No votes yet
عدد القراءات: 2067

الضربات الجوية على داعش تحول مدن سورية والعراق إلى خراب - ترجمة السوري الجديد

الكاتب الأصلي: 
Patrick Cockburn
تاريخ النشر: 
27 آيار (مايو), 2016
اللغة الأصلية: 

 

إنّ استخدام قوات برّية يبقي الخسائر البشرية من المدنيين أقلّ ما يمكن، ولكن هناك شعور بأنّ أيّ وسيلةٍ متّبعةٍ لهزيمة حركةٍ على هذه الدرجة من الوحشية والبطش كداعش مبرّرة..!

”يصنعون صحراء ويسمّونها سلاماً“ ينسب تاسيتوس* Tacitus هذه العبارة الموجعة إلى الزعيم القبلي البريطاني كالغاكوس Calgacus في وصفه الدمار الذي ألحقه جيش روما بالمتمرّدين البريطانيين منذ ألفي سنة. تردّد صدى هذا الشجب عبر القرون وانسحب على العديد من حملات فرض السلام، لكنّه ينطبق على ما يحدث الآن في العراق بشكل خاصّ.

يتقدم الآن قرابة 2000 جنديٍّ عراقيّ من القوات الخاصة والشرطة الفيديرالية والقوات الشيعية شبه العسكرية نحو الفلوجة، وهي مدينة عربٍ سنّة تسيطر عليها داعش منذ بداية عام 2014. يتقدم هؤلاء بدعم من القوة المدمّرة لتحالف القوات الجوية الذي تقوده الولايات المتحدة والذي نفذ 8503 ضربةً جويّةً في العراق و 3450 في سورية على امتداد العامين الماضيين. لولا هذا الدعم الجوي لما تمكّنت القوات المضادة لداعش في العراق وسورية من إحراز انتصاراتها الأخيرة.

وقد قال نجم الدين كريم محافظ كركوك الواقعة في الشمال الشرقي من الفلوجة في مقابلة مع الإندبندنت The independent ”أظن أنهم [يقصد القوات الحكومية] سيسيطرون على الفلّوجة ولكن المدينة ستكون مدمّرة في هذه العمليّة.“ وقال أيضاً ”إذا لم تدعمهم الضربات الجوية فلن يتمكنوا من السيطرة على المدينة.“

 

سوابق هذه العملية تنذر بالخطر، فقي كانون الأول ديسمبر الماضي استعاد الجيش العراقي مدعوماً بالقوة الجوية للتحالف مدينة الرمادي من داعش، ولكن أكثر من 70 بالمئة من المدينة مدّمر وما زالت الغالبية العظمى من أهل المدينة البالغ تعدادهم 400000 نازحين.

وقالت ليز غراند Lise Grande منسّقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق ”إن ما وجده الفريق في الرمادي من دمار يفوق أي منطقة أخرى في العراق. دمار رهيب“.

وقال العضو في مجلس قضاء الرمادي ابراهيم العوسج عقب سيطرة القوات الحكومية على المدينة منذ خمسة أشهر ”إن البنية التحتية من ماء وكهرباء وصرف صحي وغيرها من جسور وأبنية حكومية كالمشافي والمدارس كلها قد تعرض إلى الدمار بدرجة ما.“ من ضمن ذلك ما لا يقل عن 64 جسراً مدمراً.

لقد كان تفخيخ الأبنية الذي قامت به داعش سبباً لبعض هذا الدمار، ولكن معظمه كان نتيجة 600 ضربة جوية للتحالف وضربات مدفعية الجيش العراقي. إن قادة الجوّية الأمريكية يفخرون بالدقة المتناهية لقصفهم (بخلاف فييتنام أو ما سبقها من حروب) ولكن إذا صح ذلك فما الضرورة إلى تدمير الرمادي؟

يصح القول ذاته على انتصارات أخرى على داعش في سورية والعراق. لقد كنتُ العام الماضي في المدينة الكرديّة السوريّة كوباني والتي حاولت داعش الاستيلاء عليها بحصار استمرّ أربعة أشهر انتهت بطردهم على يد مقاتلين سوريّين أكراد مع 700 ضربة جوية أمريكية دكّت ثلاثة أرباع الأبنية. حيثما نظرت كان ثمة ركام من الإسمنت المطحون وقضبان تسليح الاسمنت المعدنية البارزة من أكوام الأنقاض. لم يبق هناك أبنية قائمة إلا في البقعة التي تشبّث بها الأكراد السوريون.

قد يكون للفلوجة الآن القدر نفسه. فهناك نحو 900 مقاتل من داعش فيها يذودون عن مواقع قتالية حسنة التجهيز فوق الأرض وشبكة من الأنفاق تحتها. وهم متمرسون في إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف أعدائهم بالقنص والعبوات الناسفة والأحزمة الناسفة وقذائف الهاون والانتحاريين.

في مناطق كتكريت والرمادي وسنجار انسلّ مقاتلو داعش وهربوا في اللحظات الأخيرة، اما في الفلوجة فقد يقاتلون إلى النهاية لأنها قريبةٌ من بغداد ولأنها رمز للمقاومة السنيّة للاحتلال الأمريكي منذ أن حوصرت مرتين في عام 2004.

