق الإنسان والأمن ليست مهمة سهلة بالنسبة للحكومات التي تسعى لمزيد من الأمن. لا يكون لدى المهاجرين عادةً وضع جيدُ في بلدانهم الأصلية ويستغل الإرهابيون هذا الحال أو حتى السياسات الحدودية للدول(…) قد تسبب السياسات الصارمة والممارسات المعتمدة في إطار مكافحة الإرهاب انخفاضاً تدريجياً للمساهمات الإيجابية التي يقدمها المهاجرون في المجتمعات المضيفة. (…) لا يتفق استهداف فئة معينة على وجه التحديد من المهاجرين والأجانب من أجل مكافحة الإرهاب لا مع النظريات الديمقراطية الليبرالية التي دافع عنها الغرب لسنوات ولا مع نهج مكافحة الإرهاب الذي يدعو له مع الالتزام بحقوق الإنسان.

أحد المخاطر الأخرى لاستخدام ضوابط الهجرة من أجل مكافحة الإرهاب هو أن الأدوات الموسعة التي تستخدمها الحكومات في عمليات السيطرة على حركة الأجانب قد تستعمل أيضاً للسيطرة على مواطنيها. يناقش ديفيد كول في كتابه العدو الحليف ويقول" من مصلحتنا عدم مقايضة حقوق المهاجرين بأمن المواطنين المزعوم لأن الحقوق التي ننكرها على المهاجرين ستنكرها علينا السلطات لاحقاً وأيضاً لأن المعايير المزدوجة تقوض الأمن بإضعافها لشرعية الحرب على الإرهاب.

ببلوغ عمليات ضبط الهجرة والحدود مداها سوف تغلق فضاءات عالمية اجتماعية وسيدفع الناس العاديون ثمناً كبيراً لجرائم البعض. هناك طرق أخرى لمكافحة الإرهاب بأضرار جانبية أقل. مهاجمة أيديولوجية الإرهاب والبنى التحتية للتنظيمات الإرهابية تبدو خيارات واعدة أكثر من مراقبة تحركات جميع الأفراد على أمل القبض على بعض الإرهابيين بينهم.

  1. خاتمة

منذ خريف عام 2015 والرأي العام الأوروبي يتعرض للتحفيز بصور لضحايا الإرهاب في باريس وبروكسيل من جهة ولقطات فيديو لمسارات طويلة قطعها اللاجئون في طريقهم عبر البلقان إلى النمسا وألمانيا والسويد والبلدان الأوروبية الأخرى من جهة ثانية. خضعت قضيتا الهجرة والإرهاب معا للنقاش العام ما خلق الانطباع بأن القضيتان متداخلتان وأننا نتعامل مع نفس المشكلة تماماً. فعلى سبيل المثال في عام 2015 عندما وصل 10 آلاف شخص في يوم واحد عبر البلقان إلى وسط أوروبا صرح كل من الرئيس التشيكي ورئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو أن الإرهابيين قد يستخدموا موجة اللاجئين كغطاء للوصول إلى أوروبا وإنشاء "خلايا نائمة" في البلدان المضيفة.183 على كل حال القليل جداً من الحوادث التي ضُبط فيها إرهابيون يتسللون على أنهم لاجئون الأمر الذي يجب النظر إليه على أنه استثناء.

كان بيتر نيومان مدير معهد ICSR محقاً عندما قال:

إن الأشخاص الذين هربوا من الحرب الأهلية والظلم والفقر لا يميلون لمهاجمة المجتمع الذي وفر لهم الأمان وأعطاهم الفرصة لبداية جديدة. أنا أعلم أنه لا وجود لدليل مادي يثبت أن الجيل الأول من المهاجرين تحديداً قد يكون متمرداً أو متقبلاً لرسائل التطرف. وعلى العكس يظهر التاريخ أنهم سيكونون مشغولين ببناء حياة جديدة لهم ولأطفالهم ولا يكون لديهم الكثير من الوقت للخوض في السياسة أو التطرف الديني. حتى لو بدأ السلفيون المتشددون مثل الداعية الألماني بيير فوغل باستهداف اللاجئين فإن رسالتهم سوف تقع على آذان صماء.

