No votes yet
عدد القراءات: 11885

الطيّارون الأميركيّون يشعرون بتحرّشات الطائرات الروسيّة فوقَ سوريا

تاريخ النشر: 
10 كانون الثاني (يناير), 2017
اللغة الأصلية: 

في الوقت الذي تتشارك فيه الطائرات مجالاً جويّاً مزدحماً في حروبها المتوازية، يناضل العسكريّون للحدّ من خطر وقوع حادث.

 

 

في إحدى ليالي الخريف الماضي، التقطت طائرة استطلاع أميركية كانت تحلّق فوق سوريا في مهمّةٍ روتينية إشارَةً من مقاتلةٍ روسيّة تقتَربُ منها.

أرسل طاقم الطائرة الأميركية إشارات تحذيرٍ متكررة على تردّدٍ يستخدمُ عالمياً لإشارات الاستغاثة، إلاّ أنَّ الطيّار الروسيّ لم يستَجِب.

بدلاً من ذلك، وبينما انحرَفت الطائرة الأميركية بحركةٍ واسعة لجهة الجنوب، استدارت المقاتلة الروسية، وهي فئة متطورة من طراز سو-35 فلانكَر، نحوَ الشمال والشرق عبْرَ مقدّمة الطائرة الأميركية مثيرةً موجةً من الهواء العاصف ومشوّشةً أجهزتها الالكترونية لبُرهَةٍ وجيزة.

"قَدَّرنا بأنَّ ذلك الطيّار كان على بعدِ 800 قدَم من الطائرة الأميركية —أي على بعد بضع مئات من الأقدام— من دون أن يعلَم بذلك" بحسب ما قاله الكولونيل في سلاح الجوّ الأميركي بول بريش، قائد مجموعة العمليات الاستطلاعية 380، وهي وحدةٌ تعملُ من الخليج الفارسيّ.

 

 

مقاتلة روسية من طراز سو-35 فلانكَر تَحجُب مقاتلات إف-15 أميركية كانت تتزوّد بالوقود فوق سوريا في أيلول/سبتمبر. التُقِطَت الصورة بكاميرا على متن إحدى الطائرات الأميركية، وهي تُظهِر الطيّار الروسي على مسافة أقل من مسافة الثلاثة أميال وهي مسافة الأمان التي تمّ الاتفاق عليها بين روسيا والولايات المتحدة عام 2015

 

وبحسب الطيارين الأميركيين، فإنَّ ُالأجواء فوقَ سوريا تُعدُّ بمثابة حادثٍ دولي مُنتَظَرُ الوقوع. إنّه وضعٌ غير مسبوق أن تتزاحم المقاتلات الروسية والأميركية الأجواء نفسها وهي تقاتل في حروبها المتوازية، إذ يقصف الطيّارون الأميركيون مواقع تنظيم الدولة الإسلامية قَلِقينَ من الاصطدام مع الطيارين الروس وهم يقصفون الثوار الذين يريدون الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد. ما تزال الطائرات الحربية الروسية، والتي تهاجم أيضاً أهدافاً للدولة الإسلامية، تُحلِّقُ فوق سوريا بشكل يومي على الرغم من الوقف الحالي لإطلاق النار وذلك في حملة موسكو ضدّ القوات المناوئة للأسد بحسب سلاح الجو الأميركي.

وهنالك اتفاقية سلامةٍ جوية مضى على توقيعها عامٌ كامل بين الجيشين الأميركي والروسي، إلاّ أنّ الطيارين الأميركيين ما زالوا يجدون أنفسهم عُرضةً لتحرّشات الملاّحين الروس، سواء لعدم درايتهم بقواعد الطريق، أو لعدم قدرتهم أو عدم رغبتهم في اتّباعها باستمرار.  

"نادراً ما يجيبون، وإن حدث وأجابوا، فإنّهم يجيبونَ شفهيّاً" بحسب ما قاله الجنرال تشارلز كوركوران، قائد السرب-380 عمليات جوية، الذي يُحلّقُ في مهمّاتٍ قتالية في مقاتلة شبح. "لا نعلم ما الذي يمكنهم رؤيته أو ما الذي لا يمكنهم رؤيته، كما أننا لا نرغب بأن يصطدم أحدهم بإحدى طائراتنا".