قد يحتجّ البعض بأن هزيمة مقاتلي داعش المتطرّفين الذين زادت الحرب من بأسهم تستدعي استخدام قوة جويّة مكثّفة. ولكن كما هي الحال في كثير مما جرى خلال هذه الحرب في العراق وسورية، فإن الأولويّات السياسية هي من يحدد نوع الحرب التي تُشنّ.

في حالة الفلوجة وقبلها الرمادي تتصرّف القوات الأمريكية بدعم من القوات الحكومية النظامية والحلفاء المقبلوين سياسيّاً كالميليشيات السنيّة العشائرية. إن الولايات المتحدة لا تريد إعطاء دعم جويّ إلى القوات الشيعية شبه العسكرية المدججة بالسلاح والأكثر عديداً (الحشد الشعبي) إذ ترى أنها طائفية وتخضع لتأثير إيران.

 

المشكلة هي أن القوات الأمنية العراقية ذات الكفاءة القتالية محدودةُ العدد، إذ أنّ تعدادها -بحسب تقرير- لواءين أي 5000 جندي يضاف إليها فرقتان من الجيش النظامي، ولكن يجب الإبقاء على العديد من هذه الوحدات في بغداد وعلى امتداد خط الجبهة الطويل ولا يمكن تكليفها بالهجوم على الفلوجة والذي قد يستغرق وقتاً طويلاً حتى مع ضربات التحالف الجوية. أما تعداد القوة المهاجمة التي سيطرت أخيراً على الرمادي فكان 750 فقط من القوات الخاصة العراقية، والتي عملت كقوة تطهير بعد أن تم استهداف مقاتلي داعش من الجو.

إن استراتيجية الاعتماد على عدد محدود من القوات ذات الكفاءة العالية -يدخل في تركيبها اختصاصيون من الولايات المتحددة- والتي تكون قادرة على استدعاء الضربات الجوية على أي نقطة مقاومة هي استراتيجيّةٌ معقولةٌ عسكريّاً. ومن الملاحظ أيضاً أنّه لا يوج احتجاجات عالميّة على التدمير المنهجي للمدن والمراكز السكانية السنية في العراق. ينطبق على الرمادي التعليق سيّئ السيط للضابط الأمريكي على ماجرى في بلدة بين تري Ben Tre الفييتنامية منذ خمسين عاماً ”لقد غدا ضرورياً تدمير البلدة من أجل إنقاذها“.

ليس السبب في ذلك هو ما يُعطى من تبريرات لحملة القصف الحالية بأنها حملة اعتيادية في الحروب الجويّة -ويقول جُناتها إن القصف دقيق للغاية وقد أعدّت الحملة بحيث تبقي الخسائر من المدنيين اقل ما يمكن-. بل إن هناك شعوراً واسع الانتشار بأن أيّ وسيلة مبررةٌ من أجل هزيمة حركةٍِ على هذه الدرجة العنف الفظيع والتوحش كداعش. إن من دوافع الهجوم الحالي على الفلّوجة المجزرة التي أودت بحياة 200 مدنيّ في بغداد في التفجيرات التي نفّذها مهاجمون من داعش في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر.

 

إن ما سيجري في الفلوجة في الأشهر القليلة المقبلة ذو أهمية لأنه قد يعطينا فكرة عما سيحدث في حال حاولت الحكومة العراقية والبشمركا الكردية والتحالف استعادة السيطرة على الموصل التي ما زال تعداد السكان فيها مليوني إنسان. لا تسمح داعش لأحد بالخروج من المدينة وستقاتل بشدّة من أجلها لأن استيلاءها على الموصل في كانون الثاني يناير من عام 2014  هو ما مكنها من إعلان ”الخلافة“.

تفضّل الولايات المتحدة استعادة السيطرة على المدينة خلال هذه السنة، ويعتقد السيد كريم أن الرئيس أوباما ”يحاول مستميتاً إخراج داعش من الموصل قبل نهاية عهده“. ولا عجب في ذلك إذ أن خسارة المدينة وصعود داعش كانا ربما الخطأ الأكبر في حساباته خلال سنواته الثمانية في السلطة. ولكن حتى لو سقطت الموصل فعلاً فلن تنتهي الحرب، إذ لم يُعطى العرب السنّة في العراق بديلاً عن داعش إلا الاستسلام للحكم الشيعي والكردي.

تصرُّ الولايات المتحدة وحلفاءُ كبريطانيا ان على حكومة بغداد أن تكون أكثر احتواءً للناس الذين كانوا يعيشون سابقاً تحت حكم داعش. ولكن هذا الاحتواء لن يحدث فارقاً كبيراً ما دامت أماكن عيشهم أكواماً من الدمار.

 

-------------------------------------------------------------

كاتب المقال باتريك كوكبرن هو مؤلف ”الفوضى والخلافة: الجهاديون والغرب في الصراع على الشرق الأوسط“ ”Chaos and Caliphate: Jihadis and the West in the Struggle for the Middle East“ - من إضدارات OR Books

* تاسيتوس: مؤرخ روماني ولد في 55م وتوفي بعد 117 م (المترجم)

 

علِّق