يبدو هذا منطقياً ومدعوماً من اليوروبول- مع ذلك ومنذ نهاية عام 2015 ضُبط بعض الإرهابيين متقنعين كلاجئين قادمين من تركيا وليبيا إلى أوروبا.

وكما هو مبين في السابق فإن الرحلة الجماعية لدفعة إضافية من أكثر من نصف مليون لاجئ إلى أوروبا في نهاية عام 2015 سببتها مجموعة عوامل متنوعة من الشد والجذب، بما في ذلك إشارات الترحيب من ألمانيا والسويد، تحديداً في خطاب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في 5 أيلول عام 2015. عندما خفض المتبرعون دعمهم للمفوضية العليا للاجئين في مخيمات لبنان والأردن في عام 2015 ومع تبخر الأمل بانتصار قريب على نظام الأسد بعد التدخل الروسي قرر العديد من السوريين في تركيا ولبنان التوجه إلى أوروبا وعدم إمضاء المزيد من السنين في مخيمات اللجوء. (ينبغي التذكير في هذا السياق أن معدل الوقت الذي يمضيه اللاجئ في المخيم يصل إلى 17 عاماً). لا عجب أن كثيراً من اللاجئين الذين أمضوا سنوات في المخيمات قد ضاق الأمر بهم من البؤس ونقص الموارد وقلة الحراسة والأمن.

لو اتفقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على خطة عادلة لتقاسم الأعباء مع مراعاة القدرة الاستيعابية للبلد المتلقي فعندها لن يشكل استقبال مليون لاجئ مشكلة كبيرة بالنسبة لدول يصل تعداد سكانها إلى 500 مليون نسمة. ساهمت سياسات الدول الأوروبية المتخبطة وغير المنتظمة في زيادة أزمة اللاجئين. كان فشل اليونان في معالجة أزمة اللاجئين واضحاً منذ زمن طويل إلا أن إجراءً حاسماً لم يتخذ لإنقاذ نظام الشينغن من الانهيار. حتى يومنا هذا وأعضاء منطقة الشينغن لا يملكون أي نظام شامل وسلس لمراقبة حركة الناس الداخلين والخارجين من المنطقة. ولا يزال تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الحركات الإرهابية في أوروبا ناقصاً وغير كاف.

 

ومع ذلك فالحلول التقنية حتى الآن تكتفي بالربط بين الإرهاب والهجرة. الأمر المهم على الأقل بالنسبة  لضبط المهاجرين والتصدي للإرهاب هو اتخاذ إجراءين هما:

  1. على أولئك الذين يسعون لطلب اللجوء في أوروبا أن يلتزموا باحترام قوانين البلد المضيف والثقافة السياسية في أوروبا والقيم الأساسية الأوروبية (حكم الأغلبية الديمقراطي مع احترام حقوق الأقليات، سيادة القانون، الفصل بين الدين والدولة، المساواة بين الجنسين، حرية الفكر والدين والتضامن الاجتماعي، قبول التعددية والتنوع والتسامح المتبادل) و يضاً

  2. إن أولئك الذين يأتون إلى شواطئنا طلباً للحماية من الاضطهاد والإرهاب يجب أن يلتزموا بمساعدة السلطات في البلد المستضيف لتحديد من يقوم بتجنيد الإرهابيين والوسطاء والعاملين معهم. وكذلك كتابة تقارير عن أولئك الذين يسعون للانضمام إلى الشبكات الجهادية.

 

إن هذه الالتزامات من اللاجئين وبقية المهاجرين تعتبر ثمناً بسيطاً يجب دفعه للبلد التي وفرت للاجئ إمكانية إعادة بناء حياته في قارة شهدت العديد من الصراعات الدينية للهيمنة على السلطة وتمكنت في النهاية من التغلب على هذه الآفات التاريخية وتريد للأمر أن يبقى على هذا النحو.

 

علِّق

المنشورات: 106
القراءات: 1050514

مقالات المترجم