تتسبب الطائرات الروسية بتعقيد الازدحام المروري الجوي وذلك بعدم إرسالها لإشارات التحديد واستهزائها بالبروتوكولات الدولية.

ولم تستَجِب وزارة الدفاع الروسية على الطلبات المرسَلة كتابياً للتعليق على تصرُّفات الطيارين الروس في الأجواء السورية.

ويزيدُ القلقُ الجوي من التوترات الثنائية بين الولايات المتحدة الأميركية وبين روسيا، وهي المتنامية أصلاً بسبب دور موسكو الذي يزداد حزماً في دعم الأسد ومنع سقوطه، وكذلك على خلفية تدخُّلها المزعوم في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية واستيلائها السابق على شبه جزيرة القرم. في أجواء كهذه، يخشى القادة العسكريون الأميركيون من أن يتحوّل حادثُ تصادمٍ إلى نقطة انفجار للمواجهة.  

"إذا ما تحطّمت طائرة فإنّ ذلك وبحسب الإحصاءات يعود على الأرجح لمشكلة ميكانيكية تسبّبت بتحطّمها، وليس لأنّ أحدهم أسقَطها"  وذلك بحسب ما قاله العقيد في سلاح الجو الأمريكي دانيال مانينغ والذي أضاف: "ولكن في ضباب الحرب واحتكاكها فإنّ الناس سوف يميلون إلى استنتاج أنَّ هنالك نوعاً من النشاط الخبيث أسقط تلك الطائرة".

عامَ 2015، وقّع القادة العسكريون للولايات المتحدة وروسيا مذكرة تفاهمٍ من أربع صفحات تهدف إلى منع طائراتهم الحربية من الاصطدام أو إسقاط بعضها البعض.

 

ويدفع كبار المسؤولين العسكريين الجُدُد في وزارة الدفاع الأميركية باتجاه تعزيز الاتصالات والتنسيق بين الجيشين. وبحسب الاقتراح، فإنَّ ثلاثة من الجنرالات البارزين في البنتاغون سوف يبحثون بشكل روتيني عمليات الشرق الأوسط مع نظرائهم الروس. أحد الدوافع خلفَ هذا المسعى للبنتاغون هو الاعتقاد بأنّ الرئيس المُنتَخَب دونالد ترامب ربما يرغب في زيادة التعاون مع موسكو في المنطقة، وذلك بحسب ما يقوله مسؤولون عسكريون رفيعون.

في الوقت الراهن، فإنَّ الجهود اليومية لتجنّب وقوع كارثة جوية، تجري بإشراف العقيد مانينغ الذي يتحدث الروسية ويقوم بعمله من قاعدة العديد الجوية في قطر. ويجري مانينغ ثلاثة اتصالاتٍ أسبوعياً مع نظيره الروسي وهو عقيد مقرّه سوريا، وذلك لضمان سلامة الأجواء لعمليّات الجيشَين.

في معظم الأسابيع فإنّهما يجريان محادثات مرتجلةً يومياً. وحين تكون العمليات القتالية مكثّفةً على نحو خاص، فإنّ العقيدين قد يتحدثان 10 مرات في اليوم كما حدَث في الشهر الماضي حين دمّرَت طائرة أمريكية 168 صهريجاً كانت تنقل النفط لتنظيم الدولة الإسلامية.

بالإضافة لذلك، يُنَظِّمُ مسؤول مدني رفيع في البنتاغون محادثة كل ستة إلى ثمانية أسابيع مع نظيره الروسي حول سوريا وذلك عبر دارة تلفزيونية مغلقة.

 

  

فنّيون من سلاح الجو الأميركي في قاعدة في الخليج الفارسي يجهّزون قنابل  1000 رطل للضربات الجوية ضد الدولة الإسلامية.

 

 

وإلى الآن فإنَّ أحد أخطر المصائب التي وقعت كانت بسبب الأميركيين في شهر أيلول/سبتمبر الماضي حين تسبّبت غارة جويّة أميركية من المفترضِ أنها تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية بمقتل العشرات من جنود الجيش النظاميّ السوري بدلاً من استهدافها لداعش.

سلّطَ الحادث الضوء على مواطن الضعف في الخط الساخن ما بين العقيدَين. في يوم الضربة نفسها، كان العقيد مانينغ بعيداً عن القاعدة القطرية التي تستضيف مركز العمليات الجوية الأميركية. وبعد أن بدأت الغارة اتّصل ضابط روسيّ بالخط الساخن وطلب التحدّث لعقيد أميركي يعرفه. لم يكن العقيد المطلوب موجوداً. أغلق الروس الخط، وما هي إلاّ 27 دقيقة بعد هذا الاتصال حتى أعاد الروس الاتصال لتحذير الأميركيين بأنّهم يقصفون الهدف الخطأ وذلك وفقاً لما أفاده مسؤولون أميركيون.

في ذلك الوقت أصدر الجيش الروسي بياناً قال فيه: "في حال كانت الغارة الجوية قد وقعت بسبب خطأ في الإحداثيات، فإنَّ ذلك يُعتَبَرُ نتيجةً مباشرةً لتعنُّتِ الأميركيين في عدم رغبتهم التنسيق مع روسيا [في] عملياتها ضد المجموعات الإرهابية في سوريا."

وقال العقيد مانينغ بأنّ من شأن جهود التنسيق الحالية أن تجعل الحرب أكثر سلامةً.

"نحن ما زلنا عند تقييمنا بأنَّه ليس لدى الروس نيّة لإلحاق الأذى بقوات التحالف في الجوّ أو على الأرض" بحسب ما قاله مانينغ الذي أضاف: "لأننا نعتقد أنّه ليس هنالك نوايا سيئة حيالَ قوات التحالف، لذا فنحنُ قادرون على تجنّب الاصطدام."

إلاّ أنَّ المشهد يبدو مختلفاً من قُمرة القيادة، إذ يقول الطيارون الأميركيون بأنَّ الروس يجرّبون في بعض الأحيان تجاوز الحدود ليتأكّدوا فقط إذا ما كان بمقدروهم الإفلاتُ منها.

إنّه وضعٌ بالغُ التعقيد بفِعلِ خليطٍ من الطائرات الأميركية والروسية والسورية والأسترالية والبريطانية والدانمركية والتركية والإماراتية والسعودية والأردنية التي تُنفّذُ مهاماً قتالية. وبشكلٍ اعتيادي فإنّ هنالك يوميّاً ما يتراوح بين 50 إلى 75 طائرةً بطيار أو دون طيار تحلّق فوق الرقة، معقل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، و150 طائرة أخرى تحلّق فوق الموصل العراقية التي تشهد اشتباكات عنيفة، وذلك كلّه بحسب ضابط رادار أميركي. وقامَ أعضاء التحالف الـ64 -روسيا ليست عضواً- بتنفيذ ما يزيد عن 51.500 طلعة جوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، نفَّذَت الطائرات الأميركية ثُلثَيْها حتى منتصف شهر كانون الثاني/ديسمبر الماضي.

 

وأدّى الاتفاق الذي تمّ في العام 2015 بين الأميركيين والروس إلى التفاوض حول ما يسمّيه الأميركيون "قاعدة الثلاثات". والتي تقتضي أن يحافظ الطيّارون على مسافة أفقية فاصلة تبلُغُ ثلاثة أميالٍ بحرية، أو 3000 قدم عمودياً. وفي حال اقتربوا أكثر من المسافة المذكورة، فإنّ ذلك يجب أن لا يتجاوز مدّة ثلاثة دقائق فقط.

"لقد اتفقنا على التعايش بسلام،" بحسب ما قاله العميد كوركوران.

 

غيرَ أنَّ الروس، وفقاً للطيارين الأميركيين، ميّالون لتجاهل اتفاقيات السلامة الجوية. تحمل الطائرات في أنحاء العالم أجهزة إرسال تبعثُ شيفرةً رباعية تسمح لمراكز التحكّم الجويّ بتحديد هويتهم، وتُعرَفُ هذه الممارسة بالزّعيق. تمتنع الطائرات الروسية فوق سوريا عن الزّعيق، ويبدو أنها تظهر كتنبيهٍ مجهولة الهوية على شاشات الرادار المقترِنة معها. أو أنّ الروس عادةً ما يجيبون على "اتصالات الحَرَس" وهي إجراءات استدعاء طارئ تتم من خلال تردد طوارئ معروف. في إحدى نوبات الثمانِ ساعات في 11 كانون الثاني/ديسمبر، على سبيل المثال، أجرى طاقم الرادار في إحدى الطائرات الأميركية التي تُدعى أواكس نحوَ 22 اتصالاً بقرابة 10 طائرات روسية ولم يتلقّ إجابةً واحدة. وكانت بضعة طائرات روسية قد اقتربت لمسافة خمسة أميال من طائرات التحالف. قام مشرف التحكّم على متن طائرة الأواكس بتوزيع الطائرات الأميركية لإبقائها بعيدةً عن الطائرة الروسية. "كانت هنالك عدة حالات تداخل في الإرتفاع" قال الضابط مشيراً للطائرات التي تحلّق قريبةً جدّاً من بعضها البعض.

في بعض الأحيان خرج الطيّارون الروس عن صمتهم حين كانَ صوتُ المتصل أنثويّاً.

في أوائل شهر أيلول/سبتمبر الماضي، رصدت ضابطة مراقبة جوية أميركية طائرةً مجهولة الهوية تقترب من طائرات للتحالف فوق سوريا، فحذّرت الطيار قائلةً: "أنت تعمل في نطاقٍ يخصّ طائرةً للتحالف".

ليجيبها صوتٌ أجشّ بلكنةٍ روسيةٍ ثقيلة: "إنّ لكِ صوتاً جميلاً، مساء الخير يا آنسة".   

العميد تشارلز كوركوران، قائد السرب 380-عمليات جوية عائداً من مهمة قصف. بعدسة ميشيل فيليبس- وول ستريت جورنال.

 

وقال العميد كوركوران "أنا مقتنع بأنّهم لا يعلمون بوجودنا قربهم في أكثر المكالمات".

وليس الحال على هذا النحو دوماً، ففي شهر أيلول/سبتمبر الفائت، خيّمت مقاتلة سو-35 روسيّة على مقاتلة إف-15 أميركية كانت قد أنهت غارتها فوق سوريا وعادت للتزوّد بالوقود من محطّة جويّة. صَوّر الطيّار الأميركي الطائرة الروسية وهي تحلّقُ بجانب الطائرات الأميركية بما لا يزيد عن ميلٍ ونصف، وذلك بحسب ما نقله العميد بيرش.

في بعض الأحيان، اخترقت الطائرات الروسية تجمّعات طائرات التحالف المنضبطة بصرامة فوق الرقة. كما قامت القاذفات الروسية القادمة إلى سوريا عبر إيران بعبور الأجواء العراقية مثيرةً البلبلة في النظام الجوي لطائرات التحالف التي تحلّق فوق ساحة معركة الموصل.

وقد شَهِدَ المقدّم أوغست بفلنغير، وهو قائد مقاتلة من طراز الشبح، حادثاً مشابهاً في العراق خلال شهر آب/أغسطس الماضي، وشبَّهَ السلوك الروسي آنذاك بجمهور يقفز عن المدرّجات وينزل لأرض الملعب في لعبة كرة قدمٍ احترافية. وكما قال: فإنّه "لا يجب على أحدٍ فِعلُ ذلك".

ساهَمَ كلّ من جيمس مارسون ونعوم رايدان في كتابة هذه المقالة.

علِّق

مقالات المترجم